منتديات زنكلوني الأدبية ...شعر ..قصص قصيرة...روايات
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 اكبر مجموعة قصصية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سموحة

avatar

المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

مُساهمةموضوع: اكبر مجموعة قصصية   السبت ديسمبر 10, 2011 9:11 am

رفيــــــق الرحلـــــة

عندما وصلت إلى مكتب قطع التذاكر وقلت له بأنني أريد تذكرة إلى دمشق في رحلة الساعة الثانية عشرة ليلا التي ستنطلق بعد نصف ساعة ، قال قاطع التذاكر وهو يطلب هويتي الشخصية : يبدو بأنك محظوظ ، بقي مقعد واحد .

ناولته بطاقتي الشخصية مع قيمة التذكرة وقلت : إذن احجزه لي ، إنها الرحلة الوحيدة التي تناسبني ، لأنها تصل دمشق في الثامنة صباحا .

وضعت التذكرة في جيبي وجلست على كرسي في الكراج إلى أن دخل الباص القادم من القامشلي ليأخذ معه ركاب الحسكة في هذه الرحلة .

اندفع حشد من الركاب نحو الباص فور وقوفه جوار المكتب ، ونهضت في لحظات لأنضم إلى هذا الحشد الصغير وكأننا عائلة واحدة سوف تمضي ليلة واحدة معا في هذه الرحلة .

مددت الخطوات نحو مقعدي فرأيت شخصا قرويا يرتدي فروة سوداء ضخمة يسبقني بلحظات ويبرك في ذات المقعد المجوز ناحية النافذة فعرفت حينها بأنه جليسي في هذا المقعد . بركت حده وأنا ألقي عليه السلام ، وألقي نظرة إليه لعل بي معرفة سابقة به ، فأجاب الرجل على سلامي بشكل موجز قائلا : وعليكم السلام يابن أخي . إنه رجل في نحو الستين من عمره ، يرتدي على رأسه شماغا أحمر اللون . بعد هنيهات من جلوسي اندفعت إلي رائحة كريهة من الفروة الضخمة التي يرتديها ، فمددتُ يدي إلى أنفي وأدرت وجهي اتقاء الرائحة ، عندها صدر صوت من الرجل وهو يجيب من تلقاء نفسه على سلامي سلامي للمرة الثانية : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، أهلا , أهلا بك , إنها فرصة جيدة لنتعارف . قلت : أهلا وسهلا ياعم . فصوب الرجل نظرة عميقة إلي حتى بدا لي بأننا على معرفة سابقة دون أن أنتبه ، فأدرت وجهي أبادله النظر دون أن أذكر بأنني أعرف هذا الرجل وفي لحظات سريعة أعدت استدارة وجهي وأنا أكاد أختنق من قوة الرائحة التي اندفعت إلي . لكن لبثت أنظاره معلقة بي إلى أن انطلق الباص وتقدم المضيف يناولنا كاسات ماء فارغة ، عندها بادرني الرجل بالسؤال عن اسمي ، فأجبته ، ويبدو بأن جوابي شجعه ليسألني عن عملي ثم عن العائلة التي أنتمي إليها ، ثم عن مكان سكني ، وعن سني ، ووضعي العائلي ، وكلما يسألني سؤالا أجيبه دون أن أنظر إليه متحاشيا قوة الرائحة التي تفوح منه


. ثم قال وهو يبدي رغبته الشديدة في تدخين سيجارة ويدين القرار الذي يمنع تدخين السجائر في الحافلات العامة : أما أنا إذا سألتني عن اسمي ، أقول لك أنهم يقولون لي : درباس ، ولكن اسمي في الهوية عبا س ، وليت اسمي كان في الهوية أيضا درباس لأنني أحب هذا الاسم أكثر من عباس ، بل أن من يريد أن يستفزني في القرية يقول : ياعباس ، فأنهض وأتشاجر معه لأنني أشعر بأنه أراد أن ينقص من شأني . وإذا سألتني عن عملي ، أقول لك بأنني مذ فتحت عيني على الحياة وجدت نفسي بين الأبقار ، كان أبي يربي الأبقار ، وعندما كبرت ورثت عنه هذه المهنة التي تعلقت بها ولتعلم بأن أكثر ما يحزنني عندما أسافر هو أنني أبتعد عن رائحة أبقاري وأظنها هي أيضا تكون حزينة عندما تفتقد رائحتي . ثم ابتسم قليلا ومد يده إلى بعض ثيابه تحت الفروة الضخمة التي تفوح منها كل تلك الرائحة الكريهة وأخرج كيسا بلاستيكيا أسود اللون ، وبدأ يفك الكيس ليظهر فيه كم من روث الأبقار ، فقلت له أن يحكم الكيس ويعيده إلى مكانه ، قال وهو يعيد ربط فم الكيس : قبل أن أستلقي علىالفراش لأنام في الفندق أفتح هذا الكيس وأضعه بجانب رأسي حتى أستطيع النوم . وإن اشتقت لأبقاري- ومد يده إلى إحدى جيوبه الداخلية أخرج صورة ملونة لعدة أبقار قائلا - : أنظر إلى هذه الصورة وأضعها جوار الكيس ولا أدري بنفسي إلا وقد غرت في نوم عميق . فنظرت إليه مرة أخرى وأنا أقاوم الرائحة التي بدت تسبب لي ألما شديدا في الرأس بعد نحو ساعة ونصف من انطلاق الباص الذي سيمضي الليل كله إلى أن يصل دمشق ، فقال وفمه يمتلئ ببسمة طفيفة : مرة واحدة سافرت وقد نسيت أن أصطحب معي هذا الكيس ، أمضيت ثلاثة أيام دون أن أغفو دقيقة واحدة ، كنت أبحث في الشام عن بقرة واحدة لأنظر فيها ، وأبحث عن قليل من روث الأبقار لأضعه في كيس وأحمله في جيبي دون جدوى ، وكأن الأبقار كلها ماتت لاسمح الله ، وفجأة وضع كفه على رأسي قائلا : أليس هذا إخلاصا مني لأبقاري ، أبقاري التي تقيني الحاجة ، أستلحفك بالله وقد وضعتُ يدي على رأسك هل أنا على خطأ أم على صواب ، لاتصمت ، قلأ لي ، أليست هذه الأبقار هي رزقي ورزق عيالي ، نسيتُ أن أقول لك بأن لي تسعة أولاد من زوجتين . صمت قليلا وهو يدين مرة أخرى القرار الذي يمنع التدخين في الحافلات ، لكنه مد يده إلى إحدى جيوبه الداخلية الكثيرة مرة أخرى وأخرج علبة تبغ وضع سيجارة في فمه دون أن يشعلها ثم قال : أجل سأقول لك قبل أن أنسى فعندما عدت إلى البيت أول شيء فعلته قبل أن أدخل على عيالي اتجهت إلى الخان ، وبركت بين الأبقار فلحقتني أم العيال ولحقني الأولاد إلى هناك ، وبعد ساعتين خرجت وقد استردت عافيتي قليلا ثم أمضيت ستة أيام أنام فيها في الخان بين أبقاري حتى أعوض ما فاتني من رائحة . وعاد مرة أخرى يضع كفه على رأسي قائلا : أستحلفك بالله وقد وضعت يدي على رأسك هل أنا على خطأ بسبب حبي لأبقاري ، أليست هي التي تقيني وتقي عيالي الحاجة والسؤال ، قل ، لاتصمت ، هل أنا على خطأ . فلم أجد بدا من أن أقول : لاياسيدي لست على خطأ ، بارك الله بقوتك .

أغمضت عيني في محاولة للنوم علـّي أنسى قليلا هذا الجحيم الذي رأيتني مرغما للبقاء فيه . راودتني أفكار عديدة مثل أن أوقف الباص وأنزل ، ولكن الوقت المتأخر من الليل منعي وكذلك شدة البرد القارس ونحن في بدايات شهر شباط .

وجاءني صوته بعد لحظات صمت : هل نمت ، يارجل أنا أكبرك بثلاثين سنة ولم أنم ، دعنا نتكلم إنها فرصتنا الوحيدة لنتعارف . فتحت عيني وقلت : لا لا لستُ نائما ، قل ماتشاء ، أسمعك جيدا . جاء صوته : مرة أراد أخي أن يتزوج ولم يكن لديه المهر فطاب مني أن أبيع أبقاري وأعطيه ثمنها ليتزوج ، فقلت له بأنني حتى لو كنتُ على وشك الموت وعلمت أن بيع أبقاري سينقذني من الموت حتى أتعالج بثمنها ، فلن أقدم على ذلك لأنني لاأتصور أن أكون في البيت بدون أبقار ، وعندها سأمضي ثلاثة أيام في الخان الفارغ من الأبقار وأقضي نحبي كربا على ذهاب أبقاري . فخاصمني أخي من يومها ولم يعد يدخل بيتي ، وعاد مرة أخرى يضع يده على رأسي قائلا : أستحلفك بالله وقد وضعت يدي على رأسك هل كنت على خطأ لأنني لم أبع أبقاري حتى يتزوج بثمنها ، وإن جعت وجاع أولادي هل كان أخي سيعطينا طعاما وإن أعطانا شهرا أو شهرين هل كا ن سيعطينا مدى الحياة ، قل ، استحلفتك بالله أن تقول ، وبدأ ت نبرات صوته تتصاعد : لاتصمت ، هل كنت على خطأ ، هل من حقه أن يخاصمني ولايدخل بيتي منذ خمس سنوات وحتى الآن ، ثم أنه يقول للناس بأن درباس ليس أخي ولا أعرفه وأنا بريء منه إلى يوم القيامة ، قل ، هل معه حق في كل هذا . فقلت وأنا أحاول أن أهدئ من روعه : لا ليس معه حق وأنت على صواب . فهدأته هذه العبارة ثم أخذ ينفث في السيجارة الغير مشتعلة ويهدا شيئا فشيئا .

عندما وصلنا أول استراحة خطر لي أن أستبدل الباص بباص آخر ، عندها وأنا أنهض للنزول أمسك درباس بيدي ونهض معي قائلا بأن أبقى ممسكا بيده لأنه لايرى ليلا بسبب مرض العمش الذي في عينيه ، طلب مني أن أوصله إلى المرحاض ، وقبل ذلك أشعل سيجارة لدى الخطوة الأولى للنزول من الباص وبدأ يدخن بشراهة إلى أن أدخلته إلى المرحاض ، دخل وهو يوصيني ألا أتحرك لأنه سوف يبقى ولايعرف كيف يعود إلى الباص . عندذاك وجدتها فرصة لأسأل سائق باص كان يقف في ذات الاستراحة ويتجه إلى دمشق عن وجود مقعد شاغر ، ولكنني الرجل اعتذر وهو ينظر إلي نظرات مريبة بسبب رغبتي لتغيير الباص ، ورأيته يتجه على الفور إلى سائق الباص الذي فيه مقعدي ويهمس إليه . بعد قليل اتجه السائق إلى الهاتف وأجرى اتصالا ، تذكرت أمر رفيقي في المرحاض وذهبت لأراه يقف بجانب باب المرحاض المفتوح يدخن بشراهة وهو يناديني ، فأمسكت بيده وقدته إلى صالة الاستراحة ليشرب كأسا من الشاي . شعرنا جميعا بتأخر انطلاق الباص عندما مضت ساعة دون أن ننطلق ، فبدأنا نسأل عن السبب ، قال السائق بأن عطلا ما قد حدث ، وقد اتصل بالشركة التي سترسل له بعد قليل معلم ميكانيك ليصلح العطل . بعد قليل حضرت دورية مسلحة من الشرطة فأشار السائق إلي ، أمرني أحدهم أن أرفع يدي بعد أن طلب من جميع الركاب الابتعاد ، وعندها لم يتردد درباس أيضا أن يرفع يديه معي ، تقدموا إلي وصاروا يفتشونني بدقة شديدة ، وبعد ذلك فتشوا درباس ووقعوا على ذاك الكيس . قال أحدهم : هذا ما نبحث عنه ياسيدي . عندها لم يتردد درباس من أن يقول : خذوا كل شيء إلا هذا الكيس . ثم قادونا إلى الباص وهم يشيرون للركاب بالابتعاد ما أمكن ، طلبوا أن أرشدهم على حقيبتي ، وفتشوها قطعة قطعة ، ثم فتشوا حقيبة درباس فوجدوا كيسا مماثلا للذي وجدوه بحوزته فقال درباس بأنه كيس الاحتياط . قال أحدهم : نعرف جيدا بأنه كيس الاحتياط .

طلبت الدورية من السائق أن ينطلق بالركاب ويكمل الرحلة بعدأن صعدنا إلى سيارة الدورية مع أمتعتنا إلى حيث المخفر ، هناك أبقونا حتى الصباح إلى أن أجروا كشفا مخبريا على الكيسين وقدموا لنا اعتذارا عن سوء الفهم هذا الذي دافعه الحرص على حياة الناس ، وأعادوا لنا أمتعتنا وأعادوا لدرباس الكيسين بعد أن أصر على إعادتهما إليه لأنه لايستطيع أن يتحرك خطوة واحدة بدونهما ، ثم قال رئيس الدورية بأنه أقسم على ألا نخسر شيئا لنكمل الرحلة فقد اتصل لحجز مقعدين وسوف يصل باص بعد قليل إلى ذات الاستراحة التي تم أخذنا منها . قال بأننا كما ركبنا معا في ذاك الباص سوف نكمل الرحلة معا في الباص الجديد . عنئذ تذكرت بأنني سوف أكون في مقعد واحد مع درباس فقلت : أرجو أن تتركوني وشأني ، أما درباس فلا علاقة لي به ، فقال درباس: إما أن نكمل معا الرحلة أو نعود معا إلى الحسكة . ومرة أخرى رأيتني مرغما للجلوس في مقعد واحد مع درباس وتحمل كل تلك الرائحة الكريهة . أخذتنا سيارة المخفر إلى الاستراحة ، في الطريق وقع عيني على محل لبيع العطور ، أوقفتُ السائق بجانب المحل ، ابتعت علبة عطر وانطلقنا إلى الاستراحة لنجد الباص واقفا بانتظارنا ، وضعنا أمتعتنا وقبل أن نصعد أخرجتُ علبة العطر وبدأت أبخها على فروة درباس حتى فرغت . قال درباس وهو يتقزز من رائحة العطر ويلمس الكيس تحت فروته : لكن لايهم مادمت أحمل هذا الكيس تحت فروتي .


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



من حكايا الرجل الذي لا يكذب


رغم مسافة خمسمائة متر بين بيتي وبيت علي بطه فإننا نتعامل كجيران في هذا الحي غير المنظم بالقرب من حدود تركيا , وهورجل في الستين من عمره, له أولاد يماثلونني في السن, قصير القامة إلى حد القزم , جهم الوجه , ذو نظرات حادة , له حاجبان كثيفان , كثير السعال , يرتدي حتى في الأعياد ثيابا رثة , ويبدو للمرء أن هذا الرجل لم يستحم منذ أن أنجبته أمه , يحمل بيده حقيبة متوسطة الحجم ويدور في البيوت يلحم تنكات الجبن التي يخفيها الناس للمونة , والأواني المعدنية المثقوبة , وفي بيته يملأ بوابير الغاز الصغيرة, أحيانا تزورنا زوجته وأحيانا يزورنا هو , ولكن هذه الزيارات نادرة كأيام الأعياد أو الواجبات الاجتماعية التي تطرأ بين الجيران 0 وأذكر أنني زرت بيت علي بطه مرتين , مرة منذ عشر سنوات عندما اشترى أبي منه بسكليتا وأرسلني لأجلبه إلى بيتنا , وكان بدون مقعد ولايصلح للركوب , فقال أبي بأنه اشتراه من علي بطه بمبلغ زهيد ليصلحه ويبيعه 0 المرة الثانية التي زرت فيها بيته كانت منذ ثلاث سنوات عندما أصابت ابنه الطفل / حَمَدو / رصاصة في عرس بالحي فذهبت أعزيه 0 أما هذه الزيارة الثالثة فقد حدثت منذ شهرين عندما اتفقنا نحن من نعد أنفسنا جوار علي بطه لزيارته حين سمعنا أن أحد حراس الحدود أطلق على جارنا النار وهو حاليا في الفراش بين الموت والحياة 0 اتجهنا نساء ورجالا صوب بيت جارنا على شكل قافلة 0 دخلنا حوشه الواسع فاتجهت النساء إلى حيث جمعهن , واتجهنا إلى غرفة الرجال التي يستلقي فيها علي بطه في فراشه مستقبلا الناس 0 بوصولنا إلى باب الغرفة تناهى صوت جارنا الأجش : أعوذ بالله من الرجل الذي يكذب 0 طرق أحدنا الباب ودلفنا , كانت الغرفة تضيق بالجالسين ولما رأوا أعدادنا , نهض البعض ليفسح لنا مكانا 0 كل واحد منا راح يمد كفه إلى علي بطه الذي بالكاداستطاع أن يبرك في الفراش ويده اليسرى ملفوفة بشاش على جبصين معلقة برقبته بواسطة محرمة بيضاء قائلا له : حمدا لله على سلامتك ياجار 0 ومنا من طبع قبلة على وجهه حتى جلسنا جميعا في الغرفة المملوءة بدخان السجائر 0 أحدنا الذي جلس تحت نافذة صغيرة , مد يده وفتح شقا منها 0 رحب بنا بحرارة وشكرنا على زيارته وراح يدفع علبة تبغه المعدنية الضخمة إلينا ويلحقها بسجائر ملفوفة , ثم أمر أحد أولاده ليحضر شايا , فسأله أحدنا : ما الذي حدث ياجار ؟ 0 أراد أن يعدل بعض الشيء في جلسته وهو يمد قدمه اليمنى ببطء ويقول بأنها تنملت , وأنه لم يعتد على الاستلقاء في فراش المرض , فتقدم ابنه الذي أحضر الشاي ووضع مخدة أخرى على المخدتين اللتين تسندان ظهره 0 عندذاك تناولته نوبة سعال حادة, ولكنه برغم ذلك مد يده إلى كأس الشاي من يد ابنه وأشعل سيجارة جديدة متجاهلا نوبة السعال التي أخذت تخف قليلا مع رشفه للشاي وقال : أعوذ بالله من الرجل الذي يكذب , أردت أن أذبح أرنبة فتحايلت على أن أمسك بها , ولكنها نظرت إلي وكأن صوتها تسرب إلى أذني : علي أنت تقذف الخس لي لا لتطعمني , بل لتذبحني ياعلي 0 فجفلت واستعذت بالله من الشيطان الرجيم 0 قلت لنفسي : ياعلي إنه شيطانها الذي قذف الكلام على مسمعك , لاتتردد من ذبحها ياعلي 0ولما رأتني أنظر إليها وأنا ما أزال مصرا على موقفي, استسلمت لإصراري حتى أمسكت بها , لكن بعد قليل استطاعت أن تفلت من يدي هاربة خارج الحوش فأقسمت ألا أكف عن مطارتها حتى تقع في يدي وأنا أجري خلفها كالمجنون– أعوذ بالله من الرجل الذي يكذب – رأيتها تتجه قافزة نحو البستان صوب الحدود , فلحقتها بخطواتي السريعةوهي تتجه إلى السور إلى أن اقتربنا من حرس الحدود الذي أعرفه ويعرفني , ودوما أقذف له أرغفة من خبز التنورالحار , ويقذف لي علبة دخان تركية , وكان يحمل بندقيته على كتفه واقفا على البرج يصوب نظره إلي وأنا أطارد الأرنبة التي وصلت السور 0 فقلت بأن أرنبتي سوف تستسلم لأنها لن تستطيع تجاوز السور , ولم تكتمل فرحتي حتى سمعت صراخا جاء من الحارس أعقبه صوت عيار ناري , شعرت بأن برقا أصاب يدي اليسرى , تمددت على الأرض وقد نسيت أمر الأرنبة 0 بعد قليل نادى الحارس بي , فأجبته بأنني علي بطه الذي يقذف له أرغفة الخبز 0 عندذاك قال لي بلغتي أن أرجع من حيث أتيت زحفا على بطني وإلا سوف يطلق علي النار مجددا 0 زحفت مستديرا نحو الخلف ساحبا معي خيطا من دمي إلى أن وصلت البيوت – أعوذ بالله من الرجل الذي يكذب - فحملني رجال كانوا ينظرون إلي وأعادوني إلى بيتي 0 تعالى صوت أحدنا : احمد الله ياعلي أنها لم تصب رأسك 0 قال بحشرجة خرجت من صدره بالكاد : ياليتها أصابتني وأراحتني 0 ثم سعل قليلا وأردف مستعيدا بعض صوته : اطلاق النار علي في كف , وخسارتي للأرنبة في كف 0 هربت مني وتركت حسرة في قلبي , ولا أظن أن هذه الحسرة ستطلع إلى يوم القيامة 0 سأقول لكم كيف وقعت هذه الحسرة في قلبي , منذ السنة الماضية ركبت دراجتي النارية واتجهت إلى البرية لأصطاد الأرانب فكانت هذه أول أرنبة أصادفها , سبحان الله ما إن وقعت عيناي على هذه الحيوانة الأليفة حتى اشتعلت في نفسي شهوة للحمها 0 ثم مد يده إلى فمه وهو يخفي بسمة قفزت إليه وأردف : تذكرت وأنا أنظر إليها أم الأولاد عندما ركبنا الطائرة وذهبنا نقضي شهر العسل في العاصمة , عندها شممت رائحة خبز التنور ونحن نحلق في السماء , اشتهيت الخبز وقلت لأم الأولاد : يا امرأة الشهوة أكلتني , لابد أن آكل رغيفا بأي ثمن 0 قالت : كيف يصلك الرغيف ياعلي ونحن في السماء ؟ 0 ناديت السائق بأن يهبط قليلا نحو التنور , فهبط إلى أن صرنا فوق المرأة التي تخبز , عندذاك مددت يدي من نافذة الطائرة وصحت بها أن تقذف لي رغيفا , فرفعت المرأة رغيفا , التقطته وعادت الطائرة للارتفاع – أعوذ بالله من الرجل الذي يكذب - قلت لنفسي : لن أترك الأرنبة حتى أمسك بها وأجعل أم الأولاد تشويها لي في التنور 0 لحقتها بدراجتي دون أن أستخدم البندقية حتى لايفسد لحمها , وآخذها إلى البيت حية,ابتعدتْ عني ووجهت الدراجة إليها , طارتها نحو ساعتين حتى حاصرتها في حفرة بدولاب دراجتي الأمامي 0 نزلت من الدراجة و مددت يدي إلى الحفرة , لكنها عضتني فسحبت يدي وخلعت المحرمة من رأسي , واستطعت أن أسحبها بواسطة المحرمة 0 عندها امتلأت نفسي نشوة وأنا أنظر في عينيها المستسلمتين بين يدي , فقد اشتهيت في حياتي كلها حاجتين وظفرت بهما 0 فربطتها جيدا ووضعتها في خرج الدراجة حتى لاتهرب وقررت العودة إلى البيت وأنا مسرور كأنني صدت عشرين أرنبا, أخرجت علكة من جيبي وبدأت أمضغها مع تدخين سيجارة بدلا عن الشاي 0ووجهت الدراجة إلى طريق العودة , مشيت مسافة بدراجتي وأحسست بأنها تتباطأ في سرعتها , ففطنت على الفور أن ملاحقتي للأرنبة لمدة ساعتين قد أنفذ البنزين , وعندذاك توقفت الدراجة وانطفأ محركها 0 فتحت غطاء / الخزان / وحركته , كان ناشفا كأنه لم ير البنزين أبدا 0 فتحت الخرج ونظرت في الأرنبة التي بادلتني نظرة استياء ولا أدري كيف صفعتها على وجهها بظاهر كفي وأنا أوجه لها شتيمة , ثم أعدت إغلاق الخرج وقد استبد بي شعور بأنني سوف أبات الليلة في البرية وأنا أنظر في لون الغروب 0 بركت بجانب دراجتي مستسلما لهذا القدر منتظرا الصباح كي أمضي بدراجتي سيرا لعلي أبلغ الطريق العام الذي خمنت بأنه يبعد مسافة خمسين كيلومترا عني 0مرت دقائق قليلة – أعوذ بالله من الرجل الذي يكذب – وكأني سمعت هدير طائرة , رفعت رأسي وبالفعل وقعت عيناي على طائرة تحلق في السماء 0 قلت : جاءك الفرج ياعلي 0 وأخرجت بندقيتي بأقصى سرعة , صوبتها نحو خزان وقود الطائرة وأطلقت طلقة فنزل البنزين كحبل إلى خزان دراجتي حتى امتلأ , وكي لاينفذ وقود الطائرة – أعوذ بالله من الرجل الذي يكذب – أخرجت علكتي من فمي بأقصى سرعة , وضعتها في فوهة البندقية وضغطت على الزناد فسدت ثقب الخزان 0عاد إلي أمل العودة إلى البيت والنوم مع أولادي , وعندذاك شعرت بأنني ظلمت الأرنبة عندما صفعتها ووجهت لها شتيمة , فمددت يدي وفتحت الخرج , داعبت رأسها برفق وأنا أعتذر عن الصفعة والشتيمة , ثم ملت بفمي لأقبلها من خدها حيث وقعت الصفعة فحركت يديها المربوطتين بحركة خاطفة وخرمشتني من وجهي حتى ركضت وأنا أمسك بوجهي , وفي أثناء ذلك ارتمت الدراجة على الأرض وانسال بعض البنزين منها وخرجت الأرنبة مربوطة من الخرج 0 عدت راكضا إلى الدراجة وأعدلتها , ولكن الدماء التي انسالت من وجهي ولدت في نفسي شعورا بالفزع من الأرنبة , فأخرجت كيس الخيش من الخرج وأمسكت به الأرنبة المربوطة , وضعتها في الكيس , ووضعت الكيس في الخرج ووجهت الدراجة مجددا صوب درب البيت0 نحو منتصف الليل وصلت بيتي حاملا أرنبتي وكا ن أهل البيت قد ناموا , أخرجتها من الكيس وتركتها مربوطة في الغرفة التي أنام فيها وأنا أقاوم شهيتي للحمها لأن الوقت متأخر 0في الصباح أول مافعلته بعد الصلاة هو أن ناديت أم الأولاد وطلبت منها أن تحضر سكيناحادا وتأتي لتمسك لي برأس الأرنبة لأذبحها 0فصوبت نظرة إلى الأرنبة وقالت : غبت عن البيت يوما من أجل أرنبة واحدة , أين كنت ياعلي 00 أرنبة واحدة وتريد أن تذبحها قبل أن تفطر كمن لم يذق طعم اللحم منذ سنتين 0
قلت : ياامرأة هذه الأرنبة أثارت شهيتي مذ أن وقع نظري عليها , لوتعلمين بأي حال جلبتها إلى هنا 00 أرنبة ولا كل الأرانب , لم يسبق لي أن اشتهيت لحم حيوان كشهيتي للحم هذه الحيوانة 0
فناولتني السكين الحادة , ومدت يدا إلى رأس الأرنبة والأخرى إلى يديها , ومن ناحيتي وضعت قدميها تحت قدمي 0 قلت : باسم الله 0 ومددت السكين إلى حلقها وفجأة انفجرت أم الأولاد وهي تترك الأرنبة : مهلك 00 مهلك ياعلي لاتذبحها 0
انتفضت الأرنبة لتهرب فأمسكت بها جيدا وأنا أوجه بصاقا لأم الأولاد : ابنة الكلب , كادت الأرنبة تفلت مني 0 فقالت : ياعلي الأرنبة حامل وبعد أيام سوف تضع سبعة أرانب 0 رميت السكين جانبا وأنا ألمس بطنها : سبعة أرانب , مادام الأمر فيه سبعة أرانب أجّل شهيتك ياعلي وستظفر بطعام سبعة أرانب , لابد أن لحم أرانبها سيكون بلذة لحمها الذي صار حسرة في نفسك ياعلي 0
عندذاك قمت بحفر حفرة في الحوش وتركتها تكمل الحفر , وصرت ألملم لها الأوراق الخضراء والحشيش وأحيانا أنزل سوق الهال أشتري بقايا الجزر والخس لها حتى مضى شهر ورأيناها تخرج فتبحث عن الصوف والأقمشة المهترئة والخيوط وتمزق الأكياس لتأخذ إلى الحفرة 0 بعد ذلك اختفت أرنبتنا أياما قليلة لنتفاجأ بصغاراها تخرج للحظات وتعود 0 فقالت أم الأولاد : هاقد عوضك الله على صبرك خيرا وبركة ياعلي 0 قلت : ألم يحن الوقت , شهوتي صارت تأكلني يا أم الأولاد , أشعر بأن صبري نفذ 00 أحضري السكين , يكفي كل هذا الصبر 0
فقالت أم الأولاد : الصبر جميل ياعلي , لقد منّ الله علينا برزق وأنت تريد أن تقطعه , هذه الأرنبة لو ذبحتها الآن , سوف تقطع علينا نهرا من الرزق , أما إذا جلبت لها ذكرا فسوف تلد سبعة أرانب أخرى ويصبح لدينا أربعة عشر أرنبا , وعندذاك ستكون أرانبنا السبعة هذه على وشك الولادة , فتنزل كل أسبوع إلى السوق وتبيع جوزا من الأرانب , ياعلي يمكن أن نجمع رأسمالا من هذه الأرانب , تخيل ياعلي بعد سنة كم من الأرانب سنبيع ونأكل ونذبح لضيوفنا 0 اجلب لها ذكرا من سوق الأرانب وأعدك أنها عندما تضع سوف أذبحها لك وسوف أذبح واحدة لنا حتى لايشاركك أحد بلحم أرنبتك , سوف أشويها لك في التنور 00 وفجأة تناولته نوبة سعاله الحادة حتى ظننا بأنه سوف يذهب معها , لكنه واصل الحديث وهو يتجاهل النوبة الحادة التي أدمعت عينيه وقال : وإذا بقي منها شيء سأخفيه لك لليوم التالي , سوف يكون لحمها كله لك , تمهل يارجل ولا تقطع علينا رزقا أرسله الله لنا من أجل شهوة عابرة 0
استطاعت مرة أخرى أن تقنعني , فنزلت يوم الجمعة إلى سوق الأرانب واشتريت لها ذكرا 0 ثم وجه كلامه إلى ابنه بشيء من التوبيخ : قم ياولد اجلب للضيوف قهوة , كم مرة صرت تسمع هذه القصة اليوم 0 فنهض الابن إلى الباب ووجه صوته إلى غرفة النساء : قهوة 00 قهوة 00 وخرج ليعود بها بعد قليل 0 قذف جارنا علبة تبغه الضخمة إلينا وأعاد قذف سجائر ملفوفة إلى كل واحد مكملا حديثه : 00 لن أطيل عليكم ياجماعة 00 صبرنا حتى ولدت الأرنبة مرة ثانية فانتظرنا خروجها ليكون الخروج الأخير 0 فذهبت ساعة العصر إلى العشب الأخضر , تمددت عليه تحت أشعة شمس العصر وبقدرة قادر أخذتني غفوة رأيتني معها أستيقظ في فسحة خضراء يمر بجانبي نهر رقراق أمام قصر ضخم كأنه صنع بكامله من الذهب الصافي , ورأيت أناسا لايشبهون ناسنا , أمسك بي اثنان منهم وقاداني إلى باب القصر – أعوذ بالله من الرجل الذي يكذب – اتجها بي إلى باب كبير مفتوح ,بعد قليل انفتح الباب وانحنى لي رجال على رؤوسهم ريش طاووس , أوصلوني إلى رجل ممدد في فراش من ريش النعام ,حوله صبايا جميلات فتيات إلى جانب أشخاص ينتظرون منه أي اشارة لينفذوها , و رأيت آثار النعمة في وجهه رغم مرضه الشديد البادي عليه 0 قال لي الرجل : أنت الآن ياعلي في مملكة لم يدخلها أحد من الإنس قبلك , وأنا ياعلي ملك هذه المملكة , اجتاحني مرض فقال لي الأطباء أن دوائي الوحيد هو عند إنسان يدعى علي 0 فأمرت باحضارك إلى مملكتي , إن أعطيتني هذا الدواء فسوف أشفى وأعطيك ما تشاء من الذهب والجواهر , نحن ليست لدينا صلاحيات ولا امكانيات لنسلب الإنسان ممتلكا ته , فأنت يا علي حر في أن تعطي أو تمتنع 0
قلت متعجبا : دواؤك عندي 00 أي دواء هذا ؟
قال الملك : الدواء هو لحم الأرنبة التي اصطدتها من البرية ياعلي 0 فشرحت له شهيتي للحم هذه الأرنبة وأنني إن لم أنل هذه الشهوة قد يصيبني مرض أخطر من مرضه , لأن الحسرة سوف تبقى تأكل قلبي حتى أموت 0 فقال : لابأس ياعلي , لن أترك الحسرة في قلبك , اذبحها ياعلي , ونتقاسمها , دع نصفها لك واجلب لي نصفها مشويا , وعندما أتناوله سوف أشفى فأعطيك ما تشاء مما وعدتك به , ووعد الملوك دين في رقابهم 0 قلت له بأنني موافق – أعوذ بالله من الرجل الذي يكذب - وطلبت أن يرشدني إلى طريق الذهاب وجلب الأرنبة 0 فأشار إلى رجل ممن حوله , وعلى الفور أحنى الرجل رأسه لي ودعاني للذهاب معه , فاتجه بي نحوالفسحةالخضراء التي رأيتني فيها أول مرة 0 وقفنا في المكان وقال : تمدد ياعلي واغمض عينيك , سوف تكون ممددا في المكان الذي أتيت منه , اجلب نصف الأرنبة مشويا وعد إلى مكانك , تمدد هناك واغمض عينيك وسوف تكون هنا , سنأخذك إلى ملكنا لتطعمه اللحم الدواء بيدك , وسوف تكون ضيفنا , لن تخرج قبل أن نكرمك ويفي ملكنا بوعده لك 0 تمددت على الفسحة الخضراء وأغمضت عيني فرأيتني مرة أخرى في مكاني الأول الذي غفوت فيه , نهضت غير مصدق إلى البيت وأنا أرسم أحلاما وآمالا كبيرة سوف تحققها لي هذه الأرنبة , لدى وصولي إلى البيت , ذهبت إلى أم الأولاد وشكرتها على حكمتها بتأجيل ذبح الأرنبة وشرحت لها ما وقع معي وأنني سوف أعود ومعي ما أريد من الذهب والجواهر , وطلبت منها أن تتكتم على الأمر حتى لايطمع بنا الطامعون 0 ثم اتجهنا إلى الأرنبة التي كانت في حفرتها , تحايلت عليها مرارا وتكرارا وبليونة محببة حتى خرجت وأمسكت بها 0 داعبت رأسها بلطف وطلبت من أم الأولاد أن تحضر موسا حادا وتجهز اشعال التنور لأن ملَكي المريض بانتظارعودتي في أقصى سرعة , فهرولت أم الأولاد إلى المطبخ وفي أثناء ذلك لاأدري كيف تملصت الأرنبة من بين يدي وأخذت تجري إلى الخارج 00 طار عقلي وأنا أطارد ها وأقذف عليها الحجارة وهي تتجه صوب الحدود, خاطرت بنفسي حتى آخر خطوة , لكن الحارس الملعون قال بأنني لو خطوت خطوة أخرى سيجعل جسدي غربالا , فبقيتْ الأرنبة أمام عيني ملتصقة بالسور وأنا أنظر إليها وأعود زاحفا أتجرع مرارة خيبتي ,أعوذ بالله من الرجل الذي يكذب0
انفرج شق الباب ودخل أناس غيرنا من الجوار , فنهضنا لنفسح لهم مكانا , تقدمنا إلى غرفة النساء ننادي نساءنا , عندها تناهى إلينا صوت زوجة علي بطه وهي تقول للنساء : أعوذ بالله من المرأة التي تكذب .


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



بائــــع الشـــــاي

/ لماذا تنظر إلي / قالها مزكين منذ سنتين للرجل الأربعيني الذي حدجه بنظرة أحس بثقلها على روحه ، لكن الرجل لم يرفع عينيه عن مزكين الذي هرول إلى عمله تحت سياطها صوب الزاوية التي وضع أبوه فيها براكية صغيرة منذ عشرين سنة واتخذها مقرا لبيع الشاي والقهوة والزهورات ، وفيما بعد تسببت في ترك مزكين للمدرسة وهو مايزال في المرحلة الابتدائية حتى يوفر لأبيه أجر الشغـّيل الذي يقوم بأخذ الطلبات إلى المحال بواسطة / بسكليت / ، ومن جهة أخرى رغب أبوه أن يبقى مزكين تحت أنظاره وبالقرب من أنفاسه حتى يخفف عنه الضجر الذي يجتاحه في ساعات العمل الطويلة والمرهقة التي تبدأ من الخامسة صباحا ولاتنتهي قبل التاسعة ليلا دون أي يوم عطلة .

منذ ثلاث سنوات جاء مزكين ليتفرغ لهذا العمل تاركا المدرسة بناء على طلب أبيه الذي قال له : يابني والله ماعدتُ قادرا على دفع أجر الشغـّيل ، تعال معي حتى تتعرف بالزبائن ويتآلفوا معك ، هذه الزاوية هي مستقبلك يابني كما كانت مستقبل أبيك ، يقول المثل : مطرح ماترزق إلزق ، وهذا هو رزقنا الذي نعيش منه بعز يابني .

رغم أنه كان إذذاك في الثانية عشرة من عمره أحس بمسؤولية كبيرة في إعالة أسرة مكونة من ست أخوات وأب وأم وهو الأخ الوحيد الذي سوف يعيلهم عندما يتقاعد أبوه . ولأول مرة تسربت منه نظرة إلى يدَي أبيه فلمح التشققات على الكفين بسبب البقاء المستمر في الماء لغسل الكاسات والأباريق ، وبدأ يتخيل كيف أن هذا الرجل الذي تجاوز الخمسين من عمره يقف كل تلك الساعات الطويلة على قدميه يغسل الكاسات والفناجين والأباريق ويجهز الطلبات للصبي الذي ينقلها إلى المحال التي تطلب بواسطة الهاتف وهو لايكف عن رفع السماعة قائلا : أمرك .. أمرك .. أمرك . كل هذا من أجل أن يعود إلى البيت حاملا الطعام لأسرته ، وحتى يستطيع أن يمد يده إلى جيبه ويعطي لكل طالب حاجة حاجته في هذا البيت .

في صبيحة اليوم التالي على ذاك الطلب نهض مزكين صباحا واتجه ويده بيد أبيه إلى تلك الزاوية التي كان في مرات نادرة يتردد إليها مع أمه أو إحدى أخواته عندما كانا ينزلان إلى السوق لشراء حاجة . عندها اكتشف الأب بأنه لايؤدي مهمة الشغيل فقط ، بل إنه الابن الذي يعمل مع أبيه من أجل بيت واحد ، فيراه كيف يهرع ليمنعه من الغسيل ، وكيف يضع له الكرسي في شمس الصباح الدافئة ، يصنع له فنجان قهوة ويدعوه للجلوس ، وعندما يرن الهاتف يهرع ليرد عليه ، يجهز الطلب ويأخذه إلى الزبون مشيا إذا كان مجاورا ، وإذا كان بعيدا يأخذه بالبسكليت ، وفي العودة يجلب بطريقه الأباريق والركوات الفارغة .

يجلس الأب عزيزا على كرسيه يحتسي قهوته ويدخن سيجارته ، ويجالس بعض الزبائن ويتحادث معهم ، ومع مرور الأيام بدأ يكتشف طفولته لأول مرة في ملامح وتحركات ابنه ، وبدأ يشعر بمودة خاصة له ليس لأنه الوحيد على ست بنات ، بل لأنه بات يراه ينمو يوما بعد يوم أمام عينيه . أحيانا يقف ويتأمله ويتخيل سنوات مراهقته فيه ، هاهي شعرات خفيفة تظهر لأول مرة على وجهه ، هاهو صوته يغلظ شيئا فشيئا ، هاهي حبات تظهر على وجهه.

ويبدا يحكي أسرار ووقائع حياته كما لو أنه صديق حميم لها ، فغدا مزكين يعرف أسرار ووقائع حياة أبيه العميقة ، وهو الذي لاأسرار ولاأحداث ولاتجاب في حياته ، وكما يقول له أبوه بأنه يشبه الطير الذي تنمو جناحاه للتو ليطير بهما ويحلق في الفضاءات الرحبة ويكتشف لذة الطيران والتحليق . ولم يملك مزكين إلا أن يتمتم لنفسه : هل كلما يكبر الإنسان يتحول إلى حقل أوسع للتجارب . وتخيل حجم التجارب والأحداث والوقائع التي تنتظره في مسيرة حياته التي ينفتح عليها للتو .

ومع هذا النشاط والقبول من أصحاب المحلات الذين يثنون عليه ويمنحونه الإكراميات غدا أبوه أكثر إصرارا لبقاء ابنه بالقرب من أنفاسه متمتما في سره : / مزكيني الذي رزقني الله به بعد ست بنات ، وهذا أفضل عطاء منحه الله لي ، حتى لو رحلت سيبقى يحمي أخواته وأمه /.

حتى أن أصحاب المحلات الذين يترددون أحيانا إلى البراكية ، أو يتصلون بالهاتف يقولون له : / والله ياسيد ريزان طلع الصبي عليك من ناحية البشاشة والشطارة ، الله يخليه لك :

وصل مزكين إلى البراكية والتفت إلى الرجل الذي مضى بجانبه مكملا في الشارع الطويل .

استطاع مزكين أن ينسى تلك النظرات ، وذاك الرجل ، ولكن بعد عشرة أيام عاد كل شيء إلى ذاكرته عندما فوجئ به يجلس في نوفوتيه / الفصول / وهو داخل يحمل إبريق شاي ، فوجئ مزكين به وتناولته نوبة حادة من الغثيان بغتة ، والرجل يحدجه بذات النظرات التي أربكته وجعلته يشعر بالإنهاك تحت ثقل إبريق الشاي الذي يحمله ، فنهض الرجل ذاته وتناول من يديه الراجفتين إبريق الشاي وهو يحدجه بذات النظرة متمتما : / يسلموا هالإيدين / .

فأدار مزكين ظهره بارتباك وهرع إلى البيت دون أن يمر على أبيه .

بمضيء بعض الوقت بدأ الأب يتفقد ابنه الذي ليس من عادته أن يغيب دون أن يترك خبرا ، وبدأ السيد ريزان في حالة اضطراب وهو يسأل عنه في المحلات البعيدة والقريبة دون أن يعثر له على خبر ، وفجأة رن جرس الهاتف وشعر بشيء من الاطمئنان عندما أعلمته زوجته أن مزكين مرهق بعض الشيء وهو في البيت . لم يتردد السيد ريزان من إغلاق البراكية وركوب البسكليت والتوجه على جناح السرعة إلى البيت . كانت المرة الأولى التي رأى مزكين نفسه فيها مضطرا للإستعانة بالكذب ليجنب نفسه بعض الحساسية ، وقال بأنه كان عائدا من نوفوتيه الفصول وفجأة أحس بدوار فلم يملك إلا أن يعود إلى البيت بواسطة دراجة نارية ذات دولابين . ورأى الأب أن يبقى إلى جانب ابنه رغم أن الوقت مايزال عصرا وأن المحلات سوف تستفقده ، فهو لم يسبق له أن أغلق البراكية إلا أيام الأعياد فقط ، وحتى في الحالات الطارئة التي كان يضطر فيها للغياب كان يوصي الشغيل بأن يفتح البراكية حتى لايخسر زبائنه .

من جانبه فقد تحول ذاك الرجل إلى شبح لايفارق ذاكرة مزكين ، رغم أنه لم يره غير مرتين . رجل رفيع طويل القامة ، ذو عينين زرقاوين على وجه غارق في الحَمار ، يرتدي بدلة كاكية ، يمشي وهو يعقد كفيه خلف ظهره ، شعره ليس أسودا فاحما لكنه مع سواده يميل إلى اللون البني ، لايظهر أي أثر للبياض على فوديه ، أما نبرته التي سمعها لأول مرة في النوفوتيه فهي ناعمة وهادئة بعض الشيء كأنها تخرج من حنجرة رجل به داء . لكنه رغم كل المحاولات يعجز عن تفسير تلك النظرات التي يصوبها إليه ، تلك النظرات التي توشك أن تقول له شيئا بيد أنه يتهرب غير راغب لسماعها ، ولذلك يشعر بثقلها على روحه ويريد أن تبقى غامضة ومبهمة دون أن تفسح عن مضمونها بالنسبة إليه . إنه الآن لايريد أي شيء من العالم غير أن يتركه هذا الرجل بحاله حتى يعود إلى عمله الذي أمضى فيه ثلاث سنوات كانت من أمتع سنوات حياته وهو يشعر بقوة ومسؤولية الرجولة تندفع إليه يوما بعد يوم دون أن تبلبله تلك النظرات التي غدا يحسب لها حسابا أكثر من أي شيء آخر .

بعد غياب أربعة أيام متتالية رأى مزكين بأنه يستطيع أن يذهب إلى عمله ، فعند الساعة العاشرة من صبيحة يوم الأربعاء قال لأمه بأنه سوف يذهب إلى البراكية لأنه ضجر البيت . ومن ناحية أخرى كان يتخيل والده وهو يقوم بتوزيع الطلبات إلى المحلات القريبة والبعيدة إضافة إلى العمل المستمر داخل البراكية ، ويبدو الإرهاق واضحا عليه عندما يعود وعلى الفور يتجه إلى الفراش لينام دون أن يستطيع أن يجلس مع عائلته ولو نصف ساعة ، حتى أن كل مَنْ في البيت يوحي بالنظر إلى مزكين بأنه يستطيع أن يخفف عنه بعض الإرهاق خاصة وأنه معافى ولاتظهر عليه أي بوادر مرض . لم يستطع السيد ريزان أن يخفي علائم الفرح التي بدت على محياه وهو يرى ابنه وقد دخل البراكية فجأة وراح يقبل يديه داعيا إياه أن يجلس على كرسي أمام واجهة البراكية مع بعض الزبائن الذين يجلسون ويحتسون الشاي ويدخنون ويتأملون حركة الناس في قلب السوق المكتظ بالناس وأبواب المحلات .

وفجأة تناهت أصوات من هؤلاء : الحمد لله على السلامة سيد مزكين ، سمعنا كنت بعافية .

وهي العبارات ذاتها التي بدت تنهال عليه من أصحاب المحلات أيضا ، فلم يجد مرة أخرى غير أن يستعين بالكذب بأنه كان مريضا بعض الشيء وكان بحاجة إلى راحة . مضت عشرة أيام كاد مزكين فيها أن ينسى ماحدث له ، لكن الرجل عاد وأفسد عليه كل حالة الهدوء التي ينعم بها عندما فوجئ به داخل السربيس في الساعة التاسعة ليلا حينما كان عائدا مع أبيه إلى البيت ، ومن جديد تسلطت عليه تلك النظرات دون أن تتركه لحظة واحدة ، أحس بضيق في التنفس وأنه سوف يختنق إذا لبث تحت شعاع هذه النظرات التي بدت ملتصقة به ، تخيل بأنه ينقض كالنسر ويمد إصبعين يفقأ بهما عينيه وفي أثناء ذلك رغب بقوة أن ينفجر : / لكن لماذا تنظر إلي / ؟! وأحس بأن الصوت خذله كما أن يده خذلته ، وبالكاد تمكن من أن يستدير إلى السائق ويطلب إليه الوقوف حالا وسط دهشة الركاب بما فيهم ذاك الرجل ووالده . وما إن وقف السربيس حتى نزل مزكين ولحقه أبوه في النزول ، ثم لحقهما ذات الرجل قائلا لأبيه : نزلت خصيصا حتى أساعدك إن كنت بحاجة إلى مساعدة ، يبدو أن ابنك متعب . فشكره السيد ريزان بحرارة ، ثم أردف الرجل : ياسيدي أنت لاتعرفني ، لكن لايوجد أحد في هذه المدينة لم يشرب من شايك الطيب ، عندما رأيت حال ابنك قلت بأنني سأنزل علك تحتاجني في شيء يا أبا مزكين . فعاد السيد ريزان يتشكره بحرارة بالغة على عرضه هذا . كان الرجل يتحدث وأنظاره لاتنزاح طرفة عين عن ريزان الذي شعر بأن هذا اليوم هو اليوم الأخير في حياته ، وأن هناك مَنْ أرسل هذا الرجل لينهي حياته بهذا الحرق في أعصابه ، فلم يملك من أمره غير أن يتجه صوب البيت ويجري بكل ما في جسده من قوة . وعندما وصل البيت ، جلس يسترد أنفاسه كأنه خرج لتوه من بئر ، ثم بعد لحظات بدأ يتقيأ ويضغط على بطنه وسط حالات تقيؤ شديدة ومتلاحقة وقد احمرت عيناه بشكل مفزع ، اتصلت إحدى أخواته بالإسعاف ، ولكن قبل وصول الإسعاف دخل أبوه لاهثا مع ذات الرجل ، وعندها لم يملك مزكين غير أن يغمض عينيه ويسد أذنيه ويستعين بكل حواسه بأنه نائم ولاأحد في البيت غيره . بعد قليل فتح عينيه عندما أحس بالأيدي تحمله فلم ير ذاك الرجل ، عندذاك أحس بنسمة منعشة سرت في عروقه وقال بأنه يشعر بتحسن ولايريد أن يذهب إلى المشفى ، فعادت سيارة الإسعاف فارغة من حيث أتت . في صبيحة اليوم التالي قرر أن يواجه الأمر وينزل إلى عمله لأنه أيقن بأن بقاءه لشهر متواصل في البيت لايفيد بشيء لأنه سوف يعود في النهاية إلى مواجهة هذا الرجل الذي قد يطرق في أي لحظة الباب ويدخل بحجة أنه يريد الاطمئنان عليه . غدا يراه في أماكن متفرقة وفي أيام متفرقة وتنهال عليه تلك النظرات المرعبة فيهرب منها قائلا للرجل : / لكن لماذا تصوب إلي كل نظراتك أينما رأيتني / ؟! وبذات الوقت فإنه لايريد أن يسمع الإجابة فيهرع تحت سياط تلك النظرات إلى أن تقع عليه مرة أخرى . وصار هاجسه الوحيد أن يعثر على مثل تلك النظرات الغرائبية في عينَي شخص آخر دون أن يجد فيتساءل في قرارة نفسه : ماالذي يريده مني ذاك الرجل وهو يلاحقني من مكان إلى مكان حتى أنه ذات مرة تشجع وقال له في الشارع : لماذا تنظر إلي ، أريد أن تجيب ، سوف أستمع إليك . بدت الدهشة واضحة على سحنة الرجل أمام عيني مزكين وبعد لحظات من الاتباك والصمت قال : أنا أيضا أسأل نفسي هذا السؤال أكثر منك ، لقد أفسدت علي حياتي ، أنت لاتعرف مدى معاناتي اليومية حتى آتي وأنظر إليك ، واليوم الذي لاأنظر فيه إليك لاأتذوق لحظة نوم واحدة . ثم انحدرت دموع من عينيه ومضى .

في اليوم التالي رآه مزكين يدنو إلى البراكية ولأول مرة يجلس على كرسي في الواجهة ويطلب فنجان قهوة ، قدم إليه مزكين ركوة القهوة وبدأ يصبها في الفنجان والرجل ينظر إليه ، ولبث مزكين واقفا قبالته مقررا أن يواجه مشكلته هذه وألاّ يهرب منها . صوّب مزكين نظرات إلى عينيه ، تشابكت النظرات لأول مرة في حالة من الصمت والذهول ، أحس مزكين بأنه يخرج جزئيا من كونه مزكين وتتلاحق أجزاؤه في أجزاء الرجل ، حتى أحس بأنه يخرج نهائيا من الواقع الذي هو فيه ويدخل إلى واقع مختلف لم يكن له عهد به ، ثم في لحظات أخرى من هذا الخروج أحس بأنه ربما كان قد رأى هذا الواقع في حلم بعيد . في هذه الأثناء لمح أبوه المشهد الغريب ، مزكين يقف قبالة الرجل الجالس وقد تشابكت أنظارهما ببعضها ، وكان بعض الزبائن يشاركون الأب النظر بذهول في هذا المشهد ، لكن الأب لم يحتمل أن يترك ابنه في ذاك الموقف فدنا إليه ووضع يده على كتفه قائلا وهو ينظر في الرجل : هذا أنا يابني . عندذاك أحس مزكين بأنه يخرج من ذاك العالم ويعود مرة أخرى إلى عالمه ، وللتو أدرك الدموع الغزيرة التي كانت تنهمر من عينيه ، وكذلك لمح ذات الدموع تنهمر من عيني الرجل الذي لم يلبث عندذاك أن نهض واختفى .

اختفى الرجل هذه المرة أطول فترة عرفها مزكين مذ أن رآه وفي وقت لن ينساه وعند الساعة العاشرة والنصف صباحا وبعد غياب ثلاثة شهور لمحه مزكين قادما من مدخل الشارع ، كان المطر قد هطل بغزارة منذ الليلة الفائتة وتحول منذ الثامنة وحتى العاشرة صباحا إلى ما يشبه الرذاذ الخفيف بعد أن غاصت الطرقات بالمياه الغزيرة . عندذاك أخذ الرجل يسير على الرصيف القادم إلى البراكية ونظراته تتقدمه إلى وجه مزكين الذي بدا هادئا ومستعدا للقاء هذا الرجل ، وتقدم الرجل بشوق ومزكين يهيء له كرسيا ليجلس عليه وقبل الوصول بعشرة أمتار غدا أمامه إما أن يترك الرصيف ويمشي في الطريق الغاص بالمياه الغزيرة أو يدخل الممر الضيق الذي واجهه بين الحائط وبين العمود الكهربائي الحديدي الضخم ، ولمحه مزكين يدخل الممر على جنب وماتزال أنظارهما تتشابك ، وفي أثناء ذلك لامس كفه طرفا من العمود الكهربائي الذي كان به ماس من جراء الرطوبة فانتفض الرجل كبركان ، ثم بعد لحظات سقط جسدا فاحما وسط المياه المتراكمة على الطريق كأنه لم يكن ذاك الذي يحمي نفسه من قطرات المطر قبل لحظات ، لم يصدق مزكين عينيه ، أو لم يكن يرغب في أن يصدق مارأى في هذه البغتة الخاطفة ، لكنه رأى أصحاب المحلات المجاورة يخرجون من محلاتهم بذعر ويتبادلون نظرات الاستياء والهلع فيما بينهم . عندذاك اندفع مزكين ينظر من بعيد ، كانت نظرة سريعة واحدة ، ومضى بخطوات ضائعة ناسيا نفسه تحت الرذاذ .


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سموحة

avatar

المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

مُساهمةموضوع: اكبر مجموعة قصصية   السبت ديسمبر 10, 2011 9:12 am

قصـة حـب وموت

منذ سنوات أتردد إليه في الأماسي.. التي أضجر فيها، وعندما يراني خلف الباب يستقبلني بحفاوة ويصر على تقديم كل ما في بيته من طعام وشراب ويجبرني على الأكل والشرب، كل مرة أرتب لقضاء ساعة أو ساعتين ، مثلاً في الشتاء أزوره السادسة مساءً وأمكث للثامنة، وفي الصيف أزوره في الثامنة مساءً، ولم يسبق لي أن زرته نهاراً إلا أيام الأعياد، ولكن بقائي غالباً يطول حتى ساعة متأخرة من الليل وأحياناً في فصل الشتاء عندما لا يتوقف المطر يمسك بي ويصر عل نومي في بيته فأنام الثالثة وأستفيق الثامنة صباحاً أتجه من بيته إلى عملي مباشرة، وإذا لم أزره لأسبوعين يقوم بها وهو يحدثني بلهجة توبيخية.

لا أعرف سبب مضايقته للقيام بزيارتي وكل ما يجيبه: ( أنا في الخمسين وأنت في العشرين فمن تقع عليه الزيارة)؟ ويلفت انتباهي مضايقته الواضحة عندما أكون في بيته ويُطرق الباب من الخارج وأحياناً يجيب باستياء: أنا نائم يا حمار 0

لكن على الأغلب لا يزوره أحد، فهو يقيم في هذا البيت لوحده منذ ثلاثين سنة، لاأصدقاء له ولا أحد من أقربائه أو جواره يجرؤ على طرق الباب مهما كانت الدوافع حتى لا يسمع شتيمة، فهو يمكن له أن يشتم كائناً من كان دون أن يعرفه أو يراه ولمجرد أنه طرق الباب، مثل أن يقول-عندما أكون موجوداً- للطارق قبل أن يراه أو يعرف هويته:/ابن الكلب لا تطرق هذا الباب مرة ثانية/ وقد سطر رجل مجهول هذه العبارة على بابه/لا تطرق هذا الباب يا حمار/ وصديقي نفسه لا يعرف من كتب هذه العبارة، لكنه يشعر بأنه كتبها نيابة عنه. يقول لي بأنه منذ ثلاثين سنة لم يزر أحداً من أقربائه مهما كانت المناسبة سلبية أو إيجابية، ولا أجد أي حرج من زياراته رغم نظرات الجوار الذين يجلسون على الأغلب في أمسيات الربيع والصيف أمام أبواب بيوتهم يحتسون الشاي ويبحلقون في المارة بنظرات استفسارية مزعجة، وعلى الأغلب يمعنون النظر إلي وأنا أتوقف مطولاً أنتظر أن يفتح /حسيب/ لي الباب لأنني أجد راحة هائلة لدى ناس غير عاديين وربما أغلب أصدقائي هم من هؤلاء، أفضل قضاء ساعات طويلة برفقتهم وقد لا أستطيع قضاء ربع ساعة فقط مع شخص /عادي/ أو /عام/ لا خصوصية لديه,وهكذا لا أحتمل زياراتهم إلى بيتي فأتحجج بعد دقيقة من جلوسهم بأنني على موعد هام وأصرفهم لأنني حقاً لا أحتمل ضياع ساعات مثلما هم يريدون ضياع وقتهم فقط حتى يموتون، لكن عند حسيب الذي لا يحتمله أحد ساعة واحدة، أجد راحة مذهلة ربما أكثر من وجودي في منزلي. مرة قلت لحسيب وأنا أخطط لعدم الزواج: ما رأيك بالحياة دون زوجة؟

أجاب وهو يبحلق في: ليس هناك أمتع من الحياة بدون امرأة وأولاد خاصة عندما لا يثق الرجل بقدرته على إعالة أسرة سوف تكبر مع السنوات.. أنا عشت سعيداً بدون مسؤولية لأن المرأة تحطم الظهر، كان علي أن أتحول إلى حمار لأحتمل هذا العبء المروع، ولم تتغير نظرتي حتى الآن لأنني عشت دون مشاكل وأعتقد بأنني سأموت دون مشاكل. الآن أحس بحاجة إلى امرأة تخدمني فقط، لكن المجتمع متخلف لا يمنحني هذا الحق، وأنا أيضاً لا أستطيع أن أغريهن براتب كبير لأن ذلك فوق قدرتي، هذه هي الحقيقة، أتكاسل من جلي صحن أو غسل ثوب أو تنظيف البيت، هذه المسائل البيتية التي غدوت احتقرها تقلقني هذه المرحلة أكثر من غيرها وتكاد تخنقني الآن فأهملها يوماً بعد يوم، لكن القذارة ستأكلني وأنا مجبر على القيام بهذه الأمور التافهة 0

قلت له: وهذه العزلة كيف تحتملها؟

ضحك وقد ضغط بكفه على كفي قائلاً: هي التي تحتملني، أنا جلبتها بإرادتي لتختطفني أو تعتقلني بالرغم، أنا أرغمت عليها البقاء معي، وهي المسكينة تحتملني لكنني بدون أصدقاء عشت في سلام، المبلغ الذي ورثته عن أبي ودعته في المصرف أعيش بفوائده، منذ عشرين سنة أقبض راتباً شهرياً من المصرف ,لست بحاجة إلى أن أكذب أو يُكذب علي، ولا أريد أن أكون ثرياً ولا أن ينصبوا لي أصناماً لا في حياتي ولا بعد مماتي ,ولا أن ينشروا صوري على أغلفة مجلات أو يجروا لقاءات إذاعية وتلفزيونية معي، أعيش لوحدي لا أريد شيئاً من العالم كله، أرفض كل شيء حتى الكتب والأغاني والكلام، لا أن أسمع ولا أن أُسمع, هل يشدك هذا النمط من الحياة، هل تعرف أن المشاكل كلها تأتي من الخارج 0

قاطعته: والنجاحات أيضاً تأتي من الخارج

قال: عن أي نجاحات تتحدث

أن تكون ناجحاً هنا عندما تقنع نفسك بأنك ظفرت بكل شيء واسترحت: النوم- الكسل- الاستمتاع بالبقاء بالبيت- السهر- الابتعاد من الآخرين. هذه حرية حقيقية, حرية كبرى لا يحسها أحد غيري في هذه الجمهورية. الليلة أرغب بزيارته والسهر معه هذا الطقس الممثلج، وعدني منذ عشرة أيام بأنه سيكشف لي سراً خطيراً ما زال حتى الآن يحرقه وكان السبب الأول خلف اتخاذ قرار العزلة.

ابتعت خضاراً وفاكهة وبعض حلويات واتجهت إليه في السابعة مساءً، أخرجت حزمة مفاتيحي وطرقت بها الباب 00 تناهى صوته: هل هو أنت؟.

وضعت فمي في شقَي الباب: أجل هو أنا ألن تحفظ طرقاتي؟

سحب شق الباب إلى الداخل بقوة وأخذني بيديه محتفياً كأنني ابنه الضائع منذ ثلاثين سنة، وقادني إلى الداخل ,سحب وسادة أبركني عليها بالقرب من المدفأة، ولما لمحني أرتجف أخذ يدي بكفيه وصار يدفئهما على المدفأة تارة وينفخ عليهما م أخرى: لماذا تختفي.. هل عملك متعب. لماذا لا تأخذ إحازة ونسافر معاً إلى أي بلد آخر لدي نقود لا تلزمني سنصرفها ما رأيك هل توافق.. اجلس بالقرب مني أرجوك.. كدت أخرج للتو إليك، منذ أربعة أيام وأنا أنتظر مجيئك كل مساء. نظرت في عينيه المغلقتين مستفسراً عن سبب هذا الاهتمام الكبير بي ,لا أرغب في سرد التفاصيل الدقيقة التي يقوم بها، وأنا شارد بهذه الحالة انحدرت دموع من عيني عفوياً.

قلت له: هذا الاهتمام الغامض يؤلمني

قال: لأنني أريد أن أفيك حقك

قلت بدهشة هازاً رأسي: أي حق؟

قال: لأنني أريد أن تأتي، فتأتي، أنت تحقق لي مسرة بحضورك

قلت: ولكنني أخاف بعض اللحظات هذا الاهتمام الزائد

قال: هذا كل شيء، قلت لك ما لدي.

مد يده يزيد السائل إلى المدفأة ثم حمل بطانية ولفها على كتفي قائلاً: حتى لا تبرد قد لا تشعر بأثر البرد لكنك ستعاني منه في المستقبل 0ثم تعاونا في إعداد العشاء عندئذ ومع مد اللقمة الأولى إلى فمي قلت: أنا مصر الليلة أن تروي لي قصتك السرية التي وعدتني بها المرة السابقة هل تذكر؟

كنت أعرف أن ثمة امرأة في هذه القصة ,

وخطرت لي أحداث مثل أنه كان يخطط للزواج من امرأة، لكنها أعطته جسدهاقبل الزواج فلم يعد يثق بها، أو كان يحب واحدة فتركته، أو تعلق بامرأة فأخبره صديق بأنها على علاقات مشبوهة، كل هذه الاحتمالات خطرت لي فأصررت على معرفة قصته أكثر.

سدد نظرة متأملة إلى شكل المدفأة وقال كأنه يحدثها: حدثت هذه القصة منذ عشرين سنة، السر الوحيد الذي ما زال يرعبني حتى هذه اللحظة وكان علي أن أبقى محافظاً عليه لأسباب ستعرفها بعد أن أرويها لك ,لا أدري لماذا أجدني مدفوعاً إلى قولها لشخص عزيز مثلك ولاأخفي بأنك تمثل الجزء المضيء للحياة بالنسبة لي وأنني متعلق بك وهذا التعلق الذي يبلغ بي حد الألم يمنعني من مجرد لفظ /لا / وأنت تطلب شيئا ،قد تسألني عن السبب , أجيبك بأنني لاأعرف , ولكن أعرف بأنك تحمل أجزاء من كل العلاقات الحميمية التي فاتتني , تحمل جزءا من الابن , وجزءا من الأخ , وجزءا من الصديق الحميم , وحتى جزءا من الحب المفقود , ولذلك عندما تطرق بابي يوما ولاتراني ,اذهب إلى المصرف وإلى دائرة العقارات , ستجد مفاجأة خبأتها لك ربما لأشعر بأنك ستكون أقرب إلي حتى في موتي وستكون علاقتنا أكثر قربا وأنا في ذروة البعد عنك .لاأعرف مالذي أصابني بذكره لعبارة الفراق فقلت : لاتقل هذا , وكيف تكون قادرا على لفظ عبارات كهذه وأتا لاأتخيل حتى خروجك من هذه المدينة , لايعجبني الإستمرارفي اتجاه كهذا للسهر , قل لي القصة التي وعدتني بها 0 بعد بريهات صمت تمتم بهدوء بالغ : تعرف أن كل رحل على الأرض يريد أن يستقل من خلال الزواج حتى يمارس حريته الشخصية خارج سلطة الأب، أنا رأيت هذه المرأة ودامت علاقتنا خمس سنوات كنا نخطط فيها لحياتنا ونرسم المراحل والبرامج التي سنواجهها، خالدية كانت تسكن في حي شعبي وتزورني في الأعطال الرسمية عندما لم نذهب إلى الدائرة التي كنا نعمل موظفين صغيرين فيها 0في المرحلة الأخيرة اتفقنا على أن نتزوج لكنها في اليوم التالي غابت عن الدائرة، دام هذا الغياب أسبوعين فرحت أسأل عنها في الحي بحجة أنني سأبلغها قرار فصلها من الوظيفة، لكنني فوجئت بأنها متزوجة وتسكن في حي آخر مع زوجها00 لم أسأل عنها، وبعد مرور شهرين جاءت إلي في هذا البيت قبل ذهابي إلى الدائرة بربع ساعة وهي تعرض علي أن تعود علاقتنا

أنا كنت أريد مبرراً واحداً لهذا الفعل فلماذا وعدتني بالزواج وتزوجت بعد يومين من رجل آخر.

قلت: عندما تزوجت مات كل ما كان بيننا

قالت: لن ينتهي شيء ما دام قد بدأ

- على أي أساس لن تنتهي علاقتنا وما الفائدة؟

أنا عازب وحضورك في بيتي سيسبب لكلينا إشكالات إن بدأت لن تنتهي بالفعل!!

جلست على الكنبة وقالت: هل صرت تكره حضوري.

- لا شيء لي عندك ولا شيء لك عندي، كنا نتحدث عن حياة كاملة عن مستقبل كامل لإنسانين،لكائنين، قولي لي ما الذي سنقوله، هل هناك غير مضيعة للوقت، عندما لا تأتين سأبحث عن غيرك ختى نرسم المستقبل.

نظرت إلي نظرة تحمل عبق السنوات الخمس الماضية وهي تقول: لكن أنت كلك تعنيني هنا .

- وأنت لا تعنين لي غير الماضي الذي مات ولم يعد يصلح للحاضر.

هنا بكت خالدية وقالت: إذا لأصارحك الآن، أجل عندما كانت علاقتي بك كنت أخونك مع شخص آخر، كان هو ثرياً وكنت بحاجة إلى نقوده، كنت أجلس معه في الشهر مرتين فيعطيني ما يعادل راتبي ثلاث مرات ,كنت أستمتع بهذه النقود وعندما كان ضميري يؤنبني كنت أغيب عنه لكن بعد شهرين ولأنني بحاجة إلى نقود كنت أعودإليه مرغمة0 هذه هي الحقيقة التي أخفيتها عنك حتى يكون كل شيء واضحاً. كنت ألجأ إليه من أجل نقوده، لكنني كنت أجيء إليك من أجلك فقط ,من أجل حبنا. بعدما خرجت من هنا آخر مرة ونحن نرتب لاستعدادات الزواج , شككت بأنني حامل بسبب تأخر دورتي الشهرية، وفي اليوم التالي ذهبت إلى التحاليل بدل الدائرة ليخبرني الطبيب بنبأ الصاعقة الذي حول شكي إلى حقيقة لامفر منها , فأنا حامل وعلي أن أتصرف ، فكرت بك مليا ولكن كنت واثقة بأنك لم تكن لتساعدني في أمر كهذا ,ولن يكون بوسعك أن تغفر لي خطيئة كهذه 0اتصلت من هناك مع هذا الشخص وطلبت أن يأتي إلى مخبر التحاليل ليسمع ذلك بنفسه ويتصرف بموقف سريع ،ويبدو أنه كان راغبا في علاقة كهذه لا لأنه يحبني , بل لأنه معجب بجسدي وقد استطعت تلخيص ذلك من خلال علاقته بي رغم حديثه عن الحب , لأن الحب الذي عشته معك علمني بأنه أسمى من أن يتعرض على يد المحب لأي شكل من أشكال التلوث , ويبقى محافظا على صفائه ونقائه مثل طائر حر , وهذا ما حدث فقد جاء في اليوم التالي وطلبني للزواج لأنني هددته بأنني لن أحتمل العاقبة لوحدي وسأصارح أهلي بالحقيقة عندما يعاقبونني لبكون العقاب لكلينا وكان هو يعرف بأن أهلي سيرهقون دمه ودمي معاً لهذه القضية وفي أقصى سرعة تم الزواج0

كيف كنت تريدني أن آتي واخبرك بهذه الوقائع، وهل كنت ستحتمل هذه الخيانات حينذاك؟!

- والآن انتهى ذلك على خير لماذا تنفخين في رماد النار التي انطفأت

- أنا أعرف لماذا جئت إليك، وهذا هو رجائي الوحيد حتى لا أخسرك مرة أخرى، هل تصدق بأنني لا أستطيع النوم، أشعر بإثم كبير نحوك، مثلاً كأنني تركتك مجروحاً 0بعد تفكيرمؤرق وصلت إلى نتيجة تخلصني من هذا العذاب، فمثلاً أنا خنتك مع هذا الرجل وحتى أعيد لك ثأرك، سأخونه معك وفي الوقت الذي سيكون هو فيه زوجي ستكون أنت عشيقي، والفرق شاسع بين الزوج وبين العشيق، هكذا سأتخلص من الألم، هذا ما توصلت إليه.

- هل أنت يا خالدية تقولين هذا الكلام!!0 لقد سقطت خالدية عندما تركتني… والآن أي سقوط آخر هذا ,كيف لم أتصور أن حبي الذي كان بحجم العالم سيودي بمن أحب إلى هذا الهلاك وقلت بنظراتي وصوتي: خالدية هل أنا من سيحيلك إلى عاهرة/

- سأملأحياتك.. عندذاك سأمنحك كل حياتي

- أي حياة، أنا لست بحاجة إلى أن تمنحيني حياتك، حياتي تكفيني , لن أخون حبي الذي كان كبيراً ذات يوم حتى لا أشعر بأنني كنت أحمقاً وغبياً. لن أدفع ثمن خطأ لم أرتكبه، ادفعي أنت لوحدك الثمن، يمكن ان تخونيه مع رجل آخر أو أكثر من رجل، أنا الآن خارج الموضوع لأننا لم نكو متفقين على علاقتك به، أليس هذا صحيحاً قولي هل أقول غير الحقيقة؟

- ولكنك بحاجة إلى امرأة… كل رجل بحاجة إلى امرأة..

- صحيح/امرأة/ أما زوجة أو حبيبة أو عاهرة، وأنت لا تصلحين أن تكوني زوجتي ولا حبيبتي ولا أستطيع أن أعاملك كعاهرة، لأنك كنت حباً كبيراً، سأخدع نفسي.. أنا أعجز عن ذلك لست وصية علي, هذه هي مبادئي كيف سأعيش مجرداً من المبدأ، وفي حال إصرارك سأقدم استقالتي أو أسافر إلى مدينة أخرى أو دولة أخرى أو حتى قارة أخرى.

- أنت تحقد علي وتريد أن أموت حزناً.. ألا تنظر كم هزلت ألا ترى ارتجاف يدي، أقول لك بأنني أصارع الموت ألا تفهم، يجب أن تفعل ذلك ولو مرة واحدة في حياتي لأدافع بها عن نفسي ولنفسي : / لأن حسيب أصبح أيضاً مثل زوجي/ مثلما خنت حسيب مع هذا ها أنا أخونه مع حسيب 0

- لا لا أريد /أنت كنت حباً كبيراً/ لن أتنازل عن هذا المبدأ حتى لا أكون منافقا ، الآن سأذهب إلى العمل، هذا هو ردي الأخير.

فجأة احتقن وجهها وسقطت على الأرض.. ناديتها، لم تجب، رششت ماء على وجهها ولم تتحرك، تحسست دقات قلبها، وعرفت بأنها فارقت الحياة، صُدمت بهذا الواقع، لم يعد عقلي قادراً على التفكير… مددت يدي إلى علبة الأقراص المنومة، ها هو مستقبلي الذي ضاع يتحول إلى جثة أمام ناظري , وفجأة وأنا انظر إلى خالدية والأقراص بيدي انتفض الماضي كله على جثة المستقبل الميت: خالدية هل سنموت ذات يوم؟

- لا أصدق، وحتى لو متنا فإننا سنعيش هذا الحب الكبير في الموت، حبنا هو القيمة النظيفة الوحيدة لدينا.

- خالدية حبنا هو أروع لحن في هذا الزمان تعزفه البلابل ويغنيه الربيع

- هل سيموت كل هذا يا حسيب هل تعتقد ذلك كله

أفرغت علبة الأقراص بيدي، كانت خمسة أقراص ابتلعتها دفعة واحدة وقد تركت ورقة كتبت عليها:/ هذا ما فعله بنا الحب/.وراودني إحساس بالانتصار لأنني سألتحق بها، أغمضت عيني وأنا أرى أن ما قالته خالدية كان حلماً، وبعد لحظات سأرى خالدية الحقيقة وسأظفر بها0 الحياة لم تعد تعنيني لقد تجردتْ من كل شيء عندما خسرتُ خالدية، لقد ماتت خالدية التي كانت كالقلب بين جوانحي، والآن سألتحق بها، أنا واثق بأنني أقوم بعمل صائب.

لا ادري ما حدث بعد ذلك، أو كم من الساعات مضت ولم يسبق لي أن دخلت واقعاً كالذي أنا فيه، ولم يعد الموت يرعبني من ذاك الوقت..لن أقول/لقد مت/، لكن أقول بقناعة/ لقد عشت/ هذا سر أبوح به أمامك بسرية تامة، رأيت عالماً غير هذا عندما دبّت الحياة في كرة أخرى وخطفتني من ذاك العالم المدهش السحري، في اللحظات الأولى لم أرغب في النهوض، حاولت المقاومة بكل الوسائل حتى أوهم نفسي بأنني ما أزال في ذاك العالم السحري ولكنها الحقيقة المروعة والواقع الصدامي، وعادت الحياة هذه تحتل حواسي وتعيد إلى ذاكرتي من جديد ذاك الكم الهائل من ذكرياتي فيها، رأيت رأسي على صدر خالدية وهي ممددة في الغرفة وقد شحب وجهها أكثر، عندئذ عرفت وأيقنت بأنني أمام إنسان ميت، أجل كانت ميتة تماماً، يا له من منظر مروع/خالدية حقاً ميتة/ ولن تعود.

تذكرت من جديد ما حدث عندما دخلت خالدية صباحاً وأنني لم أذهب إلى الوظيفة، عادت التفاصيل 00عندئذ نظرت إلى الساعة وقد سرتُ باتجاه الباب وأنا مثل شخص كان ميتاً وفجأة نهض ورأى نفسه بين المقابر، رائحة الموت كانت طافحة تفوح من خالدية بقوة.. الساعة تشير إلى لثانية، في البدء ظننتها ثانية الظهيرة ولكنني عندما فتحت الباب بحذر وخرجت إلى الحوش، أدركت بأنها ثانية بعد منتصف الليل وأدركت بأنني أمضيت ثمانية عشر ساعة متواصلة في حالة غيبوبة على إثر تناولي الأقراص المنومة الخمس،استنشقت هواء وعدت إلى الغرفة، غطيت خالدية ببطانية. تناولت إبريقاً من العصير لأسد معدتي الخاوية وشردت بالعمل الذي سأقوم به، فكرت ان أبلغ السلطات قبل أي تفكير آخر،

- وماذا سأقول لهم، ماذا سيكون موقف خالدية وأنا أفضحها في موتها، فما الذي يبرر حضور امرأة

متزوجة منذ شهرين في بيت شاب عازب مثلي/ولكن من المؤكد أن زوجها وأهلها قلبوا المدينة وهم يبحثون عن ابنتهم المفقودة/.

خرجت مرة أخرى إلى الشارع مرتبكاً وهذه المرة لفتت دراجة المستأجر الطالب نظري وكان عندذاك يسكن الغرفة التي تحولت الآن إلى مطبخ, ودون أي تخطيط بما سأفعل, قدت الدراجة الهوائية إلى الشارع وعدت إلى الغرفة دون أن أدري ما سأفعله، أمضيت وقتاً لا بأس به في حمل خالدية إلى الشارع وتعديلها على مقعد الدراجة أمامي وقدتها بركبتين تصطكان إلى أن وصلت منتصف الطريق الواصل إلى بيتنا 0وقفت في ركن أشد ظلمة، أنزلتها ومددتها على الأرض بجانب أحد البيوت إذ لم تكن حينذاك أرصفة، غطيتها بالبطانية لكنني عندما ركبت الدراجة فكرت ان البطانية ستثير أسئلة، فنزلت وسحبت البطانية تركتها دون غطاء في ذاك البرد الشديد كانت الحرارة من المؤكد تحت الصفر قلت في نفسي: بعد ساعتين على الأغلب سيتفيقون ويبلغون السلطات التي ستتولى مهمة تدبير أمرها.

عدت إلى البيت، أعدت الدراجة إلى موضعها وأغلقت الباب على نفسي… ها هو شبح خالدية من جديد يتمدد في ذات المساحة، رائحة الموت الفظيعة تملأ الغرفة0 لقد تركتها في ذلك الصقيع ولم يكن أمامي خيار آخر غير ذلك كم كنت رجلاً قاسياً، لو كانت حية لنظرت إلي نظرة خيبة وأنا أتركها في ذاك الركن مكشوفة، لكن أدافع عن نفسي بأنني ما فعلت ذلك لأجلي, فها أنا أبوح لك بكل شيء، لكن من أجل إنقاذ سمعتها. لقد ماتت ويجب أن يبقى هذا الموت غامضاً إلى درجة الإقناع بأنها ماتت مثل الملايين الذين يقضون بأزمات قلبية في الطرقات.. لم تكن مسمومة ولا يوجد عليها أي خدش، إنه موت طبيعي، لكن منذ صباح الأمس وهذا هو اللغز الذي ما زال يثير فضول الكثيرين، هذا ما استطعت أن أقدمه لخالدية في موتها بين يدي،بعد كل هذه السنوات ما تزال خالدية تحرقني في أحلامي، وكلما نظرت إلى ذاك الركن أراها ممددة هناك وأراني أحملها من جديد.

توقفت غصة في حنجرته ومنعته من إضافة كلمة أخرى, تركته بصمت دون أي تعليق وغادرت لأول مرة في الثانية ليلاً دون أن يلح علي كعادته: / ابق 00 نم هنـا / 0


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سموحة

avatar

المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

مُساهمةموضوع: كبر مجموعة قصصية   السبت ديسمبر 10, 2011 9:14 am

العسـل المـر

صحيح أن الأهالي لا يعتمدون على العسل كوجبة رئيسية في غذائهم بسبب أوضاعهم المالية المتفاوتة , ولكن هذا لا يعني أنهم لا يستخدمونه البتة , سواء كان ذلك كنوع من العلاج , أو في شهر رمضان , أو عندما يحل مبلغ موسمي جيد دفعة واحدة على البعض فيستغل الفرصة لشراء شيء من العسل قبل نفاذ المبلغ في المتطلبات الرئيسية , وحينها يقول لأولاده وهو يشاركهم تناول العسل الذي يبدو وكأنه قادم من كوكب آخر : لنأكل العسل ولو مرة واحدة في السنة , وكم سنة سأمضيها بينكم حتى نأكل فيها العسل معا 0 رغم ذلك فإن الكلام بدأ يتسع بقوة حول ما يقول البعض بأن ثمة رائحة كريهة بدأت تظهر فجأة من العسل , وأن طعمه اختلف تماما عن العسل المألوف 0 اعتقد هذا البعض في البدء أن الأمر يعود إلى الغش الذي يقوم به بعض تجار العسل , بيد أن هذا الاعتقاد تزحزح عندما ذهب هؤلاء أنفسهم إلى بعض مربي النحل الموثوق بهم في قرى مجاورة , فشكا المربون ذات الشكوى للسائلين وهم يرددون العبارة ذاتها وكأنهم اتفقوا عليها مسبقا : أجل بدأنا نلاحظ هذا التغيير المفاجئ على عسلنا حتى وهو في شهده , يا جماعة لم نعد نحتمل الرائحة الكريهة التي بدأت تقتحم علينا بيوتنا خاصة في الليل عندما يهب نسيم فنفيق على رائحة كريهة وكأنها تسد أنفاسنا 0 عند ذاك انهالت شكاوى الناس إلى مديرية التموين للتحقيق في الأمر 0 ومن الطرف الآخر فقد حضرت أفواج مربي النحل من مختلف القرى والمناطق إلى باب مديرية التموين طالبين التدخل الفوري لإجراء الكشف على النحل الذي هو مصدر رزقهم الوحيد وإيجاد أدوية شافية له إن كان به مرض 0 استقبلهم مدير التموين وقال أنه كذلك منذ أكثر من شهر حُرم من الاستمتاع بتناول العسل في الصباح بسبب هذه الرائحة الكريهة التي تفوح منه , وأنه على الأغلب يتناول ملعقة صغيرة وهو يسد أنفه ويغمض عينيه , وكل يوم ينسى أن يطرح الموضوع بسبب الأشغال المتراكمة عليه , بيد أنه ظن أن ذلك يعود لبعض غش في تركيبة العسل , ووعد المربين أنه سوف يتدخل في الأمر 0 قبل أن يخرج هؤلاء بلحظات دخل مدير الصحة قائلا بأن مديريته تتلقى يوميا عشرات الشكاوى من المواطنين بسبب الرائحة الكريهة هذه , فقال له مدير التموين أمام المربين بأن عليه أن يشكل لجنة صحية حالا لإجراء الكشف على النحل والعسل 0 فعاد المربون إلى بيوتهم مطمئنين لتلحقهم في اليوم التالي لجنة من خيرة خبراء الصحة والتموين بحضور مدير التموين ومدير الصحة لإجراء الكشف المباشر على خلايا النحل وتحليل هذا العسل من عدة خلايا 0 أخذ الخبراء كافة العينات اللازمة وطلبوا من مهلة حتى يُجروا التحليلات المتأنية عليها 0 دام ذلك شهرا كاملا , لكن لبث الغموض ذاته , إذ أن اللجنة كتبت في تقديرها الأخير بأن النحل هو ذاته النحل المحلي المألوف , ولكن العسل بات يحتوي على عناصر غريبة يجهلون مصدرها , وأوصت اللجنة بعدم استخدام هذا العسل لأنه لا يحتوي على عناصر العسل الطبيعي , وهو بالتالي فاقد لعناصر التغذية الطبيعية , كما أنه يؤذي الصحة من الناحية الطبية , وربما يسبب العمى والطرش عندما يُستخدم بكثرة 0 هذه المعلومات أذيعت في الناس كالريح فامتنعوا الاقتراب من العسل مما أدى إلى توقيف المربين توقيفا نهائيا عن بيع غرام واحد من العسل خلال شهرين متتاليين , حتى أن البعض رأى بأنه سوف يحرق النحل والخلية معا مادام بات يشكل عبئا ماديا ومعنويا , أما عندما يُسأل أحد أصحاب النحل عن أحوال نحله فلا يتردد من قذف الجملة الشعبية الدارجة : / خير مامنه .. دخانه يعمينا / حيث أن بعض أولاد مربي النحل قد نُقلوا إلى المشافي بسبب الرائحة الكريهة التي تفوح من الخلايا 0 ومرة أخرى اجتمع هؤلاء وعادوا إلى مدير التموين يسألونه حلا 0 لم يتردد من مواجهتهم بالواقع قائلا بأن كل جهود اللجنة فشلت في إيجاد حل لهذه المشكلة , وعند ذاك رفع سماعة الهاتف متصلا مع مدير الصحة علّه توصل إلى شيء جديد ليرد به على هؤلاء 0 فقال له مدير الصحة بأنه كان على وشك الحضور لأنه أجرى اتصالا للتو مع المديرية العامة للصحة طارحا المشكلة , ثم بنبرة منخفضة أردف : لكنهم هناك أوبخوني بقولهم : ألا تقرأ الصحف المحلية , ألم نخصص لمديريتك اشتراكا في هذه الصحف يا حضرة المدير , المسألة ليست مقتصرة على مدينتك وحدها ، إنها عامة في كل المدن 0 وعند ذاك تغيّر لون مدير التموين وهو ينظر من خلف نظارته إلى المربين وقد أحس أن التوبيخ ذاته موجه إليه كونه لم يطّلع على الصحف خلال الأسبوع الفائت الذي بدأت فيه بعض الصحف بطرح الموضوع في زوايا الرد على شكاوى المواطنين 0 ثم قال : يا سيدي , بعد هذا التوبيخ أخبروني بأن جميع خبراء المديرية العامة للصحة عجزوا عن إيجاد هذا السبب الغريب الذي طرأ على العسل رغم أن النحل هو النحل المحلي ذاته , وقال بأنه سوف ينظر في الأمر . أغلق مدير التموين السماعة وطلب من المربين العودة إلى بيوتهم لأن المشكلة هي عامة وغير مقتصرة على مدينتهم 0

في هذه الأثناء كان قد اختفى رجل مجنون من أبناء المدينة مع زوجته وأولاده السبعة لمدة شهر , وعاد إلى الظهور فجأة ليخبر الناس بأنه وأولاده كانوا في مهمة للبحث عن سبب الرائحة الكريهة التي غدت تفوح من العسل , وقد عرفوا السبب 0 قال البعض : هذا كلام مجانين 0 وقال آخر : خذ الحكمة من أفواه المجانين 0 وبين هذا وذاك وصل الخبر لمدير التموين الذي دعا الرجل لمقابلته , بيد أن الرجل رفض قائلا : أنا لا مطلب لي لديه , إذا كان له عندي مطلب فليأ تني هو إلى بيتي 0 عندما قيل ذلك لمدير التموين ركب سيارة أخرى غير سيارته المعروفة بدون أن يصطحب السائق واتجه مع الدليل إلى بيت المذكور , فلم يجداه في البيت , قالت زوجته بأنه موجود في السوق 0 اضطر مدير التموين أن يجوب سوق المدينة شارعا شارعا بحثا عن الرجل إلى أن وجده في سوق الهال يدفع عربة بيليا صغيرة عليها حوائج رجل ليوصلها إلى منزله 0 أشار الدليل إليه , فوقف مدير التموين في منتصف الطريق مناديا إياه 0 أطلق شرطي السير للسيارة الواقفة صفيرا ظانا بأنها سيارة أحد الموظفين , بيد أن مدير التموين أشار للشرطي أن يمسك برقبة الرجل المجنون ويحضره إليه تاركا السيارات واقفة خلفه لأن مدير التموين ذاته يقف بسيارته في مهمة تموينية طارئة . أوقف الشرطي عربة الرجل في منتصف الطريق وقاد الرجل المجنون إلى حيث السيارة , فقال الرجل : أنا الآن في عملي ولقمة عيشي , إذا كانت لك عندي حاجة فأنا موجود في البيت ليلا 0 رفع الشرطي كفه ليصفع الرجل بيد أن مدير التموين منعه من ذلك بإشارة من يده وقد التم كل مَنْ في السوق حول السيارة وتوقفت حركة السير حتى أن أحدا من السائقين لايجسر أن يطلق زمورا وهو يعلم أن سيارة مدير التموين هي التي واقفة في منتصف الطريق بسبب مهمة طارئة 0 قال له: هل تعرف سبب ما أصاب العسل أم أنك تقول كلام مجانين ؟ 0

قال الرجل : أعرف ذلك حق المعرفة 0

قال : قل الذي تعرفه 0

قال الرجل : قررت أني لا أقول ذلك إلا في برنامج خاص على شاشة التلفزيون برفقة أولادي وزوجتي لأننا جميعا شركاء في المعرفة التي أمضينا فيها شهرا كاملا 0

عندما نظهر على شاشة التلفزيون سنخبر الناس جميعا بالسر الذي عرفناه 0

تركه مدير التموين وعاد إلى مكتبه ة ليجري اتصالا مع المحافظة يخبر فيه عن ادعاء هذا الرجل ومطلبه الغريب , رغم أنه ذهب إليه بنفسه , هذا الرجل الذي يرفض الإدلاء بمعلوماته تحت كل المغريات إلا إذا استُجيب لمطلبه بالظهور على شاشة التلفاز .

فطـُلبت معلومات كافية عن هذا الرجل ليُبث على ضوئها في الأمر . بعد يومين وصلت المعلومات التي تفيد بأنه ولد مجنونا , وفي العشرين تزوج من امرأة مجنونة , فأنجب منها ثلاثة أولاد وأربع بنات تتراوح أعمارهم بين الخمسين والعشر سنوات دون أن يتزوج أحد منهم , وكلهم مجانين يعتمدون في التقاط رزقهم من القيام بأعمال سريعة داخل سوق المدينة كأن يلبوا طلبات أصحاب الدكاكين بنقل أغراضهم , أو جلب حاجاتهم , أو غسيل الدكاكين والبيوت 0 وقيل بأن هؤلاء رفضوا بشتى الوسائل البوح بالسر إلا إذا تحقق مطلبهم بالظهور على شاشة التلفاز 0 فوجّهت المحافظة إلى مديرية التلفاز في كتاب رسمي بتخصيص برنامج خاص لهؤلاء حتى يقولوا ما لديهم بهذا الشأن 0 وبدأت برامج التلفاز تنقطع ليُعلـَن عن برنامج هام في الأسبوع القادم , البرنامج الذي سوف يلقي الضوء على السبب الذي طرأعلىالعسل وجعله يتفوّح بهذه الرائحة الكريهة 0 إنهم مجموعة من المواطنين الذين جنّدوا أنفسهم حتى عرفوا الحقائق وسوف يجلسون إلى هذا البرنامج الخاص ليقولوا كل شيء 0 لم يكن أحد يعرف هؤلاء ولا من أي مدينة سيقدمون , لكن الناس جميعا أصبحوا في استنفار بانتظار هذا اليوم المعلوم الذي سيعرفون فيه هذه الحقيقة التي عجز عن معرفتها كل خبراء العسل في البلاد 0 ذات مساء فوجئت الحارة كلها التي تُعرف بـ / حارة المجانين / بموكب المحافظ يحط في حارتهم 0 استغربوا لهذا الأمر , خرج الكل إلى الشارع , أجل إنها سيارة المحافظ , وهو موكب المحافظ المعروف بدراجات شرطة السير التي تتقدمه 0 وكانت ثمة سيارة بيضاء كبيرة كُتب عليها : / تلفزيون / ترافق الموكب في نهايته 0 نزلوا جميعا , تسمّر الناس في أماكنهم انتظارا لما سيفعله المحافظ الذي ما لبث أن تقدم إليه مدير التموين ومدير الصحة ومندوب التلفزيون ليتجهوا وسط الحشد 0 تقدم إليهم الدليل وهو يشير إلى الطريق المؤدي إلى بيت المجانين الذين يسكنون جميعا في غرفة على سطح إحدى الدكاكين 0 زادت دهشة الناس وهم يبحلقون عيونهم , ويمطون شفاههم , و الموكب بالفعل يتجه إلى ذات البيت تلحقه من بعيد قامات بعض سكان الحي . دخلوا جميعا بيت المجانين الذين أصروا أن يجلسوا ويشربوا الشاي حتى يجهزوا أنفسهم 0 وبعد نحو نصف ساعة خرج الموكب برفقة هؤلاء جميعا الذين غدوا يوصون الجوار ببيتهم 0 ركبوا السيارة البيضاء الكبيرة التي كُتب عليها / تلفزيون / ومضوا خلف موكب المحافظ تاركين الجوار في دهشة من أمرهم ، وانطلقوا جميعا في الطريق المؤدي إلى العاصمة 0 وصلوا في الصباح الباكر إلى فندق الخمس نجوم الذي تم حجزه لهم 0 استراحوا قليلا في غرفهم , ثم تناولوا الفطور , وبعد ذلك تم أخذهم إلى سوق المدينة من قبل رجلين جُنِّدا لهذه الغاية , فدخلوا صالونات حلاقة , ثم إلى الحمامات , ثم إلى محلات بيع الثياب الجاهزة وعادوا إلى الفندق في الثانية ظهرا لتناول وجبة الغذاء وأخذ قسط من الراحة حتى يكونوا جاهزين لتصوير البرنامج الخاص بهم في السابعة والنصف مساء 0 خلال هذه الفترة بدأ التلفاز يذكر مشاهديه بين وهلة وأخرى بأنه سوف يستضيف رجالا لديهم معلومات هامة عن سبب الطارئ الذي طرأ على العسل 0 بعد تناول وجبة الغذاء الدسمة برفقة المحافظ ومدير التموين ومدير الصحة, اتجه كل واحد إلى الغرفة المخصصة له , وعندها بدأت الأحاديث الهاتفية فيما بين الأخوة والأبوَين عبر الغرف وبدأت الزيارات فيوشوشون لبعضهم إن كانوا في حلم أم في واقع , أي نعيم هذا الذي وقع عليهم فجأة , بنات كحوريات من مختلف بلدان العالم ينحنين لهم طالبات أي خدمة , رجال بدرجات علمية متقدمة يقدّمون لهم ما يريدون من طلبات بالضغط على زر صغير 0 فيهتف لهم الأب : تمتعوا بهذا النعيم يا أبنائي قبل أن تخرجوا منه , اعلموا يا أبنائي الأعزاء أننا سنخرج من هذا النعيم عندما نخبرهم بالسر الذي عرفناه , وعندها سوف يخلعون منا حتى هذه الثياب وقد نعود سيرا على الأقدام إلى بيوتنا .. تمتعوا يا أبنائي بالنعيم , لا تتركوا حاجة في نفوسكم إلا وتحققوها في هذه الساعات القليلة المتبقية لكم في هذا النعيم 0 مضى الوقت سريعا عليهم حتى بلغت الساعة السادسة مساء , وعندها جاءت سيارة التلفاز واصطحبتهم إلى المبنى 0 في الساعة السابعة توقفت الحركة في الشوارع , الجميع توقف أمام التلفاز ينتظر ما يقوله هؤلاء الأشخاص من معلومات ينتظرها الجميع , حتى أولئك الذين ما ذاقوا طعم العسل , ولكن من باب الفضول وحتى يشاركوا الناس في أمر أصبح عاما وحديث الساعة 0 دقت الساعة السابعة والنصف فظهر مقدم البرنامج يقدم ضيوفه واحدا واحدا , ثم تحدث عن الطارئ الذي طرأ على أحوال العسل في البلاد كلها , وأن ذلك يلحق ضررا بالغا بالاقتصاد إن طال أمده 0 وقال وهو يلتفت لضيوفه مرحّبا بهم من جديد : لكن ضيوفي هؤلاء الذين قطعوا مسافات طويلة حتى وصلوا إلينا عزّ عليهم أن يبخلوا بمعلومات عرفوها بجهودهم الشخصية سوف تفيد الخبراء لمعالجة هذا الطارئ 0 عندئذ مال الأب إلى أذن المذيع وهمسه سائلا عن موقع المرحاض لأنه متضايق , فحسم المذيع الأمر وهو يبتسم قائلا للمشاهدين : أعزائي أرجو ألا تذهبوا بعيدا .. سنعود إليكم بعد هذا الفاصل 0 دخل الرجل المرحاض , مضت دقائق خمس ولم يخرج , فراح المذيع بنفسه يطرق عليه الباب 0 قال الأب من الداخل بأنه لم ينته بعد 0

رفع المذيع من نبرات صوته : يا أخي أسرع ، الناس ينتظرونك 0

جاء الصوت من الداخل : ليس ذنبي , كانوا أسخياء في إطعامنا 0

في هذه الأثناء بدأت الهواتف تنهال على التلفاز سائلة عن سبب انقطاع هذا البرنامج الذي لم يبدأ بعد 0

دام مكوثه نصف ساعة , وكل موظفي التلفاز قد تجمهروا حول المرحاض دون أن يخرج الرجل حتى أن أحد المعروفين بالنكتة قال بصوت مرتفع : حريق يا جماعة ، حريق .. ولكن الرجل لم يخرج قائلا من الداخل : الحريق الذي بداخلي أكثر حرارة علي . عند ذاك اقتحم رجل ضخم من مستخدمي التلفاز الباب وجرجره من رقبته بالقوة قائلا له بلهجة حادة : ألا تفهم بأن البلاد كلها تنتظر خروجك يا حمار 0

عندما سمع الأولاد عبارة حمار لأبيهم , لم يترددوا من التهجم على الرجل وغدت فسحة التلفاز إلى ساحة معركة صغيرة بين الموظفين وبين هؤلاء الضيوف , وتدخل رجال حتى أوقفوا المعركة , فظهر المذيع بعد ساعة من الانقطاع ليعتذر من المشاهدين ويعدهم بأن البرنامج تأجل إلى يوم الغد في نفس الموعد 0 بعد لحظات انهالت الهواتف من كافة شرائح الناس على مبنى التلفاز سائلة عن سبب هذا التأجيل , وعلى الفور تلقى المذيع قرارا بفصله من عمله جراء عدم احترامه لمشاعر الناس لأنه استهان بهم عندما قال بأنه سوف يعود بعد الفاصل , ودام ذلك ساعة ليخبرهم تأجيل البرنامج إلى الغد , وهل يعلم هذا المذيع كم خسر البلاد جراء توقف الناس ساعتين عن أعمالهم , وهل يعلم كم بلغ عدد الساعات , بل الأيام , بل السنوات إذا ما ضُرب ذلك بعدد سكان البلاد 0 من الطرف الآخر تم التوجيه بإعادة هؤلاء إلى ذات الفندق وتكريمهم حتى يوم الغد ليظهروا على البرنامج المؤجل 0

فعادوا إلى غرفهم وإلى ما كانوا فيه من ترف في الطلبات وإحداث ضجيج في الفندق دون أن يناموا لحظة واحدة حتى أمسية اليوم التالي حيث حضر مذيع جديد برفقة المحافظ ومدير التموين ومدير الصحة كي يذهبوا إلى مبنى التلفاز لتصوير البرنامج لأن الناس جميعا تركوا أعمالهم لليوم التالي بانتظار ما يقولوه في هذا البرنامج 0 فقال الأب بأنه تراجع عن موقفه وأنه لن يبوح بكلمة واحدة استنكارا لما جرى بحقه وبحق أولاده من إهانة ليلة البارحة , ولكن من أجل كرامة المحافظ فإنه سيقول ما يعرف له شخصيا عندما يعيدوه مع أبنائه إلى بيتهم 0

بعد محاولات طويلة أدركوا بأن هؤلاء بالفعل لن يتفوهوا بكلمة واحدة إلا إذا عادوا إلى بيتهم وهناك سوف يقولون كل ما يعرفوه من معلومات .

ورأوا أن يكونوا لينين مع هؤلاء وأن يحصلوا منهم على المعلومات المفيدة ولا بأس أن يعودوا بهم إلى مدينتهم 0

بعد ثلاثة أيام عرف مدير التموين الحقيقة فاتجه إلى المحافظ وهو يخبره بها 0

قال : معقول هذا الهراء يا حضرة مدير التموين 0

قال : انتظرت يا سيدي بعد أن قالوا لي ذلك حتى شكلّت لجنة سريعة وتأكدنا من ذلك بالكشف المباشر وملاحقة النحل 0

قال : يعني لم يعد النحل يحط على الورد , وبدل ذلك صار يحط على القمامة ، والله أمر غريب .

- نعم سيدي أمر غريب ، لم يعد فرق بين النحل وبين الذباب , هذا أمر مؤسف , النحل الذي كان منظره يفرحنا وهو يطير كلؤلؤة من زهرة إلى زهرة , أصبحنا نحمله ونضعه على الزهرة , فيتركها ليحط على أقرب قمامة يراها 0 يقول الخبراء ياسيدي أن هذا هو سبب صدور الرائحة الكريهة من العسل 0

مد ّيده إلى جهاز الخلوي وأجرى اتصالا مع زوجته قائلا وهو يسد أنفه ويكاد يتقيأ : ذاك العسل ارموه بسرعة 0

قالت زوجته 0: هل أصبت بالزكام 00 صوتك متغير 0

قال وقد أزاح إصبعيه عن أنفه : لا زكام ولأمن يحزنون 00 لا تتركي ذاك العسل لحظة واحدة في البيت , اقذفيه حالا في خارج البيت 0 ثم أعاد الجهاز إلى جيبه 0 فقال له مدير التموين : ماذا توجهوننا سيدي ؟

قال : عد إلى مكتبك وسوف ننشر خبرا بأن العسل كله مسموم ولا يجوز لأحد الاقتراب منه إلى أن نجد حلا 0

مضت سنة على ذلك دون أن يعثر أحد على حل رغم الاستعانة بخبرات عديدة في مجال العسل , ورأى الناس أن الربيع في هذه السنة أصبح أقل ورودا لأن النحل لم يعد يحط عليه , ولم يعد يستنشق رحيقه , باتت الورود القليلة الطالعة للتو تُظهر ذبولا وكأنها في حداد حزنا على الورد المكتمل الذي لم يعد يدنو منها النحل إلى أن جاء الربيع القادم ولم يحمل معه وردة واحدة0 عند ذاك بدأ الناس يعودون إلى استخدام العسل , وشيئا فشيئا اعتادوا عليه , وما عادت تزعجهم الروائح الكريهة التي اعتادوا عليها كما اعتادوا على مجيء الربيع دون أن تظهر وردة واحدة , أما عندما يرون النحل يحط على القمامة فإن ذلك لم يعد يثير اشمئزازهم حتى أنهم نسوا أن هذا النحل كان وهو يطير يذكرهم بأنها كائنات أتت من الجنة لهذه المهمة وهي لا تموت كسائر الكائنات , بل تعود إلى الجنة 0

و الربيع في السنوات الماضية كان يأتي محملا بألوان الورود, والنحل كا ن يستنشق رحيقها ليقدم لهم عسلا مطعما برائحة وكأنها أتت من الجنة

Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



كأنه استيقظ للتو مـن نوم عميـــق

منذ ثلاث ساعات وهو يتقلب في الفراش , لا يعرف أي حالة غريبة هذه التي تسيطر على جملته العصبية وتفقده توازنه , تضرم الروح بحريق لا ينطفئ 0 تشير عقارب الساعة إلى الثانية ليلا , يسود صمت هائل في خيمة الظلام الحالك وليس من شيء غير النواصة الهادئة التي تحاول أن تهدئ من لهيب الاضطراب في روحه وتفشل مرة تلو المرة 0 كأنه يستلقي على قنبلة موقوتة قابلة للانفجار بعد لحظات , يحاول نسيان كل شيء يمت له بالحياة ليستغرق في النوم , لكنه بعد ساعة أخرى يدرك فشله في الحصول على إغفاءة ولو لهنيهة 0 لا توجد مشكلة تؤرقه ليعالجها , هكذا بدون أي مقدمات ولا تمهيد ركبه قلق مجهول وبات يشرد علّه يعثر على سبب ما 00 هل الوحدة هي السبب , ورمى الفكرة لأنها ليست المرة الأولى التي ينام فيها وحيدا , فهو منذ سنوات طويلة اعتاد على هذه الوحدة , وهو منسجم مع هذه الوحدة التي يعيشها , ومادام المرء يحب شيئا ويمارسه فلا توجد مشكلة , إذن ليست الوحدة 0 هل هو الخوف من الموت ؟ رغم كل حبه للحياة وتعلقه بها فقد استطاع أن يتغلب على أي إحساس بالخوف من الموت , ويظن بأن الوحدة ساعدته في تعزيز هذا الشعور لأن الذين يعيشون حياة اجتماعية حافلة يكونون أكثر عرضة للإحساس بالخوف من الموت الذي سوف يأخذهم من وقائع الحياة الثرية التي يعيشونها , أما هو فعلاقته محدودة بالحياة , ولا توجد لديه علاقات عميقة وحميمة تجعله يخاف على خسرانها 0 ينهض من الفراش , يشعر بوخزات في جبهته , فكر في أن يتناول قرصا منوما , لكنه تراجع عن الفكرة قائلا في نفسه : إن لم يأت النوم بشكل طبيعي فلا أريده أن يأتي بشكل غير طبيعي 0 يشعر بتعرق شديد 00 لم يعد يحتمل وبغتة يهرع إلى الشارع 0 يطبق الصمت على الطرقات والناس في بيوتهم الخافتة الأضواء يرقدون بأمان , كان عليه أن يكون نائما الآن وهل يسهر ليحرس النائمين وما معنى استيقاظه وخروجه إلى الشارع في هكذا وقت غير مناسب 0 يعود إلى حجرة نومه , يرتشف رشفة ماء ويتمتم في نفسه : سأنام 00 لابد أنني سأنام الآن 00 الحالة الهذيانية ولّت من غير رجعة , تشير الساعة إلى الرابعة والنصف وعلي أن أستفيق في الثامنة لأذهب إلى عملي 0 استلقى في الفراش وأغمض عينيه 00 مضى الوقت دون أن يتمكن من النوم , مضت ساعة أخرى دون أن يغفو لحظة واحدة 0 لم يعد الأمر يُحتمل , انتفض مرة أخرى , ذهب إلى المطبخ تناول كأسا من اللبن , وعاد إلى غرفة النوم دون أن يجرؤ على الدخول في الفراش 0 ثم ما لبث أن تمتم : إنني معتوه 00 الآن اكتشفت بأنني معتوه وأيضا أريد أن أقمع نفسي وأرغم عليها النوم بالقوة 0 أليس من حق النفس أن ترفض النوم ولو ليلة واحدة في السنة , أليس من حقها أن تتمرد على نوم الليل وتضجره لتقرر مرة واحدة النوم في النهار مثلا : في مقر العمل 00 في حافلة 00 في حديقة 00 في أي مكان , وأن ترفض النوم في الليل 0 ما لذي حدث 00 منذ ست ساعات وكأنني أريد أن أتسول لحظة واحدة من النوم , أشعر بأنني لست بحاجة إلى النوم وأستطيع أن أخرج الآن أدور في الطرقات إلى أن يحين وقت العمل فأعمل حتى المساء 00 عندما أشعر بنعاس سيكون النوم ممتعا لأن النوم عند ذاك هو الذي يأتي ويأخذني إلى عالمه 0 أجمل ساعات النوم هي تلك التي تكون في غفلة , مثلا وأنا أسهر على التلفاز ومستغرق في عالم برنامج جديد وفجأة أغرق في نوم عميق لمدة ثلاث ساعات متواصلة , وعندما أستفيق أرى بأن البرنامج انتهى ولحقه برنامجان آخران , فأضع رأسي وأكمل النوم على الكنبة حتى الصباح 0 تذكر للتو بأنه كاد أن يرتكب حماقة عندما فكر بأخذ أقراص منومة ليرغم النوم على نفسه 0 أجل عليه أن يستمتع باليقظة مادم لا يشعر برغبة في النوم , وكل تلك الحركات التي بدرت منه ما كانت إلا هراء في هراء 0

نهض من جديد , وقعد 00 لقد فاته أمر هام وهو أن يسهر ليلة واحدة في السنة , يكون فيها يقظا والناس نيام , ألا يحدث أن يكون نائما ويكون غيره يقظا 0 وكم تمنى فيما لو عاد الليل من أوله ليستمتع بكل لحظة من لحظاته الذاهبة تلك ، وعند ذاك أتى عليه وقت صلاة الصبح ، فقام ، توضأ وصلى ، ثم قرأ ما تيسر له من القرآن الكريم وخرج إلى عمله كأنه استيقظ للتو من نوم عميق .


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®




الحافلــــة

لحظات تحرك حجم الحافلة تجاه القرية، انقذف رجل بجسده المنهك وكأنه يحمل على ظهره جبلاً، بدا التشتت صارخاً على سحنته، وحرارة الصيف تزيده قلقاً. سعى بينه وبين نفسه إلى لملمة ولو جزء من تيه الشتات، لكن ذلك زاد في أزمته النفسية الحادة التي يشتعل فيها، وفي لحظات بدت الحقيبة التي يحملها بيده اليمنى تشكل عبئاً على كاهله رغم أهمية ما فيها.

أجال بنظرات سريعة في المقاعد المكتظة وسط حدقات القاعدين بأمان وسكينة في مجالسهم وقد صوبوها إليه بذهول، فراوده إحساس بأنه اندس في مكان حشواً، وهو كائن لا يلزم في موضع ليس له موطئ قدم فيه، فتلبسته حالة هائلة من غربة، وتمنى لو يقف الباص فينزل وإن واصل السير سبعة أيام على قدميه ليصل البيت. أراد أن يصرخ في الناظرين بدهشة إليه: أنا لم أهرب من مطاردة، لكنني رميت بجسدي في هذا الباص الذي لا مكان لي فيه اتقاء من شدة الحرارة. بعد نصف ساعة من تحرك الحافلة ارتمى نصف رمية على جزء صغير من مقعد بحجم كف مسبباً حالة من الضيق للراكبَين القاعدَين في مقعديهما باستقرار،ولما علم تسببه في قلق الرجلين الذين استاءا من تصرفه العشوائي المستغل لفسحة صغيرة من مقعديهما لذي هو على هيئة مقعد واحد محجوز، وجه إليهما نظرة توسلية كي يتركاه في هذا الركن الساند لإنهاكه الشديد، موحياً لهما بأن ذلك بمثابة إسعاف لإخراجه من حالة الإنهاك المدمرة التي ركبته ولا يجد فكاكاً منها. فأوحيا له دون صوت أن يلبث جالساً دون حراك ، عندئذ انطلقت منه زفرة عميقة كأنها سحبت من أعماقه حريقاً، وأخذ يسترد شيئاً من هدوء أعصابه وجسده معاً، وفي هذا الوقت الذي أحس فيه باستسلام لغفوة استرخائية تناهى إلى مسمعه صوت ابنته: بابا، لا تنس أن تجلب لي من المدينة كتاب قراءة.

مد أصابعه إلى أحشاء الحقيبة الجلدية السوداء وهو مغمض العينين، تلمس الكتاب المستقر في ظلمة الحقيبة، سرت في حناياه رعشة اطمئنان زادته سكينة. وقبل أن تغطيه الغفوة بسكينتها، تناهى إلى مسمعه صوت ابنته الثانية: بابا لا تنس أن تجلب لي معك من المدينة كتاب ديانة.

فعادت أنامله مرة أخرى تتلمس أحشاء الحقيبة حتى استقرت على الكتاب الثاني فازداد طمأنينة والباص يمضي تحت جسده كأرجوحة. والراحة تنتشر في أنحاء أعضائه وروحه وكأنه لم يكن ذاك الرجل الذي كاد الاضطراب أن يأكله قبل حين، عندئذ تناهى إلى مسمعه صوت ابنه: بابا وأنت ذاهب إلى المدينة لا تنس أن تجلب لي معك خارطة الوطن.

امتدت أصابعه مرة ثالثة بمزيد من الطمأنينة إلى جوف الحقيبة فلمست الخارطة وخرجت بالطمأنينة التي ولجت فيها.

وفي هنيهات معدودة استسلم الرجل لغفوة مباغتة وكأنه في فراشه، لم يكن يحس بغفوته المستكينة لولا نداء الجابي الذي أيقظه ليسدد أجرة ما هو فيه من نعيم، ففتح عينيه كمن جُرَّ جراً من رقاد عميق، ومد يده إلى الحقيبة لينقذ الجابي أجر الركوب، وبغتة هب منتصباً كالملدوغ وقد اكتشف أن الحقيبة ليست على ركبتيه.

صرخ بالراكبين وبجميع من في الحافلة فعادت الأنظار تتصوب إليه كما كانت أول مرة، وتعالت أصوات لإنزاله من الحافلة، فهو منذ ركوبه ما كان طبيعياً، عندها أدرك أن السائق سينزله بالقوة فيما لو تمادى في صراخه 0نادت امرأة بأنها قد تبرعت بأجرته على أن يصمت ولا يفسد على الركاب استئناسهم في الرحلة، فعاد يبرك في مجلسه الذي لا يتسع لدجاجة، مسبباً الضيق للراكبين مرة أخرى وهو يهمهم في نفسه ويسعى لإقناعها بأنه لم يكن يحمل حقيبة لحظة صعوده وأن ذلك كله كان ومضاً في غفوة.



Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سموحة

avatar

المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

مُساهمةموضوع: اكبر مجموعة قصصية   السبت ديسمبر 10, 2011 9:15 am

رجــــال ونســـــــاء

منذ شهر يلح مُكري , صاحب محل لبيع الخضار بالجملة على صديق طفولته زهران , الموظف في مديرية التموين ليلبي دعوته العائلية على العشاء0 حدث هذا عندما راح زهران إلى سوق الخضار لشراء كيس من البصل اليابس بعد أن كررت زوجته سوسنة , الموظفة في مكتب الكاتب بالعدل مطلبها المنزلي هذا عليه خمس مرات خلال خمسة أيام متتالية 0 وفي كل مرة يعود بعد انتهاء الدوام إلى البيت منهكا وقد نسي أمر البصل , وعندما تنفعل سوسنة وتمتنع من تقديم الغذاء له يقول لها : المشكلة أنك لاتذهبين عن بالي لحظة واحدة ليحل البصل المسكين في بالي 0 فتبتسم وتدعوه إلى الغذاء قائلة : ماعاش البصل اللي يزيح سوسنة عن بالك ليحل مكانها 0 لكنها بعد الغذاء وفي أثناء تناول الشاي تعود فتذكّره بكيس البصل قائلة : يارجل , منذ شهر وأنا أشتهي الشامبورك ولكن لاتوجد بصلة واحدة في البيت , هل هناك بيت في العالم يبقى بدون بصل لشهر كامل 0 في الليل لبثت سوسنة مستيقظة تبحث عن فكرة تجعله يتذكر البصل وبنفس الوقت تبقى هي في باله وقد وصلت إلى الفكرة عند الساعة الثالثة والنصف صباحا , وحتى لاتنساها قامت من فراشها ودونتها على قصاصة صغيرة وعادت إلى الفراش غارقة في النوم لم تستيقظ إلا على أصوات أولادها وهم ييقظونها لتذهب إلى وظيفتها ويهمون بالخروج إلى مدارسهم 0 نظرت إلى الساعة وكانت قد تجاوزت السابعة والنصف بقليل 0 سألت عن أبيهم فقالوا بأنه خرج إلى وظيفته , وللتو تذكرت أنها سهرت إلى وقت متأخر وتذكرت الفكرة التي دونتها على القصاصة من أجل كيس البصل 0 خرج الأولاد ونهضت مسرعة , تمتمت لنفسها بأنها ستفطر في المكتب الفطائر الساخنة مع الشاي , سترسل المستخدم عَمْري إلى المخبز وعندما يعود تعطيه فطيرتين قائلة له : خذ يا عمري فيقول : شكرا يامدام , متناولا الفطيرتين من يدها ويذهب ليحضر لها إبريق الشاي 0 خرجت سوسنة إلى الشارع وهي تعرف بأنها تأخرت عن موعد وصول الباص الذي يأخذ الموظفات إلى قصر العدل 0 أشارت لسيارة تكسي وطلبت أن يأخذها إلى مديرية التموين بدلا عن قصر العدل , فهي مصرة أن يجلب زهران البصل وقد حملت الفكرة التي توصلت إ ليها في حقيبتها 0 دخلت عليه في مكتبه ولم يكن غيره في المكتب فقال : ما أتى بك ياسوسنة 00 خير !!

مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت لصقة جروح كتبت عليها / بصل / وسحبت إبهامه الأيسر , لم تفسح له مجالا غير أن يستجيب وهي تلصق اللصقة على إبهامه وتهم بالخروج لأنها تأخرت عن وظيفتها 0 عندذاك قال : اللصقة تكفي لأتذكر , سوف أشطب كلمة / بصل / 0 قالت : لا , حتى لايكون هناك وقت تتذكر ولو لحظة واحدة عن سبب وضع هذه اللصقة , عندما تنظر ستقرأ ولاتحتاج إلى تفكير 0 فقال : يالك من امرأة ذكية يازوجتي . عند الساعة الثانية خرج زهران من الدائرة واضعا يده في جيبه حتى لايرى أحد كلمة / بصل / المكتوبة على اللصقة واتجه على الفور إلى محل لبيع البصل بالجملة , وعندما توقف أمام المحل وأدرك بأنه لن ينسى أن يشتري البصل خلع اللصقة , جعلها مثل حبة عدس وقذفها 0

نظر إلى أكياس البصل المتراكمة على بعضها نظرة سريعة وقد أعجبه شكلها , ألقى نظرة إلى صاحب المحل الذي يقف أمام / قبّان / حديدي ضخم يزن بعض الأكياس لأشخاص يقفون جواره وقد وضع خلف أذنه قلم رصاص 0 وكالوميض تذكر بأنه لابد يعرف هذا الرجل , هذه الملامح قريبة إليه , وحتى الصوت مازال محافظا على بعض نبراته 0 لكنه تجاهل ذلك ومد يده يتلمس حبات البصل الحمراء الصغيرة في إحدى الأكياس / لمسة شراء / كما يقول البائعون وليس لمسة تضييع وقت 0 وعندذاك دنا إليه صاحب المحل وقد فرغ من الرجلين قائلا وهو يمعن النظر إليه : عفوا أستاذ , هل لي أن أعرف اسمك بلا صغرة 0

بادله زهران النظر وعاد يتذكر بأنه لابد يعرف هذا الشخص وأجاب : نعم , ولكن لِمَ تسأل ؟

قال الرجل : لأن هذه الملامح تذكرني باسم يعود إلى ثلاثين سنة ماضية 0

فتأكد زهران بأنه كان يعرف هذا الشخص حقا , بيد أنه قد نسي التفاصيل , وأصبحت لديه رغبة في أن يتذكر ذاك الماضي الذي قد نسيه , أو يذكّره به هذا الشخص وقبل أن يحدث ذلك أشرق ذاك الماضي في ذاكرته في لحظة وهو ينظر في الشخص , ثم مالبث أن صافحه قائلا : هو أنا ياصديقي , ألست مُكري الذي كان يأتي إلى بيت خاله شهاب الدين في حارتنا منذ ثلاثين سنة ؟! ومن جديد تباوسا ودعاه مُـكري للجلوس في المحل محتفيا به إلى درجة أنه أشار لزبون أن يذهب إلى المحل المجاور لشراء البصل لأنه مشغول 0 رفع سماعة الهاتف وطلب ركوة قهوة , ثم قال : القهوة وحدها لاتكفي 00 ستأتي معي إلى الغذاء 0

قال زهران وهو يشكره معتذرا لأن الأولاد ينتظرونه ولن يتناولوا شيئا قبل أن يكون معهم على مائدة الغذاء 0 عندها قال مكري : ماشاء الله ياصديقي 00 وكم ولد لديك ؟

أجاب زهران : ثلاثة أولاد 0

قال مكري : رغم هذا فإنني لن أتركك قبل أن تعدني بأنك ستقبل دعوتي لك وللمدام على العشاء في أقرب وقت

قال زهران : أعدك ياصديقي بأننا سنلبي هذه الدعوة

قال مكري : لكن لم تقل لي أين أصبحت الآن , ماهو عملك ؟

قال : موظف في مديرية التموين

عندها قال مكري : أنا تزوجت متأخرا 00 لا أولاد لدي لكن زوجتي حامل في الشهر السادس , ودوما أقول لنفسي : ليتني بقيت عازبا 0

قال زهران بدهشة : لِم تقول ذلك ياصديقي 00 ألست سعيدا في زواجك ؟

- سعيد ,, وأطلق ضحكة ساخرة ,, سعيد , وهل يوجد على وجه الأرض رجل سعيد مع امرأة 0

- ضحك زهران محاولا أن يخفف عن صديقه قائلا بشيء من السخرية : اسمح لي أن أدافع عن المرأة ياصديقي وأقول : هل توجد امرأة على وجه الأرض سعيدة مع رجل 0

التفت إليه مُـكري هازا رأسه علامة بالاستغراب : وما تقصد يازهران ؟

قال بسرعة : أقصد , هل الإنسان سعيد ومنسجم كل الانسجام مع نفسه حتى يكون سعيدا ومنسجما مع غيره 0 من قال لك ياصديقي بأن الحياة لاتستمر بين الزوجين إلا إذا كانا سعيدين ومنسجمين 00 حتى اللحظة الأخيرة يبقى الزوجان يتعرفان على طباع وخصال جديدة في بعضهما , أتعرف لماذا ؟

قال زهران وهويصغي إلى صديقه : لماذا ؟

قال : لأنه حتى اللحظة الأخيرة يبقى الإنسان يكتشف في نفسه طباعا وخصالا جديدة لم يكن يعرفها في نفسه من قبل 0

قال مُكري : المشكلة أن زوجتي تتدخل في كل شيء وتفسده علي , تتدخل حتى في حلاقة ذقني , تصور أنها تقول : أنت ذاهب إلى سوق الخضار يامـُكري, أم أنك تحلقه لأكياس البصل 0 وعندما أطلب منها أن تلمع حذائي , تقول : هل أنت مدير دائرة , يارجل أنت ذاهب إلى سوق الخضار المليء بالوحول 0 حتى أنها فرضت علي أن أتوقف عن صبغة شعري , تقول : كنت تصبغ شعرك لتبدو فتيا حتى تتزوج , الآن وقد أكرمك الله بزوجة مثلي , لِمَ تصبغ شعرك , هذا بدل أن تفكر بالبيت وبمستقبل الأولاد الذين سيأتون 0 إذا كان شعرك أبيضا أو أسودا ما الذي سيتغير بك 0 أقسم لك ياصديقي لوأنها رأت وسيلة صغيرة لرفعت الهاتف من المحل , ولاأخفيك بأنني أفكر أن أرفعه لأنه أصبح مصدر إزعاج لي , بين ساعة وأخرى تجري اتصالا لتتأكد بأنني في المحل , وإن كان الهاتف مشغولا لبضع دقائق في تلك الليلة نتشاجر حتى تطلع الشمس 0 ألم أقل لك بأن أكبر خطأ ارتكبته في حياتي هو أنني تزوجت 0

قال زهران : لست أنت الوحيد ياصديقي , كلنا سواء , لقد مضى الوقت وأعدك بأننا عندما نأتي لدعوتك سوف نتحدث في هذا الأمر 0

أدرك مكري بأنه يود الذهاب فنهض وأومأ لبيكاب أجرة كان يقف بالقرب من المحل وطلب من السائق أن يحمل كيسا من البصل ويضعه في صندوق البيكاب 0 وعندما فعل همس للسائق ألا يأخذ من الأستاذ الأجرة وعندما يعود سوف يعطيه 0 والتفت إلى صديقه قائلا : ولله لو لا انتظار الأولاد لك لما تركتك في هذا الوقت قبل أن نتغذى معا 0

ودعاه ليركب السيارة 0 فمد زهران يده إلى جيبه , بيد أن صديقه سارع في دفع يده ومنعها من الخروج من الجيب وهو يقول : يارجل منذ ثلاثين سنة لم نلتق وتريد أن تدفع قيمة كيس بصل , ياعيب الشوم 0

لكن زهران بدا أكثر إصرارا على الدفع قائلا بحسم : والله يا مُكري إن لم تأخذ لن أركب السيارة 0 عندها فقط مد مكري يده وهو يسحب ورقة نقدية من فئة صغيرة لاتساوي إلا أقل من نصف قيمة كيس البصل وأقسم بأنه لن يأخذ غيرها 0 فشكره زهران ومرة أخرى تباوسا على أمل اليوم الموعود 0

بعد عشرة أيام اتصل مكري بصديقه مذكرا إياه بالدعوة فقال زهران بأن أشغاله المتراكمة لم تسمح له خلال الأيام الماضية , ولكن لابد أنه سوف يرى أمسية قريبة سيطرق فيها بابه 0 ومضى أسبوعان فعاد مكري واتصل به هذه المرة في الدائرة مذكرا إياه بالعزيمة وعندها اتفقا على هذا الموعد المناسب 0

كانت الساعة قد تجاوزت السابعة مساء عندما خرج زهران وزوجته سوسنة من البيت واتجها إلى بيت مُكري الذي كان على أهبة الاستعداد مع زوجته لاستقبالهما 0 اتجها إلى سوق المدينة واختارا هدية لهذه المناسبة وكانت عبارة عن مزهرية ولوحة 0 عند السابعة والنصف كانا يطرقان باب مكري الذي استقبلهما بحفاوة مع زوجته سُهدية وقد تباوست الزوجتان وكأنهما على علاقة متينة مع بعضهما البعض 0 تحلقوا جميعا حول مائدة العشاء العامرة بالطعام والشراب وبعد ذلك قالت سهدية بأنها تريد أن تري صديقتها ألبوم الصور , وكانت فرصة ليختلي زهران بصديقه ويكمل له حديثهما السابق في المحل 0 عندئذ قال مكري : كنت أريد أن أقول لك وقد نسيت : هل زوجتك أيضا تتدخل وتفسد عليك حياتك ؟

قال زهران : يا أخي إنهن من نفس الطينة , لكن لي فلسفتي الخاصة التي تجعلني أتجنب معها الانفعال , أو لأقل أتجنب معها تبادل الحديث العميق 0 وأقول لنفسي : لتقل ماتقل يازهران 00 عقلهن صغير 0

قال مكري : ما الذي تقوله يا زهران

قال : كما تسمع يا مكري , إن أردت أن تكون هادئا في بيتك لاتناقشها ودع لها الحبل على الغارب في الحديث , لتقل ماتشاء وسترى بأن كل شيء سينتهي على خير 0 هناك أشياء ياصديقي تستمد اكتمالها من مقدار الاعوجاج الذي بها وتكون ناقصة كلما نقص الاعوجاج 00 اصغ إلي جيدا , أما عندما تأتي وتريد أن تعدل ذاك الاعوجاج فيها ستخرجها عن كمالها وسوف تراها تتحطم بين يديك أو كما يقول المثل بأنه أعماها وقد جاء ليكحلها 0 ألا يأخذ الهلال كماله من مقدار ما به من اعوجاج , إنه يبدو مكتملا وجميلا وهو مقوس أكثر مما لو كان مستقيما , وإذا أردت أن تجعله مستقيما ألا تخرجه عن جماليته وخصوصيته الهلالية 0 ومد يده إلى أذن صديقه مداعبا إياه : تذكر دوما ما أسداه لك صديقك زهران من نصح وسوف ينتهي كل شجار على خير 0

عادت الزوجتان تحملان طبقا من الفاكهة فاجتمعوا مرة أخرى على سفرة الفاكهة فقالت سهدية لزوجها : ليتك تتعلم يامكري من زهران , منذ ساعة وسوسنة تمدح لي بعقله الكبير , تقول لي : إن مايميز زوجي من بين كل رجال العالم هو عقله الكبير , ودوما أقول لنفسي : كم أنت محظوظة ياسوسنة بعقل زوجك الكبير 0 أما أنت يا مكري كأنك تنتظر مني كلمة لتستفزني وتفسد علي يومي 0

قال مكري وقد انتفض واقفا على قدميه : أنا أفسد عليك أيامك أم أنت التي أفسدت علي كل حياتي 0

وقالت سهدية متجهة بكلامها للضيفين : هذا الرجل الذي يقف أمامكما يسبب لي آلاما لم أعد أحتملها , إنه يخطئ ويريد أن أبارك له هذا الخطأ , أحينا يتصرف كما لو أنه طفل صغير فأقول لنفسي : هل تزوجت طفلا أم تزوجت رجلا متزنا 0

فقال مكري وقد تصاعد الانفعال إلى سحنته وصوته معا : أنا طفل ياناقصة العقل

نهضت الزوجة واقفة على قدميها وقالت بانفعال : ماشاء الله 00 إنها عبارة جديدة ناقصة العقل : ومن علمك إياها 00 أنا ناقصة عقل 0

عندها تدخل زهران مهدئا صديقه : يامكري تذكّـر 00

صوبت سهدية نظرة إليه قائلة : وأي شيء يتذكر

استدرك زهران نفسه وقال : يتذكر بأننا في ضيافتكما 0 وعاد ملتفتا إلى صديقه قائلا له : مشكلتك يامكري أنك لاتتذكر 0

وأردفت سهدية : أجل إنه الرجل الحق الذي تهنأ به زوجته , والتفتت إلى سوسنة قائلة لها : هنيئا لك يا أختي بهذا الرجل الذي دوما يتذكر ولاينسى 0

قال مكري : لقد أفسدت علي حتى جلوسي مع ضيفَي

قالت : مادمت مصرا على عنادك , يكفي , أجل يكفي لن نعيش معا بعد الآن , طلقني في هذه اللحظة , أنا لست زوجتك وأنت لست زوجي لتكن كلبا إن لم تطلقني في هذه اللحظة 0

فقال مكري بانفعال : أجل لأكن طفلا إن لم أطلقك في هذه اللحظة يا سهدية , أنت طالق , لست زوجتي ولست زوجك بعد هذه اللحظة 0

عندها خرجت سهدية من البيت متجهة إلى بيت أهلها فنظر زهران إلى صديقه وقال : هذه هي مشكلتك الوحيدة ياصديقي , أنك تنسى أن تتذكر 0 ثم أمسك بيد زوجته وخرجا , فقالت له زوجته وهي تتأبط ذراعه : هنيئا لي بعقلك الكبير يازوجي , إني لأرجو أن يحفظ لك الله عقلك الكبير هذا 0

بعد ثلاثة أسابيع اتصل مكري بصديقه وقال بأنه سيزوره في البيت مساء لأمر غاية في الأهمية , حضر إليه مساء وهو في حال يرثى لها , رفض أن يتناول أي شيء وهو يقول : لم أكن أعلم بأنها ستترك كل هذا الفراغ في البيت , سوف تقتلني الوحدة ياصديقي , أرجوك أن تأتي معي إلى مفتي لعله يرى لي فتوى تعيد زوجتي إلي لأنني لم أكن في تمام قواي العقلية حينذاك 00 أجل لقد كنت ناقص عقل .


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®


خيـوط الدخـان



بغتة أحس السيد / ميم / بصعوبة تنفس , ولما فتح عينيه وسط ظلام دامس أدرك بأن صعوبة التنفس ذاتها هي التي أيقظته من نومه , ولايدري لماذا باغته شعور ظلامي بأنه في قبر 0 نظر إلى النواصة , رآها مطفئة وهذا ما عزز الشعور بالموت لديه , ومن ناحية أخرى فعندما صوب عينيه إلى أسفل الباب المحكم عله يرى نورا , أحس بخيط من الدخان يتسرب من الأسفل إلى المكان المظلم الذي يحتوي جسده الذي بات يرتعش تحت لحاف غدا عليه بثقل جبل 0 تمتم السيد / ميم / بكلمات وكأنها الأخيرة التي يتمتمها لنفسه : هاهو الدخان الأسود يزحف إليك , يتحلق كحبل مشنقة حول رقبتك وأنت لاتستطيع فكاكا منه , تعجز من إبداء أي حركة في مواجهته 0 أمام هذا التوبيخ الداخلي الذي وجهته نفسه إليه أراد أن يبدي حركة ولو صغيرة علها تشجعه للنهوض والتقدم نحو الباب لفتحه , بيد أنه فشل في أي محاولة للتحرك فعادت نفسه تخاطبه بذات النبرة : إنك ميت 00 فقط الميت هو الذي لايقدر على حمل جسده 00 هاهو الذي ظللت طوال عمرك تتهرب منه يقتحمك ويحيلك إلى كائن عديم الحراك , وبعد قليل يحيل جسدك إلى جثة متفسخة وكأنك لم تكن , كأنك لم تعش 0 كم من الأصدقاء لديك , كم من الشوارع التي تمضي فيها , كم من الطقوس اليومية التي تقوم بها , سيغدو كل ذلك إلى صورة من الماضي الذي لايعود , لقد فقدت كل شيء , فقدت حياتك كلها 0 لم تكن تصدق أن الموت حقيقة يواجهها الإنسان , لم يكن أي موت بوسعه أن يقنعك بموت الإنسان موتا كليا واختفاءه من الحياة الحافلة التي يعيشها 0 إنهم يذهبون إلى أماكن أخرى يعيشون الحياة بكل دفقاتها , هذه الحياة التي لا تنطفئ في الإنسان أينما حل 0

اكتظت الحجرة بالدخان ورأى في لحظات أن الاختفاء الحقيقي هو جموده في الفراش مستسلما للدخان وبالكاد خرجت من فيه عبارة متلعثمة : / لكنني لست ميتا / 0 عندما تناهى إليه صوته وأحس بأن الصوت اخترق الظلام والدخان معا تأكد بأنه ليس ميتا , فأطلق قهقهات مجلجلة لامتناهية أحس على إثرها بقوة هائلة تجتاحه , نهض من الفراش يواجه الدخان والظلام ومد يده إلى زر الضوء فامتلأت الغرفة نورا , رأى الظلام والدخان يتعانقان ويخرجان بجبن من تحت الباب 0 واصل قهقهاته المجلجلة التي ملأت نفسه بنشوة الحياة من جديد , ثم ارتدى ثياب الخروج وفتح الباب , رأى الجيران يتحلقون حول بابه يحدجونه بنظرات غريبة , أدرك للتو بأن قهقهاته المجلجلة تلك هي التي أخرجتهم من بيوتهم , ألقى نظرة سريعة إلى ساعته رآها تشير إلى الواحدة ليلا , في تلك اللحظات أحس برغبة جامحة في أن يمضي في الطرقات تحت قناديل الليل , أقفل الباب خلفه ومضى يهبط الدرج غير آبه بالنظرات التي تركها خلفه 0

Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



الأســــتاذ عثمــان

تناهى نداء واثق إلى مسمعه يسبق جسداً يهبط الدرج نحو باب القبو، امتدت يده تطفئ موسيقى أوشك أن يغفو على لحنها الهادئ، ثم تحرك بتكاسل فتلاحق النداء الواثق متداخلاً هذه المرة بطرقات على باب غرفته المغلق: أستاذ زياد.. هل أنت نائم؟

لا يدري كيف خرجت منه حروف متلعثمة رد بها بسخرية على السؤال الساذج: نائم.

عاد الصوت يهتف: افتح الباب رجاءً

للتو علم بأنه صوت الأستاذ عثمان الذي تخرج هذه السنة ويعمل بصفة محامي متمرن في مكتب أحد المحامين القدامى. شخص بسيط ، من المريب حصوله على إجازة الحقوق. هذه الكلمات دوماً يرددها بينه وبين نفسه كلما زاره عثمان في البيت، وهذا يحدث مرتين في الأسبوع بشكل متفرق، أحياناً يأتي وقت الغذاء، وأحياناً أول المساء،ويمكن له أن يهبط في التاسعة صباحاً من يوم العطلة. وهو من نوع الضيوف الذين لا يطيلون كثيراً في الجلوس إلا إذا كانت هناك مناسبة أو حديث أثير في الأخلاق, ورغم مظاهر البساطة الشديدة على مظهره وطريقته في تناول المواضع فهو يفاجئ سامعه بمعلومات هامة يبدو بأنه الوحيد الذي يلم بها.

نجح الأستاذ زياد في ترك الفراش ومد كفاً يفتح الباب لهذا الزائر الذي أصر على إزعاجه في وقت بدا له أكثر هدوءاً في هذه الأيام. دخل عثمان على عجل وهو يرتجف من برد كانون الثاني القارس والكلمات ترتجف بين شفتيه: مساء الخير.. مررت في الشارع مصادفة، فقلت لا بد أن أزورك رغم أنني وجدت الضوء مطفأً.

ولما رأى زياد ضيفه ما زال واقفاً يرتجف من برد منتصف الليل، أشعل المدفأة الكهربائية والكلمات تخرج كأنها نائمة من فيه: تفضل.. سنجلس بعض الوقت، وإذا غالبني النعاس سأنام ونحن نتحدث، لا توجد مشكلة كبيرة.

بعد دقائق معدودة نهض عثمان وراح يملأ إبريق الشاي ماءً ويضعه على المدفأة: لن أزعجك برغبتي الشديدة في تناول كأس من الشاي، دعني أفعل كل شيء بنفسي. ثم ما لبث أن أحضر كأسين صغيرين وعاد يبرك في موضعه قائلاً: منذ مدة وأنا أحاول أن أخفي عنك، لكن ما شاهدته اليوم بات أكبر مما أقدر علي إخفائه, وما دعاني لذلك هو مروري الآن بالقرب من بيتك عسى أن تخفف عني بعض الألم. أجل يا صديقي، أنا أعتبر نفسي مسؤولاً عن كل ما حدث لغازي، كنتُ الشرارة الأولى التي أوقدت النيران وأكلت صديقاً عزيزاً لي. مد كفه إلى الإبريق الذي أخذ البخار يعلو منه وصب كأسين من الشاي وأردف يقول: منذ سنة لاحظت بأنه يمضي نحو تبذير يمكن أن يؤذيه في وضعه المادي، ينفق ما يقع في يده دون أن يدخر شيئاً لطارئ.. هل نمت، ألا تسمعني، اشرب الشاي قبل أن يبرد.

- لا، لا، أسمعك جيداً، من هو غازي، هل أعرفه؟

- لا أظن، إنه رجل غاية في الجود 0

مد زياد كفه إلى كأس الشاي الذي تفاجأ به أمامه وبدأ يرتشف ويقاوم حالة النعاس التي بدت مهيمنة عليه، فقال عثمان : مرة بقيت معه في المطعم إلى أن أغلق وصرف عماله فمشينا وهو يقود البسكليت بيديه إلى البيت على الأقدام. قلت له: يا غازي، ألا تفكر بالمستقبل، ما تزال عازباً تحتاج إلى بيت وآثاث وزوجة، بيت أهلك لا يدوم لك، وأختك لن تخدمك إلى الأبد.

قال: يا أستاذ عثمان ، كن على يقين إن لم أصرف ما في الجيب، لن يأتني ما في الغيب، أنت متعلم وفهمان وأنا أمّي لم أدخل مدرسة، لكن هذه هي فلسفتي في الحياة، عدم انتظار كارثة، بل عدم انتظار يوم آخر شيء جميل، هكذا أعيش بدون عقد، وأعيش متحرراً من خوف.

قلت: لكن لن تضمن حلول كارثة لاسمح الله ، ومجيء يوم جديد،.. هل نمت مرة أخرى، زياد…زياد.. انهض أرجوك، اسمعني، زياد هل تسمعني، افتح عينيك أنا بحاجة لأن تسمعني.

استفاق زياد وتفاجأ بأنه ليس في فرشته، فنظر إلى الأستاذ عثمان، ثم عاد وأغلق عينيه قائلاً: ومن قال بأنني لا أسمعك، أكمل يا صديقي، إنني أسمعك جيداً وأنا مغمض العينين، صدقني فإن كلماتك كلها وصلتني، هل تريد أن أعيدها لك. فقال الأستاذ عثمان : لا، لا، أنا واثق بأنك تسمعني، أجل، لكنه قال: قلق اللاإ نتظار أهون على المرء من قلق الانتظار.

أقسمت بيني وبين نفسي ألا أتركه حتى أجعله يغير نظرته هذه فذهبت معه إلى البيت، سهرنا حتى طلوع الضوء وأنا لا أكف عن الإصرار إلى أن وجدته يلين بعض الشيء ويتفق معي. لكن بعد شهر من هذا الحديث الطويل رأيته ينقلب على عكس ما كان عليه، فعندما أزوره لا يتحدث إلا عن كيفية جمع المال، ولا يقدم لي حتى كأساً من الشاي، أما الأصدقاء الذين كانوا دائم الحضور في ضيافته،فلم أعد أرى قدم واحد منهم في المطعم، غدت علامات شح لا يطاق تظهر في سلوكه. مرة صادفته في باص النقل الداخلي ورغم أنه كان يجلس في مقعد أمام مقعدي، انتظر إلى أن مددت يدي ودفعت الأجرة، وبدأت المشاكل المنزلية تحاصره لأنه يأكل ويعيش في البيت دون أن يقدم شيئاً. مرة أردت أن أنصحه ليعود إلى ما كان عليه من بسط يده ، فأخرج حزمة نقود من جيبه بيدين راجفتين وصار يقبلها بحرارة ويقول: هذه هي الحياة كلها.

احتقرته في تلك اللحظة وتركته مع حياته.. رغم ذلك لم أستطع التخلص من شعوري بالذنب تجاهه.. أجل أنا الذي دفعته إلى ذلك، كل مرة أتردد إليه في العمل وأحاول إصلاح خطيئتي فأفشل. خسر جميع رفاقه وأهله وأخوته وأقربائه وخسر صحته ونفسه، أنا المسؤول عن مرضه ويجب أن أشفيه: أرجوك يا غازي: الغني يموت والفقير يموت وأنت ستموت.

- لأمت غنياً أفضل من موتي فقيراً.

- وما الفائدة؟

- الفائدة لا أحد يعرفها بقدري.

- لكنك تنتحر هكذا.. لقد خسرت كل شيء!!

- بل ربحت كل شيء.. غداً سترى ما أفعله..جميعكم ستكونون بحاجتي.

- أنت مجنون.. هل تتصور بأنك ستتحول إلى وحش.

لم يخطر ببالي أنه سيطالبني بمبلغ كان قد دفعه بإلحاح نيابة عني في إحدى المقاهي منذ ثلاث سنوات.. لقد ذكرني به وطالبني وسمعت بأنه فعل ذلك مع الكثير من أقربائه وأصدقائه، لا أحد يستطيع أن يأخذ قرشاً واحدا ً منه.. يمشي تحت المطر ساعتين كي لا يصعد الباص.. لا يأكل إلا مرة واحدة في اليوم.. تصور ينام جائعاً. لم يسبق لي أن بكيت، ولكن اليوم فقط بكيت عندما رأيته…

أجل اليوم غلبتني الدموع وأنا أرى غازي في قلب المدينة، كان قد أعطى كل أمواله إلى رجل لقاء فائدة شهرية، ومنذ أيام سمع بأن هذا الرجل احتال عليه وهاجر إلى الخارج. لم يكن بوسعه أن يتقبل الأمر وينسجم معه ويفوض أمره لله. كان يهرول وسط المدينة بثياب ممزقة يحمل بيديه خرقة بالية أشعل فيها ناراً وينادي : نقود.. نقود. وقد تجمع إليه سوقيون ويلاحقه صبيان بالحصى.




Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®







الزواج الثانــــــي

قلتها يا غانم، قلتها بكل قسوة، تلك الكلمة التي تبقى ترعب أي امرأة منذ اليوم الأول لزواجها، أطلقت النار على حواسي ومستقبلي، وأشعلت النيران في شهد الماضي رغم سنوات الإخلاص والاستقرار التي أدفأتنا بثلاثة أولاد ، تأتي لتترك هذه الزهور الطالعة للتو يتامى من أجل نزوة عابرة، كم أنت تنسى أيها الرجل، حتى فلذات كبدك ستشقيهم لترضي رغبتك ، وأنا التي ظننت أننا انقسمنا إلى ثلاثة أطفال كل واحد منهم يحمل جزءا منك وجزءا مني، وهذا البيت الذي بنيناه لبنة لبنة بسهر الليالي ليكون عشاً آمناً لهذه الأسرة الصغيرة التي نسجناها ستحيله إلى بيت واهن كبيت العنكبوت، سيصبح هشيماً تذروه الرياح، هكذا في منتصف الطريق تتركني وتقول: وداعاً، من أجل زواج من امرأة ثانية ، وكأننا لم نرسم طريق التوحد معاً، أحياناً كنت أخشى الموت لأنه يشتت دفء هذا العش الآمن ويبعدني عن حميمية أطفالي وعن رائحتك، لكنك تخليت في منتصف الطريق واخترت درباً غير الذي رسمناه لمستقبلنا، يا لي من حمقاء، لا لم أكن حمقاء، بل كنت مخلصة وصادقة إلى أبعد ما كنت تتصور.

- هل تظنين بأنك أكثر عدلاً من الشرع الذي منحني هذا الحق ، ألم تكن هذه الشرائح مدركة وهي تحل امرأة ثانية لزوج على رأس امرأته وولده، أنت ستهربين من عشك ومن فلذات كبدك ومن رائحة الرجل الذي أحببته، لا أستطيع أن أخادعك، أجل بي رغبة بهذه المرأة التي تسمينها / ضرة مرة/ بالنسبة لي هي ضرة حلوة، فلماذا تؤثرين أنانيتك على رغبتي، إن هذا العش يتسع لتلك المرأة التي ملتُ إليها على سنة ربي ورسوله وأظنه سيكون أكثر طيبا بها، وإن كنت تسمينها ضرة، فأنا أجلب لك صديقة، إنك تضطهدينني باسم الإخلاص، وأنا لست خائناً كما توصمينني، بل تنظرين إلى حرماني من حق وهبه لي الله عز وجل وأنا رجل ميسور بحمد الله ، ولو كان الأمر معاكساً لما كان بوسعي أن أحرمك حقاً أباحته لك الشرائع .

- لكنك رغم ما تقول فقد أهنتني في كبريائي، ولتعلم أن عزة نفسي لتمنعني من العيش في عش مناصفة مع امرأة دخيلة علي وعلى أولادي وزوجي وإنني أفضل أن أنسحب بهدوء إلى بيتي الأول الذي لا بيت لي غيره, سأعود إليه مهزومةكجندية هاربة من أسر .

كان هذا الحديث الأخير الذي دار بين السيد غانم وبين زوجته السيدة تركية منذ عشر سنوات، فلبثت هذه الزوجة وحيدة ترفض الزواج ثانية وهي تقيم في بيت أبويها بعد موتهما، فيزورها أولادها الثلاثة كل حين ويحملون لها الهدايا. منذ شهر وهي تستعيد وقائع هذا الحديث الأخير وتشرد فيه فقد قالت لها ابنتها الكبرى أن أباها قد ألمح لها بأنه يريد أن يسترجعها إلى عصمته، وعندما أبدت زوجة أبيها امتعاضاً ألمح لها بأنه مستعد للتخلي عنها كما تخلى أول مرة عن حليلته الأولى، فبدت تظهر قبولاً للفكرة وقالت للابنة: سنستقبل أمك يا بنتي بترحاب وأنا حزينة على ما حدث، ولعلها فرصتي كي أصلح ما كنت سبباً به.

في الزيارة الأخيرة قالت لابنتها الكبرى : قولي لأبيك إن كان راغباً، فإنني راغبة مثله للعودة إلى عصمته. وللتو أدركت أن الانسان ليس بوسعه أن يقف أما مايشرع الله ، وأن الله هو رؤوف بعباده في جميع الأحوال ، ومادام أن الله قد شــرّع أمرا لعباده فليس أمام الإنسان أن يقف في وجه هذا الشرع .

وعندما غابت ابنتها أحست أن شمساً كانت غائمة منذ عشر سنوات غدت على وشك الشروق لأول مرة بعد عقد من ظلام، وتمتمت في سرها وهي تنظر إلى علامات خيوط الشروق الأولى: لقد نضجتِ الآن يا تركية، يبدو أنك كنت في طيش الصبا، وما الذي يحدث إذا رغب في امرأة أخرى، إنه شرع ربك تبارك وتعالى وهو أعلم بمصالح عباده , ها قد دفعت عشر سنوات من الظلام نتيجة تعصبك، لقد نسيت فيها بأنك امرأة تحتاج إلى رجل يحميها .

نظرت إلى ذاتها وعادت تتمتم: لكن هل سأكون قادرة على حمل طفل مرة أخرى؟ وأجابت: لم لا، أجل سيكون ذلك رائعاً كمطر ينزل بعد عشر سنوات جفاف. ثم فتحت النافذة وشرعت توزع نظراتها لتقع على الضوء القادم من بعيد.


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سموحة

avatar

المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

مُساهمةموضوع: اكبر مجموعة قصصية   السبت ديسمبر 10, 2011 9:16 am

العاصفــة والنمـر

على جناح بغتة تعكر صفاء الطبيعة ولاحت بدايات عاصفة محتقنة في الأفق , كل الكائنات المنتشرة في حضن الطبيعة فترة ماقبل الظهيرةهذه أصابها الجفل من التحول المباغت في السكون الخريفي , وغدا كل كائن صغير وكبير مثل السهم وصولاَ إلى وكره , أو باحثا عن أي ملجأ يقيه عواقب هذه العاصفة التي بدت كهزة في قلب الخريف الآمن 0 في هذه الأثناء كان ثمة نمر يلتهم فريسة وقع عليها للتو , فانتبه إلى الضجيج الذي غدا شبيهاَ بحرب فتاكة من حوله , رفع رأسه بحركة سريعة وأدرك بأنه بات قاب قوسين أو أدنى من دائرة الخطر , كانت العاصفة إذ ذاك قد غدت على مقربة منه ومقدمتها تعصف بكل شيء في دربها , فلم يجد النمر الممتلئ بالرعب سوى أن يركض أمام العاصفة علها لاتلحقه أو عله يجد صدفة ملجأ يحميه من هذا الغضب العاصف 00

يركض النمر 00 مايزال يركض النمر بقوة ركض لم يكن يتخيلهافي طاقته والعاصفة القاتمة تلاحقه بسرعة الصاعقة 00 لم يعد يعرف إن كان هو الذي يقترب منها , أوهي التي تقترب لتشرب روحه وتفتت جسده كأنه لم يكن 0 تمتلىء روحه بالذعر الذي يفجّر من طرفه طاقة أقوى للركض , كل ذرة فيه ترتعد رعباَ من النهاية المأسوية الشرسة , إنها العاصفة التي تحصد الغابات والبيوت وحتى الجبال الصغيرة , بينما تخلع كل شيء من الجبال الشاهقة فتحيلها إلى جبال ملساء , يتخيل النمر كل هذه المناظر وهو يرى الآثار تتطاير وتتناثر أمامه في مقدمة العاصفة 0 كل هذه المناظر تمضي أمام عينيه وهو طائر كسهم طائش لايدري أين سيقع 00 يركض من مصير مجهول يلاحقه ثانية بثانية وهو يشعر بأنه يهرب نحو الخروج من الحياة برمتها , الخروج من الغابات والأشجار ولحظات الظفر بطعام شهي , وبغتة أحس بدنو العاصفة فلم يعرف ما الذي سيفعله , كل ما هو مصر عليه هو عدم الاستسلام كما تستسلم تلك الفرائس الواهنة لفكيه , لم يعجبه أن يتخيل نفسه في وضع كهذا يقع فريسة مستسلمة لفكي العاصفة الشرسة, وبغتة اصطدم جسده بصخرة ضخمة بدت صامدة في وجه العاصفة وفي رفة جفن رأى نفسه وسط العاصفة وقد تشبث بيديه وقدميه بالصخرة والعاصفة تمر عليه برعب لم يكن يتخيل نفسه فيه تاركة أزيزاَ نارياَ في أذنيه , ولكنه أحس بأمر غريب عندما أدرك بأنه تمكن جيدا من الصخرة وقد حفر مواضعاَ ليديه وقدميه في جسد الصخرة الصامدة , وهذا زاده إصرارا على المواجهة وعدم ترك جسده يذهب هباءَ , فقد استطاع أن يحفر في الصخر وهذه حقيقة يلمسها , ولكنه بذات الوقت بدأ يحس بأن العاصفة تقتلع بعضا من وبره, فلم يأبه لذلك قائلا لنفسه بأن الوبر سيعود وينمو مرة أخرى عندما يأتي فصل الربيع , وبعد لحظات رعب أخرى أحس بشيء من جلده يذهب هباء من قوة العاصفة , فامتلأ رعبا وهو يشعر بأن الجلد ينسلخ عن جسد ه ويشعر بحرقة لم يذقها طوال حياته , ولكنه يشعر بالأمل مادام لم يستسلم ومادامت لديه قدرة على المواجهة والصمود وعدم الاستسلام لهذه العاصفة الشرسة 0 أحس بأن الجلد انسلخ تماما وأنه لبث جسدا بلا جلد يواجه عنف العاصفة وحجم الألم في لحظة واحدة 0 مرت لحظات مزلزلة أخرى على روحة التي ضاقت به وضاق بها وهو يواجه ما لم يكن يتخيله من لحظات يبلغ فيها العنف ذروته و تبلغ حدة الألم قمتها , وهنيهة هنيهة أخذت نيران العاصفة تخمد عليه , عبّ النمر نفسا طويلا وبدأ يسدل يديه وقدميه شيئا فشيئا عن الصخرة وهو يرى بصيص ضوء يلوح من بعيد وكأنه ضوء قادم بعد دهر من ظلام 0 ترك يديه وقدميه من الصخرة ليجلس على ذيله ويعب أنفاسا طويلة , وعندها قال لنفسه : كم أنت قوي أيها النمر , وكم أنك متشبث بالحياة0 ولكنه أوبخ نفسه على لحظات الرعب التي عاشها قائلا : لو كنت أعرف حجم هذه القوة في جسدي لما انهزمت من العاصفة 0 واكتشف عندذاك بأن ماتركه الرعب من أثر عليه كان أسوأ مماتركته العاصفة وأنه لو واجه العاصفة بالقوة التي اكتشفها للتو لعجزت عن سلخ الجلد , ولعجزت عن تسبيب كل ذاك الرعب في نفسه , ثم ألقى نظرة إلى جسده المسلوخ وأردف : في الربيع القادم سوف ينمو جسدي بجلد جديد 0 ومضى في حضن الطبيعة التي بدت أمامه وليدة للتو 0 تساقط رذاذخفيف من السماء وسطعت الشمس مرة أخرى على الأرض خرجت على إثرها الحيوانات من مخابئها , أحس النمر بجوع ورغبة في التقاط فريسة , لكنه تذكر قوته الهائلة التي يتمتع بها وقال: وأنا بكل هذه القوة الهائلة , كم كنت جبانا في افتراس تلك الحيوانات الضعيفة الواهنة , إنني خجول من كل هذه القوة التي اكتشفتها في طاقتي 0أدرك بأنه عندما كان يطارد فريسة كان بذات الوقت يجرب قوته ليكتشفها ,وكان هذا دافعه الجبن الكامن في أعماقه , ولذلك لم يكن بوسعه أن يكتشف كل طاقة القوة التي يتمتع بها رغم كل تلك الفرائس التي كان يقع بها أحيانا حتى وهو مشبع : أجل لقد كنتَ جبانا أيها النمر 00 كنت جبانا وأنت تجرب جبنك على الحيوانات الآمنة الضعيفة , وتذكر الألم الذي عاشه في لحظات سلخ الجلد عن جسده وهمهم لنفسه : لن يكون الجوع أشرس من تلك العاصفة 0 ومن يومها وهو يقاوم رغبة الافتراس كلما لاحت له فريسة ليصبح يوماَ بعد يوم نباتياَ ويزداد قوة على قوة 0



Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®


الجــذور

كانت الساعة قد شارفت على الواحدة ليلا عندما استلقيت في فراشي , وقبل أن أغفو انتفض جسدي كله إثر وقوع دقات خافتة على بابي الخشبي في الغرفة المطلة على الشارع، تملكني شعور غريب بالوجل من خطر مباغت على وشك الوقوع، أدركت المعنى الحقيقي أن يعجز الإنسان من رد فعل يدفع عن حياته خطراً يراه، أن يستسلم بصمت مرغماً. قفزتْ نبرات مضطربة من صوتي: مَنْ.. مَنْ؟!

توقف الدق. غدا السمع في ذروة استعداد لتلقي نبرة صوت من الكائن الذي فجر حالة الفزع في أعماقي. وبدت كل ذرة في كياني تلح على حاسة السمع لتأتي بنبأ مطمئن إلى ثورة الهيجان التي ألهبت البدن والروح. لثبتْ حالة الانتظار قائمة ونظري مسمر في ممسك الباب مترقباً وقوع شر عظيم. بعد دهر من الانتظار عاد الدق الخافت وكأنه يصدر من أنامل طفل، رميت نبرات تسعى إلى ثقة الرجولة: مَنْ أنت؟!

امتزج الدق الخافت بصوت كسير استقبله السمع بالكاد: أنا..أنا..

دفعني السمع إلى قبضة الباب لتمييزنبرات المجيب وخرجت مني نبرات سائلة: من أنت؟

عاد الصوت الكسير مردداً: أنا.. أنا. ثم عقب بعد هنيهات: أنا رمزي 00 رمزي 0

بدا هذا الصوت كخزان ماء بارد رُش على جسدي: أ أنت رمزي حقاً.

- رمزي 00رمزي 0

أجل إنه رمزي الذي تعرفت به منذ سنتين في إحدى الحدائق العامة، كنت جالساً أتناول قطعة مثلجات، فسلم علي شخص وجلس يتحدث في الأدب العالمي، ويعدد الروايات الني قرأها.

قلت: حقاً أنا سعيد بمعرفتك.

لم يمكث طويلاً فنهض يردد عبارات اعتذاريه لطيفة على قدومه إلي بدون معرفة سابقة، فكررت امتناني على بادرته وقد نهضت أمد إليه كف الوداع على أمل لقاء قريب. عندها هز رأسه وقال: سأزورك في البيت قريباً إن لم يزعجك هذا.

هززت كفه بكفي: هل تعرف البيت؟

ابتعد ملوحاً بكف الوداع مرة أخرى وهو يردد: أعرفه جيداً يا صديقي. أظنها عشرة أيام مضت على ذلك اللقاء الخاطف حتى رأيته يطرق بابي بخجل ويتمتم: ها أنذا وفيت بوعدي وزرتك في البيت، أرجو أن يكون الوقت مناسباً بالنسبة لك. أذكر أن الوقت كان بعد عودتي من العمل بدقائق معدودة، وكأنه كان ينتظر دخولي البيت ليلحق بي. ولم يكن الوقت مناسباً لأنه موعد تناول الغذاء والاستمتاع بقليل من شاي مع نشرة أنباء بعد الظهيرة الرئيسية، ثم الغفوة على صوت المذيع وهو ينتقل إلى النشرة الاقتصادية التي لا تعنيني. جلست إلى مائدة الغذاء وأنا أدعوه لإشراكي في الوجبة الشهية الجاهزة التي أحضرتها للتو من المطعم. قال: تغذيت وجئت، وتقدم لا ليشاركني الطعام، بل ليشاركني الجلوس على مائدة واحدة وبين لحظة وأخرى يمد يده إلى قطعة صغيرة من صدر الدجاج ويتناولها كمن يتسلى بحبات بزر قبل النوم. من يومها بدأت زياراته تتواصل إلي في أوقات وأماكن مختلفة، فأحياناً يأتي إلى البيت في صبيحة يوم عطلة رسمية، وأحياناً يأتي مساءً، وأراه مرات يأتي لمقر عملي يجلس ساعة، يشرب الشاي ويتحدث عن رواية جديدة قرأها، عن نبأ يكون حديث الساعة، ويصدف أن نلتقي في شارع ما، أو بجانب واجهة مكتب يتأمل عناوين صحف ومجلات، فنمشي في بعض الشوارع إلى أن أقضي حوائجي، فيحمل معي ما أشتري من أغراض للبيت ويمكث إلى وقت متأخر من الليل.

كل حديث رمزي يدور حول الأدب وواقع المجتمعات الغربية حتى بدا لي أنه لا يجيد الحديث بجملة مفيدة عن غير ذلك. وأتعمد في لحظات الملل من هكذا توجه دائم لمسار الحديث إلى تغييره إلى مسار حياته الشخصية ، فيتهرب بطريقة غاية في الذكاء تجعلني أكف عن إلحاحي غير المباشر. وأظنه يعد ذلك مضيعة للوقت والصوت في أمور خاصة، بينما هو يسعى لنقاش المواضيع الكبرى التي تعني المجتمع برمته. مددت يدي إلى المفتاح وصوتي يسبق فتح الباب: رمزي 00 رمزي 00 أما زلت واقفاً هناك، تعرف بأني أعيش وحيداً ولا أفتح لأحد بعد الواحدة ليلاً، قل شيئاً لأتأكد بأنك رمزي.. هل يصلك صوتي.. أ أنت الذي هناك.. أهو أنت الذي يقف وراء الباب؟ 0

تناهى صوته خافتاً، ولكن كهدير وقع على مسمعي: افتح يا صديقي.. لن يكون هذا غيري.. أتسمع، هذا صديقك رمزي، إن لم تكن مهيئاً لاستقبالي في هكذا وقت مزعج سأعود.

أدرت المفتاح في القفل، وسحبت قبضة الباب بحمد الله إلى الخلف، ليفتح فم الغرفة ويبتلع رمزي كما ابتلعني وينغلق بأقصى سرعة.

- آسف يا رمزي، كنت قلقاً لأنك لم تزرني في مثل هكذا وقت متأخر من قبل، وظننت أن أحداً يقلد صوتك. قعد بكبرياء مهزوم والإنهاك مع سمات الهزيمة يصرخان في وجهه، يا له من مشهد مؤلم، هذا الكائن البشري دوماً كئيب، يستاء من المجتمع كله، لا أعرف ماذا يريد بالضبط، وهو ذاته لا يحدد هدفاً معيناً لنفسه. رفض الثروة الطائلة التي أصابته من ميراث والده ولم يستثمرها، رفض المجتمع عندما شرع له ذراعيه ، رفض العمل في المجال الأدبي وثقافته الأدبية تؤهله ليكون مشروع ناقد هام.

أمام الحيرة التي تنتابني في شخصية هذا العزيز، أتساءل وأنا أنظر إلى استغراقه في عمق السكون: هل رمزي ينظر إلى شيء، ولا يريد أن يفضي لأحد عما ينويه؟!

إنه كائن شفيق محبوب من قبلي، أحياناً وهو يتحدث بعمق في موضوع جاد، ويستغرق في انفعال حاد يشوبه بعض انضباط، أستمتع لحديثه الذي يرفع آلاماً عن كاهلي ويستبد لها بنشوة غامرة، يا له من كائن جبار-رغم عذوبته ورقته- قادر على التأثير في مستمعه فأثب وأطبع على خدّه قبلة: أشكرك، يقاطع حديثه، ثم يستأنف سياق الموضوع حتى يشبعه أمثلة، ولا أظن أن أي أستاذ جامعي يمتلك ما يمتلكه رسول من قوة وحجة وقدرة هائلة على التأ ثير والإقناع. لا أخفي أن هذا الرجل معلم كبير، يعلمني خصالاً ومزايا طيبة، وهذا ما يدفعني لإظهار كل مشاعر الاحتفاء به والإفادة من استنارة روحه، رغم أن هذه الصداقة العميقة معه تعرضني للنقد من بعض أصدقائي الذين لا يجدون فيه إلا رجلاً متطفلاً على أموال وأوقات الآخرين، فيزعجهم في بيوتهم وفي أعمالهم بحضوره والعزف على اسطوانة اضطهاده ذاتها والتي مللوها، فمن الأفضل لهذا المتطفل أن يجد لنفسه عملاً ينتج من خلاله نتاجاً مادياُ،يكون بمثابة هدية منه للمجتمع الذي يطعمه ويكسيه ويكتب له ويدفئه ويكيفه ويطببه ويقدم له المواصلات، هذا المجتمع الذي أنجبه وأرضعه وغسله يوماً يوماً،وشهراً شهراً، محا أميته. وبالتالي يأتي هذا المتطاول فيتطاول على أرباب نعمته فيقذعهم ويوصمهم بالعار والجهل والتخلف.

ولكن نقاشه الجاد عن/عدالة قضيته/ كما يسميها ولا يبينها، يجعلني أدع ما أسمعه من هؤلاء عن سلبيته مهب الريح، فأراه مثالاً للنقاء الروحي في نفسه تنمو بذرة نظرية كبرى لسوف تأتي أكلها يوماً ما، فأرجو في قرارة نفسي أن يتبنى أحد الأثرياء رعاية هذا الرجل حتى ينتهي إلى ما ينظر إليه، فإن عزة نفسه لا تمكنه من السؤال حتى لو قضى جوعاً، وكم من مرة يمضي مسافات طويلة تحت الشمس ولا يصعد سيارة نقل عامة لأنه لا يمتلك أجرة التنقل من حي إلى حي، ويأبى السؤال وإظهار خواء جيبه، وكم مرة يُدعى إلى وليمة، لكنه يبدي شبعه وهو في واقع الأمر أكثر الناس حاجة لتناول قطعة من لحم في وليمة، وليس هو، لكني ألمس هذا الواقع عندما أكون برفقته.

رمزي وحيداً وكجندي بلا بندقية يواصل كفاحه وسط أناس من غير زمانه لا ينتمي إليهم، يمضي غير آبه بغمز ولمز ونظرات شفقة ترمقه من كل صوب، فهو أيضاً يبادلهم نظرات أكثر شفقة بهم وهو يرمق ديكوراتهم وسذاجة نفوسهم.

هكذا استطاع أن يصفي حساباته مع الجميع ويسخر من كل أفراد المجتمع , لاتعجبه نشرات الأخبار, مناظر القادمين من القرى , المراكز الثقافية , التلفاز 0 ولا عجب أنه حتى الآن لم ير من تقبله زوجا 0 يعيش في غرفة ضمن بيت أسرته ,لايسمح لأحد أن يدخل غرفته لامن طرف الأسرة ولا من الأصدقاء ¸ولم يسبق لي أن سمعت شخصا قال : زرت رمزي في بيته 0 وعندما أتحدث معه في هذا الأمر يقول : أهلي الذين لايحترمونني , لايحترمون أصدقائي أيضا , لاأستطيع أن أقدم شيئا لزائري 0 وإذا سُئل أي شخص من أسرته أو من الحارة عن أحواله يقول دون تردد : رسول امتلأ بالعقد وغسلنا يدنا منه, و وفي أحسن الأحوال يقول : رسول جن من كثر قراءاته , لم يعد يستوعب ماقرأ, ففقد صوابه , كان الله بعونه 0 أما هو فيقول عنهم : هؤلاء مجانين يعيشون في عصفورية , أرفض الانتماء لهكذا واقع, لكنني مجبر , أعلم بأن هناك خطأ حدث في هذا المكان الذي أعيش فيه غربة كاملة ولا يربطني أهله بأي انتماء 0 ثم يتحدث عن الوقائع التي قرأها في الأدب العالمي والكتب الغربية بشكل خاص .

جلس رمزي بكآبة العالم في إحدى زوايا الغرفة متمتما : سأجلس هنا ساعة وأنصرف 0 يبدو هزيلا أكثر من أي وقت مضى , يتحول إلى هيكل عظمي , يتحدث ويرتجف بقوة , شعره مهوش وعيناه تبرقان في جزع 0 قلت : من أين أتيت ؟ وحدقت في وجهه الذي علاه اصفرار حاد 0

- من الشوارع 00 أشعر بتعب قاتل 0 وبدأ رأسه يهتز بعصبية 0

- ارتح يا أخي 00 لا أحد هنا 00 الغرفة واسعة0 وفي هذه اللحظة العصيبة وأنا أحدق فيه بكل ما لدي من قوة نظر خطرت لي فكرة أن رمزي ملغوم بأفكار هامة , لكنه لايقولها لأسباب خفية عني 0

- أشعر باختناق 00 قالها وهو يمد أصابعه إلى عروق حلقه : لاشيء يجدي 00 0 ليست ثمة أكثر من غمضة عين بينه وبين الموت , يبدو لي بأنه يموت الآن 0 تذكرت أن حضرة المحافظ عندما سمع بوضعه تدخل لتوظيفه في إحدى الشركات , وبالفعل داوم في الشركة , ولكن ليس أكثر من ستة أيام , وترك الوظيفة قائلا : يريدون إرضائي ببصلة حتى أتناولها وأموت , أنا أسمى من أن أنتظر أو ل الشهر لأتناول هذه البصلة 0 وقيل أن المحافظ علق على حادثة تركه للوظيفة قائلا : يريد أن يأكل ويشرب وينام ويلبس ويركب سيارة ويسكن فيلا دون أن يبذل جهدا , وأن نعينه على تحقيق هذا التطفل , بل ونوفر له خدما وهو عاطل عن العمل 0 لقد فقد صوابه منذ أن ترك جامعته في سنة التخرج 0

لم يسبق لي أن رأيته على هذا الاضطراب , فكل ما فيه ساخن ومستنفر 0

قلت : رمزي القضية ليست قضيتك لوحدك حدد لنفسك هدفاً وسر به.. ومرة أخرى تذكرت قول صديق له ولي: رمزي رجل فاشل. إذا كانت لديه أفكار لماذا لا ينشرها.. هو ليس الوحيد الذي أفكاره بحاجة إلى بذل جهود فردية لتصل. وقال مرة ملمحاً إلى هذه الناحية بحضوره في بيتي: الشجاع هو الذي يبدع في عالم فارغ ويتصدى بأفكاره الرصاص.. ويفرض خلود أفكاره.. العظماء غزوا العالم بالأفكار.. لم يتمكن أحد من غزو العالم بالسلاح.. الآن العالم مغزو بالأفكار . عندئذ أحس رمزي بتوجيه الكلام إليه فقال:كيف تقول كلمتك وأنت متأكد بأنها لاتجدي ؟ قال الصديق بهدوء وبرودة أعصاب: تبقى الكلمة تجدي إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض وما عليها 0

فقال رمزي بألم: آ.. يا ليتني أنجح في هذه المهمة رغم عدم قناعتي بها. ها هورمزي مرة أخرى يفتح هذا الجرح، ولا أعتقد أن أحداً في العالم يستقبله بحفاوتي، وأعترف بأنه رجل نظيف ونزيه، وصادق.. يدرك عمق الحياة.. إنه أستاذ كبير وكم أرجوه أن يكتب.. فكل إشكالا ته ستحل إذا كتب ونشر , ومهما كانت كتاباته فسيجد من ينشرها له , إنه يقرأ فقط , يقرأ قراءة سلبية , أعني ما أعنيه بأنه قارئ سلبي , مثلما هو مواطن سلبي , مثلما هو فرد سلبي , مثلما هو مثقف سلبي بين شريحة المثقفين الذين لايصوبون إليه غير نظرات شفقة فما ينقصه هو أن يوسع إيمانه بالله عز وجل ويسلم أمره لربه ويقوم بأي عمل يقدر عليه , إن رمزي بحاجة إلى أن يتفرغ بعض سنواته لقراءة القرآن الكريم ويدرك معاني الدين الذي يحقق التوازن للنفس , فقد قرأ كثيرا , لكنه لم يفكر أن يقرأ التراث الإسلامي 0 شعره الأبيض يتوقف , يصعد الصفار إلى وجهه النوراني المضيء , هذا الوجه الذي هو علامة على نقائه الروحي 0 يكفيه تسكعه في الشوارع وإدانته للواقع بكل أشكاله وألوانه والنظر إلى الآخرين بعين الازدراء والشفقة 0 فجأة نهض من زاويته : ســذّ ج 00 ســذّج 00 ياللعار 0

قالها ودنا من الباب , أمسكت به : ابق هنا 00 أين ستذهب 00 ارتح أنت منهار 00 اجلس 0

قال ببؤس : لقد مللت 00 ياللهول 00صدقني لقد حدث ذلك كثيرا إلى درجة أنه بات مبعث قرف لكثرة تكراره اللامجدي , أنا أبحث عن شيء آخر 00 شيء غير موجود في هذا العالم الفارغ 0 ثم صوب إلي نظرة كبرياء وكأنه يصوبها لطفل رضيع : لقد شاهدت كل شيء ولكنني لم أجد ما أبحث عنه هنا , منذ خمسين سنة وأنا في التفاصيل التي لم تزدني إلا قناعة بضرورة الخروج من هذا السجن الذي بات أصغر من أن أستطيع التحمل البقاء بين جدرانه الخانقة 0 عندما كنت في عمرك , كنت أقنع نفسي بأن هناك أشياء جديدة سأكتشفها ولذلك علي احتمال حتى الإهانة في سبيل ذاك الاكتشاف , يبدو لي بأنني عشت حياة البشرية الفانية كلها , لقد جئت لألخص كل ذاك الفراغ وأعيشه وأكتشفه 00 لن أخسر شيئا إذا أشرقت الشمس غدا ولم أرها , كم من صباحات مضت ولم أرها , لن أتسكع مرة أخرى في شوارع هذه المدينة ولن أرى نظرات الشفقة التي تتصوب إلي وكأنني متسول أتسول الحياة 0 لسوف أسير نحو جنازتي مسرورا 00 لن أترك رسالة 00 لن أترك وصية 0لاتخرج خلفي , لاتودعني , أرغب ألا يودعني أحد 0 وخرج بكآبة ويأس العالم 00 أغلقت الباب واستلقيت على سريري 00 صحوت في السابعة صباحا وتذكرت ما حدث معي ليلة البارحة ظننتني كنت في حلم , هل كان رمزي هنا ؟ لاشيء يشير إلى وجوده ليلة البارحة 0 ارتديت ثيابي وخرجت إلى عملي في السابعة والنصف 0 في منتصف الطريق لفت نظري تجمع لموظفي وموظفات الدوائر الحكومية، وبعض الناس الذين يذهبون إلى أعمالهم حول ساحة الإعدام في المدينة، الساحة التي تشنق الحكومة فيها من تراه يستحق.. وقد سبق لي أن شاهدت أناساً معلقين من رقابهم وقد مالت رؤوسهم في هذه الساحة.. دنوت من الحشد.. بدا الرعب يتطاير من وجوه الناس: مَنْ المشنوق؟ 0

سألت في سري.. وفجأة وقعت نظراتي علىرمزي 00 أجل.. رمزي.. وكأنه لم يكن معي قبل ساعات.. كان معلقاً من رقبته في ذات المكان الذي عُلّق فيه الذين صدرت بحقهم هذه الأحكام وكنت أراهم صباحاً لدى ذهابي إلى العمل.. لم يكن بثياب الإعدام.. وبسهولة يميز الناظر إليه بأنه هو الذي شنق نفسه.. لم أسمع سوى عبارة واحدة محيرة تتطاير على ألسنة الحضور: "لكن لماذا هنا"؟!

بعد قليل وقفت سيارات أنيقة تبرق.. نزل منها أشخاص.. ابتعد الجمع إثر تدخل أشخاص بقبعات حمراء.. ودنوا من"المعلّق"

اقتربوا منه.. أشاروا بأصابعهم، تم أخذ بعض الصورله بسرعة. وبعد دقائق تقدم شخصان من ذوي القبعات الحمراء.. فكّا الحبل، وحملاه إلى سيارة.. تفرّق الجمع في الاتجاهات والوجوه تحمل السؤال المحيّر ذاته:"ولكن لماذا هنا بالضبط" 0

منذ تلك اللحظة أدركت بأن الإنسان بدون ثقافة إسلامية مترسخة في قلبه وعقله يبقى تائها في ظلمات مايقرأ فتكون قراءاته ظلاما أكثر مما تكون نورا عليه ، وأدركت أن لاشيء ، لاشيء لنا غير أن نزداد يوما إثر يوم بثقافة الإسلام التي وحدها تحافظ على توازننا مع أنفسنا ومع الآخرين ومع الحياة التي نعيش فيها ، لقد تعلمت درسا لن أنساه من صديقي رمزي .


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



الجوع

منذ ثلاثة شهور وأنا أعاني فقر الدم , عندما أمد يدي لأصافح أحدا , يراها تخفق بسبب الارتجاف ويصوّب نظرة شفقة إلي 0 كل الذين يروني يراهنون بأنني على وشك الموت بسبب هذا الصفار الطافح في وجهي , وتتراود إلى سمعي همساتهم : إنه صفار الموت 0 وعندما أمشي ساعة على قدمَي , أشعر بدوّار في رأسي وإنهاك في مفاصلي , فأغمض عينَي وأبرك حيثما ترميني قدماي مستسلما للموت , لكنني بعد نصف ساعة من الاستلقاء على الظهر أفتح عيني فأكتشف بأنني ما أزال حيا , أستعين بما في جسدي من بقايا قوة خائرة وأنهض ماشيا إلى أن ترميني قدماي بعد ساعة أخرى من المشي 0 هذا هو قدري , وهذا هو الأمل الوحيد الذي أتمسك به كل ساعة من ساعات عمري , فأنا لاأدور في الطرقات عبثا , بل أبحث عن عمل يمكن أن أقوم به لقاء مبلغ يمكّنني من شراء اللحم والبيض والحلويات والفاكهة واللوز , فقد قال لي الطبيب بأنني لاأحتاج إلى أدوية قدر حاجتي إلى التغذية الجيدة ,إضافة إلى الاستحمام بصابون غار ممتاز ذو رائحة طيبة مرة كل يومين لأن لامرض بي , وكل ما أعانيه هو فقر دم أتاني بسبب سوء التغذية 0 طبطب الحكيم على كتفي قائلا : أنت معافى يابطل , ما عليك سوى أن تكثر من الطعام الذي وصفته لك 0 وكتب لي أنواع الطعام على وصفة طبية أحتفظ بها في جيبي حتى لاأنساها 0 مضت ثلاثة شهور على وجود هذه الوصفة الطبية في جيبي دون أن أتمكن من استخدام جزء منها , جبت شوارع المدينة عشرات المرات , ودخلت كل المحال سائلا عن عمل دون فائدة , عندما أمضي بجانب مطعم وأرى الناس في الداخل يأكلون اللحم المشوي أقف في المدخل لعل صاحب المطعم يكلفني بعمل فيعطيني لقاء ذلك قطعة لحم على خبز , وأتخيلني جالسا كالجلسين في الداخل وأشبع لحما ولو مرة واحدة بيد أن أجير المطعم يوقظني من الحلم بركلة ويدفع بي بعيدا عن حلمي 0 أعرف بأنهم لا يتضايقون من ثيابي الرثة , أو من الرائحة الكريهة التي تفوح مني , أو من شحوب وجهي , لأنني أرى في الداخل المرضى , وكذلك الذين يعملون في تغيير زيوت وشحوم السيارات , والذين يعملون في المنطقة الصناعية بثيابهم وروائحهم الغارقة في الشحوم والزيوت والأتربة , أراهم يُستقبلون ويوَدَعون با لترحاب من قِبل أصحاب المطاعم ومن جميع العاملين وحتى من الجالسين 0 وهذا ما يحدث لي عندما أقف أمام بائع صابون الغار وأشم الرائحة الطيبة وأتخيلني أستحم بقطعة تزيل عن جسدي الرائحة الكريهة وتستبدلها برائحة طيبة , أو عندما أقف أمام بائع الخضار والفاكهة , أو بائع المكسرات 0 وكأن الناس يتحاشون النظر إلي , يتحاشون الاقتراب مني ، ولكنني أوا ظب على الخروج من بيتي عند طلوع الشمس ولا أعود إليه إلا مع الغروب 0

دوما أقول بأن رحمة ربي وسعت كل شيء ولابد من الصبر على هذا الحرمان , إن أبواب الرزق واسعة وعليّ ألا أيأس وأنا ما أزال في مقتبل العمر بعد أن توفي والداي وتركاني وحيدا في هذا العالم 0

لدى مروري أمام بائع السمك استوقفني منظر رجل يوقف دراجته الهوائية أمام المحل , ثم يفك من المقعد الخلفي كيسا من الخيش , ويناوله لصاحب المحل 0 دفعتني رغبة الاستطلاع لرؤية ما بداخل الكيس , فدنوت ورأيت صاحب المحل يفك الكيس ويُخرج منه سمكا , ثم يزنه ويمد يده إلى آلة حاسبة يدق عليها وينقده مبلغا من المال , يتناوله صاحب الدراجة ويعود راكبا دراجته 0 فعرفت بأنه صياد سمك و لا أدري ما الذي دفعني لأصيح به وقد ابتعد قليلا عن المحل : يا أخ 00 يا أخ 0 فالتفت وقد تمهل بدراجته , قلت له : لو سمحت يا أخ انتظر 0 فوقف الرجل , وخطوت إليه , ألقيت عليه : السلام وسألته على الفور إن كان بحاجة إلى مساعد ليعينه في اصطياد السمك 0 فقال بأنه لايحتاج إلى من يعينه لأن العملية لاتحتاج إلى أكثر من شخص 0 فقلت : كيف 00 ؟ ! 0

قال : يا أخي أنا أصطاد السمك بواسطة صِّـنَّارة 0 قلت هل يمكن لي أن أعمل في ذلك ؟0 قال بأن النهر واسع وفيه من رحمة الله ما يكفي كل صياد 0 ثم نظر إلي وقال : لكن لاتذهب إلى النهر في الليل , اذهب منذ الصباح , لأن النهار وضوح 0 عندذاك رأيت على الدراجة خيطا فيه قطعة فلّين , وبرأسه صنارة وقد تم لفه على عصا من الزل 0 شكرته وخطرَتْ لي فكرة أن أعمل في الصيد بواسطة صنارة , فهي لن تكلفني شيئا 0 عدت إلى البيت قبل انتهاء فترة بحثي عن العمل وفكرت في الأمر مليا حتى وقت متأخر من الليل 0 سوف أجرب هذه المهنة , لن أخسر شيئا , قد يفتح لي الله تبارك وتعالى بابا للرزق , إنه هو الرزاق 0، ربي الذي خلقني هو الذي يغنيني عن الحاجة والسؤال . في الصباح أحضرت خيطا وضعت في منتصفه قطعة فلين أخذتها من زجاجة قطّارة الأنف , وعلّـقت إبرة معقوفة برأسه ولففته على عصا , ثم خرجت من البيت في السادسة صباحا متجها صوب النهر الذي يبعد عن بيتي نحو خمسة كيلو مترات 0 مضيت على قدمي إلى أن وصلت النهر 00رأيت أشخاصا يصطادون , وأشخاصا يصلون للتو , وأشخاصا يعودون مع ما اصطادوا لأنهم أمضوا ليلتهم على النهر 0 وجدت لنفسي مكانا من النهر الفسيح ولكنني فوجئت بأنني لم أجلب الطِعم لأضعه في الصِّـنَّارة , اتجهت إلى أقرب صياد يبعد عني نحو خمسمائة خطوة وقلت له بأنني جئت إلى الصيد أول مرة وقد نسيت الطعم , وأن يقرضني قليلا حتى الغد 0 فقال بأنه يُخرج الديدان من أطراف النهر ويستخدمها كطعم 0 ولكنني لم أملك أن أرى هذه الحيوانات الصغيرة تنغرز في الإبرة المعقوفة لتكون طعما ، قلت : لأيق جائعا ولن أفعل ذلك . وعندها خطر لي أن أترك الأمر كله بيد أن الصياد قال لي بأن الصياد المجاور يستخدم أمعاء الدجاج , فاتجهت إليه وسألته شيئا من الأمعاء على أن أعيده إليه في الغد 0 فناولني الرجل علبة صغيرة فيها بعض الأمعاء وقال بأنني أستطيع الحصول عليها من بائعي الفروج على ألا أنساهم بين حين وحين بشيء من السمك 0 شكرته على ذلك وعدت إلى موضعي 0لم يكن الأمر يحتاج إلى خبرة حتى أكون صيادا , فمجرد غطس الفلّين إلى الأسفل وصعوده إلى السطح بشكل متقطع يعني أن ثمة سمكة بدأت بنقر الطعم وعليَّ أن أسحب الخيط قليلا لأتأكد إن كانت قد علقت بالصنارة أم ماتزال تنقر 0 مضت ساعة سحبت فيها الخيط ثلاث مرات وكانت السمكة قد أكلت الطعم دون أن تعلق 0 في المرة الرابعة اصطدت أول سمكة , رأيتها تتحرك في الخارج وقد علقت بالصنارة , أمسكت بها و اكتشفت مرة أخرى بأنني لم أجلب ما أضع فيه السمك 0 خلعتُ سترتي وعقدتها على السمكة الجيدة الحجم 0 عندها لمحت كيسا أسودا من النايلون على بعد نحو مائتي متر فرحت أحضره ووضعت سمكتي فيه 0 شعرت بالطمأنينة وكأنني عثرت على كنز , أجل سوف أتناول اللحم برحمة الله , ياه كم بي شهية لتناول اللحم الذي لم أذقه منذ ثلاثة شهور 0 بلغتْ الساعة الثالثة عصرا اصطدت فيها خمس سمكات 0 شعرت بأن الجوع أنهكني إلى حد أنني لم أعد قادرا على الإمساك بالخيط 0 حملتُ سمكاتي الخمس واتجهت على الفور بخطوات منهكة إلى بائع السمك في السوق , وما إن رآني أحمل كيسا وأدنو منه حتى نادى بي : تعال 00 تعال 00 نحن نشتري السمك من الصيادين 0 وتناول الكيس من يدي وقد أفرغه على أرض المحل 0 مددت ُ يدي إلى سمكة وقلت : هذه السمكة عشائي , وأعدتها إلى الكيس 0 فابتسم الرجل وهو يقول : صحة وعافية ، ووضع السمكات الأربع في الميزان وقال : إنها سمكات كبيرة 0 ثم راح يدق على آلة حاسبة وأنقدني القيمة قائلا : كل مرة اجلب سمكك إلينا 0 وقبل أن أنصرف أعطاني كيسا من الخيش ووجهني بأن أضع الأسماك في الكيس , أربط فمه جيدا وأتركه بالقرب مني في الماء حتى تبقى الأسماك حية 0 لم يمض شهر واحد حتى رأيتني وقد خرجت من عالم وأدخل في عالم آخر , كل يوم أتناول اللحم والبيض والحلويات والفاكهة واللوز , وأحيانا أحمل معي بعض الطعام وأشوي السمك على النهر لأنني أمضي أغلب وقتي في الصيد وأصلي في مكاني الظهر والعصر , أما في المساء أمضي الوقت مستلقيا على ظهري فأشعر بمتعة الراحة وأنا أبقى مسترخيا عشر ساعات متواصلة في فراشي الدافئ , وبين الأمسية والثانية أدخل الحمام كما أوصاني الطبيب فأمضي ساعة كاملة أغتسل بصابون الغار الممتاز ذو الرائحة الطيبة , وأخرج لأنام حتى الصباح وأنا أشعر بقوة حصان تندفع إلى جسدي حتى أنني شعرت بزوال فقر الدم كاملا من بدني 0وما زاد في ذهولي هو هذا الاحتفاء الذي ألقاه من أصحاب المطاعم التي كانت في السابق تركلني لمجرد وجودي بالقرب منها , فعندما علموا بأنني صياد سمك غدوا يتبارون لكسب رضائي حتى أبيعهم ما أصطاد ويقدّمون لي الشاي والقهوة فأجلس مع كبارهم وكأنني شريك عزيز لديهم , وأنا أعلم بأنني لاأملك في هذا العالم سوى صنارة, ومن طرف آخر فإن الجوار الذين كانوا يتحاشون الرد على سلامي بدءوا يتوافدون على بيتي ويوصونني بالسمك الطازج الذي أوصله إلى بيوتهم حيا بواسطة الدراجة الهوائية التي اشتريتها , وأحيانا يدخلونني بيوتهم حتى أقشّر السمك وأنظفه وأقطعه وأتبّله ليكون جاهزا , حتى أن أحد جواري ألمح لي بأنني لو تقدمت إليه لأتمم نصف ديني فسيوافق أن يزوجني ابنته وسوف أصبح مثل أحد أولاده 0 للتو أدركت قيمة أن يعمل الإنسان , أدركت أن الإنسان لايحقق حضوره في المجتمع إلا بقدر ما يعمل ويتواصل مع مجتمعه من خلال العمل 0 أدركت أن العمل نعمة كبرى أنعمها الله على الناس حتى يتحابوا ويتواصلوا فيما بينهم 0 لقد أنقذني عملي بإذن الله من شعوري الدائم بالإهانة وأنا أخرج من بيتي , وأنا أمضي في الطرقات , كنت أشعر بأنني كائن مهان لأنني عاطل عن العمل , عاطل عن التواصل مع الناس , ليس من أحد يطلب حاجة مني , وأنا لاأستطيع أن أطلب حاجة من الآخرين لأنه سوف ينظر إلى أنني كائن متطفل وأنا ما أزال في بداية العمر 0

بعد مرور سنة من اليوم الأول الذي ذهبت فيه إلى النهر , اليوم السادس من أيلول الذي لاأنساه أبدا قلتُ : عليك يا رجل أن تحتفل بهذه المناسبة وتجعل من هذا اليوم عيدا سنويا لأنه اليوم الذي فتح الله فيه عليك 0 أجل سوف أحتفل بهذا اليوم الذي لا أنساه ما حييت 0 لقد فتحت عينَي على العالم للتو , لكن رغم كل هذا فكان لابد لي بأن أمر بكل تلك التجارب القاسية حتى أنظر إلى النعمة التي أنعمها الله علي فأقدرها خير تقدير 0

في أمسية هذا اليوم الذي جعلته لنفسي عطلة , وضعت ما طاب من الطعام على مائدة وجلست بين الخضرة في حديقة البيت أشعر بأنني في عيد وأحمد الله الذي أخرجني من الذل , ووضعني في هذا العز , أجل إنه الله العزيز الذي رحمني بأن أرشدني إلى هذا العمل 0 أشعر بأنني أصلّي بين يدَي ربي وأنا في هذا النعيم , وأنا أذكره وأشكره مع كل لقمة أضعها في فمي متذكرا أيام الجوع القاسية 0 عند الساعة الواحدة ليلا قررت أن أقلي السمك في الحديقة وأتمم به احتفالي , فأحضرت المقلاة , وضعتها على جرة الغاز الصغير ة وجلست في الوسط بين المائدة والمقلاة فأتمكن من مد يدي إلى أزاهير المائدة العامرة , ومن تحريك السمك الذي بدأ يُصدر رائحة طيبة في الحي كله , في أثناء ذلك تذكرت بأنني لم أحضر صحنا لأضع فيه السمك المقلي , فنهضت متجها إلى المطبخ وصوت الزيت ينذرني بقرب احتراق السمك , امتدت يدي بسرعة إلى صحن , عندئذ تناهى إلى سمعي صوت غريب مع صوت سقوط المقلاة على الأرض , هُرعتُ إلى الخارج بانتفاضة مباغتة وقد ارتطم كتفي بطرف البراد وأوقعه أرضا بقوة الاندفاع المباغتة , فرأيت قطة تئن تحت الزيت الذي سلخ عنها جلدها بقوة حرارته وشوهها تشويها مريعا , سارعتُ إلى المطبخ , حملت إناء من الماء البارد ورششته على جسد هذه الكائنة المستسلمة للألم , ويبدو أن برودة الماء أخذت تخفف من حرارة جسدها ومن وقع حرارة الزيت , فبدأتْ تصدر أنينا خافتا كأنه أنين طفل عمره ثلاثة أيام 0 وقفت أنظر إليها وهي كذلك تصوّب لي نظرة توسل بالمساعدة لتخفيف ألمها , وتروي لي من خلال تلك النظرات التوسلية الممزوجة بالأنين بأن الجوع هو الذي دفعها إلى هذه المجازفة كي لاتنام جائعة 0 في تلك اللحظات تذكرت جوعي ورميت المائدة بما تحتوي على الأرض 0 نظراتها الأليمة المتوسلة توبخ تفرجي على آلامها فتجيب نظراتي لعينيها الدامعتين : لكن ما الذي بيدي فعله ياأيتها الحيوانة المسكينة ؟ !! 0 أجل فقد فقدتُ أي وسيلة للمساعدة في هذا الوقت المتأخر بين أنينها الموجع ونظراتها الدامعة , وهذا المنظر المريع لحيوان تم سلخه حيا , ولاأعرف إن كانت النظرات ذاتها قد أوحت لي فكرة الاتصال بمن يعينني في إنقاذ هذه المخلوقة , إذ لايمكن لي أن أخلد في فراشي على أنين وجعها 0 تذكرت الهاتف , وخطر لي أن أتصل بالإسعاف , فهو الوحيد الذي يمكن له أن يساعدني في أمر هذه المخلوقة , ولكن ما الذي سأقوله , وهل سيأتي رجال الإسعاف بسيارتهم في وقت كهذا لإنقاذ قطة ؟0 لابد أن أفعل شيئا حتى لو اضطررت إلى مواراة الحقيقة , إن كل أنين من هذه الكائنة المسكينة يمزق أحشائي 0 رفعتُ السماعة وأجريت اتصالا بالإسعاف , قلت بأن طفلي الصغير قد احترق بالزيت وهو في حالة خطرة 0 وعلى الفور أحضرت بطانية ولففت القطة بها حتى أخذت شكل طفل 0 في الساعة الثالثة صباحا دوى صوت سيارة الإسعاف الذي أزاح عن نفسي بعض الاضطراب ولكن بذات الوقت استبد بي قلق إن كانت خطتي ستنجح وأنا أحمل القطة على أنها طفلي ريثما أوصلها إلى المشفى , وهناك سيضطرون لمعالجتها وليحدث لي بعد ذلك ما يحدث 0 دخلتُ بتفكيري في دوامة وصوت الإسعاف يدنو من منزلي 0 فتحتُ الباب , رأيت السيارة تزحف إلي , ولمحت رؤوس بعض الجوار تمتد من الأسطح المجاورة , والتف حول السيارة بعض مَنْ جاء يستطلع الأمر بدافع الفضول 0 الطامة أنهم جميعا يعرفون بأنني عازب وأقيم بمفردي في البيت , واقترب البعض يسألني عما بي حتى طلبتُ الإسعاف , فتهربت من الإجابة 0 نزل رجلان من الباب الخلفي للسيارة يحملان حمّالة إسعاف وسارعا إلى الداخل فرأيتها فرصة لأغلق الباب كي لا يدخل أحد الجوار , طلبا مني أن أرشدهما إلى الطفل المحروق 0 حملت البطانية الملفوفة بالقطة ومخيلتي ترتاع بالمنظرالرهيب وقلت : هذا هو , إنه لايحتاج إلى نقالة 0 نظرا إلي بريب وقالا بصوت واحد : ماذا حدث له ؟ 0

احترق بالزيت 0 قذفت الإجابة بلا مبالاة 0 عندذاك نظرا إلى المقلاة وإلى قطع السمك المرمية بجانبها , ثم إلى منظر المائدة المقلوبة وطلبا مني أن أريهما الطفل المحروق 0 فقلت : هناك 00 هناك 00 في المشفى 0

فقال أحدهما وهو يدنو من المائدة المقلوبة : وما الذي يضمن لنا أن هذه ليست إلا بطانية فارغة 0

قلت : فارغة 00 فارغة كيف , فيها مخلوق يحتاج إلى إسعاف 0

فقالا : أرنا هذا المخلوق 0

ومن سوء حظ القطة أنها أخذت تموء في تلك اللحظة بصوت كسير وتتحرك في حضني 0 عندئذ وضعا الحمالة على الأرض وقالا : ألا تعرف عاقبة من يزعج رجال الإسعاف دون سبب في هكذا وقت 0 وفتح أحدهما الباب مناديا السائق بينما اختطف الثاني البطانية وفضها على الأرض لتسقط القطة وهي تصدر بقايا نشيج خافت 0 فقال ذات الرجل موجها كلامه للسائق : صاحبنا يريد أن نسعف له / بسه / 0 جحظ السائق عينيه الناعستين قائلا باستياء : بسه 00 بسه 0

وتقدموا جميعا من المائدة المقلوبة ينظرون إلى الصحون والطعام الملقي , وإلى القطة التي انضمت إلى تلك الفوضى العارمة التي توحي للناظر بأن شجارا ما وقع للتو في هذه الحديقة المنزلية الصغيرة 0 ثم اتفقوا أن يأخذونني إلى مخفر المشفى لمحاسبتي على هذا الإزعاج , فامتنعت إلاّ أن أصطحب القطة معي , لكنهم جروني من كتفي بقوة وقادوني إلى السيارة تاركين القطة تئن وقد أحكموا الباب 0 بوصولنا المشفى أخذوني إلى شرطي وقالوا له : إليك هذا الذي أزعجنا من أجل / بسه/ 0 أمسكني الشرطي ودفعني إلى غرفة التوقيف الصغيرة وأقفل علي الباب 0 انزويت في ركن إلى أن حضر شرطي آخر في الصباح وأعلمته بقصتي فقال بأنه لايستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يحضر رئيس المخفر صباح الغد 0 وعاد إلى قفل الباب من الخارج 0 انتظرت إلى أن حضر رئيس المخفر عند ظهيرة اليوم التالي , فجاء شرطي وقادني إليه 0 لم يدعني رئيس المخفر أفه بكلمة , قال بحسم : لاتقل لي بأنك أردت أن تسعف / بســه /, لقد أزعجت الإسعاف , لكن لأنها المرة الأولى فقد أمرت بإخلاء سبيلك ,وإياك ثم إياك أن تعيدها 0

قلت له : لم أقصد أي إزعاج , ولكن كانت الطريقة الوحيدة إنقاذ حياة هذه المسكينة .

ضحك الرجل قائلا : مسكينــة 00 ثم تجلجل به الضحك إلى أن أطلق سراحي 0 شعرت بأنني ولدت للتو , وأنني أرى نور العالم للتو , ولا أدري لماذا انتابني شعور غريب بأنني كنت في حلم 0 لدى خروجي من باب المخفر , سارعت الخطا إلى أقرب صيدلية , ابتعت أدوية لمعالجة الحروق ومضيت نحو البيت 00 فتحت الباب وكأنني لم أفتحه منذ سنة 00 جريت إلى القطة , لم أسمع لها أنينا , ولم تلق إلي نظرات استغاثة , لقد تحولت إلى جثة متفسخة تحت فوج هائل من الذباب الأزرق الذي أراه لأول مرة في بيتي 0


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سموحة

avatar

المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

مُساهمةموضوع: اكبر مجموعة قصصية   السبت ديسمبر 10, 2011 9:17 am

حديث الايمان

تقضي ذكرى أثرى الأوقات في التأمل بقراءة كتابها المبارك , تحلق بخيالها في فضاءات من نور , وتحس أن الكلمات تجري على لسانها أطيب من شهد العسل , تشعر بأ ن نور الكلمات المباركة يجري في عروقها فتكون في حالة صفاء هائلة , وحالة صلح عظمى مع الله الذي أكرمها بالانفتاح على قراءة هذا الكتاب العزيز قراءات تجعلها تشرق كوردة في ربيع غني 0 كل شيء يغدو أمامها ككتاب قابل للقراءة , وقابل للاستيعاب , وياله من يوم بائس ميت ذاك الذي يمضي دون أن تقرأ فيه شيئا من كتابها فتقول : المدينة التي لا يقرأ فيها القرآن هي مدينة تموت من البرد , الإنسان الذي لا يتدفأ بنور قراءة القرآن هو إنسان يموت من البرد الروحي0 هل سيمهلك العمر يا ذكرى للارتواء من قراءة القرآن المبارك ؟ 0 كتاب الله المفتوح لكل إنسان يفتح عينيه لأول مرة في الحياة 0 القراءة عبادة يا ذكرى , لكن أي قراءة , هل هي قراءة للقراءة فحسب , أم أن العبادة تتحقق بشكل أكثر رسوخا في قراءة الاكتشاف , في قراءة المعرفة , قراءة الاقتراب من الله , التي تقربك من الله 0 يالها من بيوت ميتة تلك التي لانفتح القرآن فيها , يا لها من نفوس مظلمة تلك التي لم تشرق بنور القرآن 0 عندما يخرج القرآن الكريم من بيتك ستفوح من جدرانه رائحة المقابر , وعندما يخرج من نفسك ستفوح من نفسك رائحة الموت 0 حتى الحيوانات الضارة فإنها تكون أقل ضررا في بيت تتلى فيه سطور هذا الكتاب المبارك 0

فتشفق ذكرى على شخص ينام بالمهدئات والأدوية المنومة , والكتاب في ظهرانيه , وتتذكر كيف أنها تغفو بعد صلاة وقراءة آيات مباركات قريرة العين والفؤاد , لا تظن أن هناك من يستمتع بحالة النوم الغارقة مثل الذي ينهي يومه بصلاة وقراءة آيات , نوم طبيعي لا تساويه كل مهدئات العالم في تلك الأوقات الاسترخائية التي يغرق كل عضو وكل ذرة فيها في نوم عميق , وتأتي لحظات الاستيقاظ المشرقة لتتوج كل تلك الساعات المستغرقة بانفتاح جديد على حياة كاملة وكأنها استيقظت فيها للتو , كل صباح يعقب ذاك النوم الهادئ يكون بمثابة ولادة جديدة لها على حياة جديدة بكل لحظاتها وثوانيها , حتى الطعام تشعر بأنها تتناوله لأول مرة , وزوجها بشري تشعر بأنها تكتشفه وتنظر إليه لأول مرة 0 تحتضن القرآن الكريم وتيقن أن علاقة الإنسان بالقرآن أنه إذا دنا إليه فإنه يدنو متدرجا إلى أن لا ينساه , وإذا ابتعد عنه فإنه يبتعد متدرجا إلى أن ينساه 0 لذلك فإنها كل صباح تطلق صوت مقرئ يتلو آيات من سطور كتابها المبارك الذي يبارك حتى في اللبس والطعام والأثاث والآيات تتلى عليها , فتشعر ذكرى بأنها تحلق بمعاني الكلمات إلى ربها و وتزداد إيمانا على إيمانها وهدوءا على هدوئها وراحة نفس على راحتها 0





الواحدة ليلا , بعد ثلاث ساعات متواصلة من قراءة القرآن الكريم , يقول الرجل لزوجته وكأنه ينشد نشيدا : لم أكن أعلم بأن هناك امرأة في هذا الكون يمكن أن تعيدني لأتعلق بالحياة بهذه القوة بعد أن كنت أعيش بانتظار أن أفارق هذه الحياة على خير 0 الآن عندما أستيقظ من النوم في أي لحظة فإنني أبحث لأراك بقربي وعندها أدرك أن لليقظة نكهة جديدة ما كانت في يوم قبلها 0 ذاك الذي لم يظفر بامرأة يحبها مثلما كنت طوال عمري الأربعيني الفائت يثير الشفقة في نفسي لأنه يمضي حياته بدون محبة , وأي شقي هو ذاك الذي يمضي حياته بدون دفء وبيتوتية المرأة التي تسحره بصوتها وحركاتها وعنايتها به وقبلاتها الطائفة عليه حتى وهو مستغرق في سابع نوم 0 في المساء عندما أنام ويدي في يدك لاينتهي خوفي من أن يستيقظ أحدنا فلا يرى الآخر , وعندها ستنطفئ شعلة الحياة مجددا وتأتي أصابع الأشباح لتستبد بكل شعور جميل عشناه معا , أظن بأنني سأكون قد خسرت كل شيء سواء كان الفراق بي أو بك , وهذه المساءات الفائضة بالحيوية والفائضة بكل شيء جميل , كل هذا العالم الذي نعيشه معا هل سينتهي إلى الأبد ويتحول إلى شيء من إرث الماضي 0 هنا يا ذكرى ليس بوسعي أن أتخيل مرارة أن يأتي رجل آخر فيدخل هذا البيت ويأخذ كل شيء يخصني 0 سيكون مؤلما بالنسبة لي أينما كانت روحي أن تكوني مع رجل آخر , سيؤلمني ذلك وستكون خسارتك هي الأفدح من خسارة أي شيء آخر يربطني بالحياة 0 أجل بي رغبة ألا يمكث أحدنا ساعة بعيدا عن الآخر , وكم ستكون مؤلمة تلك الساعة التي يفصل فيها بيننا عالم كامل نجهل كل شيء عنه , ولكن عندما تكون يدك بيدي وتكون يدي بيدك سندخل إلى أي مكان مجهول بشجاعة لأننا نكون معا وسنكون أقوياء بهذا الحب الكبير الذي يحمله أحدنا للآخر و يكون الله إلى جانبنا 0 لن نيأس يا ذكرى من أن نلتقي مرة أخرى , تلك الأقدار التي جعلتنا نلتقي في زمان ومكان وظروف كهذه , سيكون بإمكانها أن تجعلنا نلتقي في أماكن وأزمنة وظروف أخرى 0 كل شيء إذا مات وتحول إلى رماد يا ذكرى فإن الحب الكبير وحده يبقى حيا ولن يتحول إلى رماد , على أجنحته تتحقق المعجزات الكبرى

تهمس ذكرى وقد غاصت عيناها بدموع سخية كحبات المطر , والهمس يخرج ثقيلا كجبل معبئا بشحنة البكاء : هاهي الحياة تزداد دفئا وإشراقا إلى درجة أننا تعلقنا بها بكل هذه القوة 0 الحياة الجميلة تحمل سريرنا على جنحيها وتحلق بنا في سماوات الله الرحبة 0 الحياة تكون مشرقة بوجود الله فيها , كل لمسة جمال تراها هي لمسة من الله تبارك وتعالى , إنه لله يا بشري 00 الله الذي ملأني بكل ذرة إيمان به 00 أشعر بأنه أقرب إلي من نفسي , إنه أكثر رحمة لي من نفسي , كل شيء حولي مكتوب عليه اسم الله , أقرأ اسمه على شربة الماء ولقمة الطعام وجدران البيت , أقرأ اسمه حتى في لون عينيك ونبرات صوتك 0 عندما أحضرت الليلة طعام العشاء وقع نظري على بصلة خضراء طويلة, صرت أردد في نفسي : هاهو الله قد جعل أذيال أوراقها الخضراء مغلقة حتى لا تدخلها حشرات , عندها كان يصعب علينا إخراج تلك الحشرات وغسلها من الداخل 00 أليس هو الله الذي جعل هذا يا ذكرى 0

إن الله هو الذي يملأ كل وقتي وليس من شيء يتردد في خاطري وفمي أكثر من اسم الله 0 ليست هناك نظرة أنظرها إلا باسم الله , ليست هناك خطوة أخطوها إلا باسم الله , ليست هناك كلمة أقولها إلا باسم الله 0

دوما يهب الله الفرص السخية لنا لنكتشف جمالية الحياة وكنوزها ونصلح من شأن أنفسنا , إنـه لا ينظر أن يعاقبنا , ينظر أن يعفو عنا , ولذلك كانت مساحات العفو هي أكثر سعة من مساحات العقاب0 أنا متفائلة بالعلاقة المتبادلة بين الله والإنسان وبين الإنسان والإنسان 0

لا أريد أن يستبد بك الخوف وأنت تؤمن بعدالة الله الكبرى , هذه العدالة التي تلازم الإنسان أينما كان 0 ما أغمضت عيني يوما إلا وحلقت في فضاءاته بنشوة 0 إنني راغبة في لقاء الله , لأننا هناك عندما نلتقي عند الله , سيكون اللقاء أكثر حميمية , سيبدو أمامه لقاؤنا هذا باردا كحلم مضى , ليس لحبنا أي مستقبل بعيدا عن يدي الله , إن اللقاء عند الله هو مستقبل حياتنا الزوجية , ليس من أحد بإمكانه أن يهرب من يدي الله لأنه لم يسبق لإنسان أن تمكن من الهرب من لقاء الله 0 الإنسان الذي أتى من الله فسوف يعود إليه , ولكن لماذا يستبد بك الخوف من العودة إلى مَنْ أتيت منه , عندما أعود إلى يدَي ربي فإنني أحلق إليه كطائر مغرد بأمان , لن أقلق على مصير شخص عزيز علي لأنني سأتركه بين يدي ربي الرحيمتين 0 لن أأسف على الحياة التي تركتها والذكريات التي عشتها لأن الله هو الذي ناداني النداء الذي لبثت عمري في انتظاره , ستذهب يا بشري إلى من هو خير مني 00 ستذهب إلى من يحبك أكثر مني ومن تحبه أكثر مني 00 إلى من يرحمك أكثر مني 0

مايهم يا سيدي هو ألا يفوتك أن تتأمل كل شيء وأنت تنظر فيه أو حتى تفكر فيه ,عندما تنظر إلى الإبل لايفوتك أن تتأمل جمالية الخلق فيه , وعندما تنظر إلى السماء لايفوتك أن تتأمل جمالية ارتفاعها , وعندما تنظر إلى الجبال لايفوتك أن تتأمل جمالية انتصاب قوامها , وعندما تنظر إلى الأرض لايفوتك أن تتأمل جمالية تسطحها , / ألم تر إلى ربك كيف مد الظل / 0

دوما يأتي الله ليقف إلى جانب الإنسان ويبعد عنه الأذى , كنا نرى على النهر أن السمكة عندما تفسد فإن الله يبعث فيها رائحة كريهة حتى يتجنبها الإنسان , فإن فقد الإنسان حاسة الشم , بعث الله لونا يبيّن فسادها أمام ناظريه, فإن فقدهما , أمرها الله أن تبعث إلى فيه طعما فاسدا يجعله يلفظ هذا الطعام الفاسد 0

المجتمع الإنساني يشكل عائلة بشرية كبرى , وهو ربهم ومعيلهم , يوصي عبادة ألا يؤذوا بعضهم وألا يتفرقوا , وأن يتكاتفوا ويصلوا أرحامهم ويتجاوروا ويتسامحوا ويتحابوا , وألا يدع جار جاره جائعا إذا استطاع , وأن يزيحوا الأذى من الطرقات , وأن يلقوا السلام على بعضهم البعض 0 إنهم عباد الله وهو الذي يطعمهم ويسقيهم ويكسيهم 0 واعلم يا بشري أن الإنسان عندما ينادي من أعماقه : يا رب 0 فإن الله تبارك وتعالى من سماواته يجيب : لبيك عبدي 0أحست ذكرى أن شمسا أشرقت في أعماقها وملأت حواسها بنور الله , عند ذاك نزلت دموع من عينيها زادتها خشوعا فنهضت إلى الغرفة الثانية تصلي بخشوع هائل لم تذق حلاوته من قبل 0




تسري نفحات سعادة منعشة في روحي وأنا أمدّ الخطوات العائدة من أرض المطار نحو بيتي , أخطو ومع كل خطوة أزداد سعادة من صنيعي الذي قمت به طوال عشرة أيام فائتة حتى تكلل بالنجاح منذ لحظات عندما ارتفعت الطائرة حاملة العمة شمس .. تلك المرأة التي سجلت محطة هامة في حياتي وليس بوسعي نسيانها . العمة شمس هذه المرأة المتقدمة في السن التي من أجلها الآن تتصوب إلي نظرات المودعين المريبة وهم يقولون في نفوسهم بأنني رجل أبله , وإلا ما الذي يجعل شخصا في كل هذه السعادة وهو للتو قد ودع عزيزا أو حبيبا قد لن يراه ثانية , لكن هذا كله لايهمني وأنا أخطو بخطواتي مع خطواتهم من جناح المودعين نحو الخارج وأعرف حتى الابتسامة تبتسم على ثغري وهم يزدادون دهشة واستياء . معهم الحق فهم لايعرفون قصة هذا الوداع ولايعرفون من هي العمة شمس الرائعة تلك التي تحلق الآن في الفضاء مخلفة في نفسي كل هذا الشعور العارم بالفرح . منذ عشرة أيام ر تعرفت بالعمة شمس حينما رأيتها لأول مرة في حياتي , كان الوقت قبيل الظهر وأنا جالس في مكتبتي القرطاسية أتدفأ على السخان الكهربائي الذي يحمل إبريق الشاي أنظر إلى المطر الغزير الذي ينذر بطوفان ويزداد قوة وغزارة منذ ساعة متواصلة وسط أصوات الرعود والصواعق المتلاحقة التي تهز الأرض وما عليها . بغتة وأنا أنظر من خلف زجاج المكتبة تراءى شخص كشبح يجري بسرعة نحو المكتبة , يدير قبضة الباب ويندفع إلى الداخل كتلة من ماء وكأنه لاذ بي هاربا من حرب . جفلت وأنا أنتفض بسرعة من الكرسي وإذ بملامح امرأة عجوز ترتعد خوفا من أصوات الصواعق وترتجف من شدة البرد القارس , امرأة عجوز تبدو قادمة للتو من الريف , ترتدي ثيابا قروية سوداء , بيد أنها ورغم علامات العمر البادية على سحنتها تبدو قوية البنية تقف على قدميها بشموخ كفتاة , وكذلك استطعت أن ألمح شيئا مضيئا في وجهها يوحي بأنني أقف أمام شخص رحيم , ولعل هذا الذي خفف من هلعي بدخولها المباغت . لم يكن الموقف مناسبا لأسألها شيئا غير أن أدعوها إلى السخان لتتدفأ لعل هذه الثياب الغاصة بالمطر تجف قليلا , لكنها مدت يدها إلى بعض الثياب التي ترتديها لتستغرق عدة دقائق حتى تخرج كيسا وتضعه أمامي قائلة : يا بني .. اعمل معروفا أنا مستعجلة قبل أن يغلق البنك .

قلت بدهشـــــة وأنا أنظر إلى الكيس : ماذا تريدين ياعمـّة ؟
وضعت عقدة الكيس في فمها وفكّته ليتراءى كيس معقود آخر , فكّته بذات الطريقة ليظهر ثالث معقود ونظراتي معلّقة بحركات هذه المرأة العجوز التي تعمل بيديها الراجفتين وأسنانها المصطكة والمطر ينزل من ثيابها . بدت أمامي كلوحة فنية , في هذا الوقت الذي شلت الحركة من المدينة كلها , حتى السيارات اضطرت للوقوف بسبب ارتفاع المطر في الطرقات تأتي امرأة في أواخر العمر لتواصل العمل وكأنها تحمل الكرة الأرضية على ظهرها . أخيرا ظهر كيس أسود عتيق يبدو بأنه السادس والذي يحتوي على الكنز الذي ستخرجه وأنا متلهف لرؤية الذي سيظهر بعد كل هذه العقد . رفعت المرأة عينيها العجوزتين إلي وهي تفض ما بجوف الكيس على الطاولة قائلة : يابنـي .. هذه نقود محروقة , ذهبت إلى البنك لأستبدلها , قالوابأنهم لن يستبدلوها قبل أن ألصق أوراقا بيضا ء موضع الأماكن المحروقة وأرشدوني إلى مكتبتك . وفي لحظة نزلت كل الأوراق النقدية المحروقة الأطراف على الطاولة تفوح منها رائحة الحريق . نظرتُ في الكم الهائل من الأوراق النقدية المحروقة الأطراف وتمتمت في نفسي : إذن مهمتي تكمن في أن ألصق كل هذه الأوراق المحروقة وأجعلها صالحة للاستبدال , وعلي أن أستعجل قليلا لأن المصرف سوف يغلق بعد أقل من ساعة , وعندذاك لن يكون أمام هذه المسكينة إلا أن تعود غدا مرة أخرى وتلقى ذات العذاب , لكن لدي خبرة جيدة وقد قمت بذلك كثيرا بسبب قرب مكتبتي من المصرف المركزي . : أهلا وسهلا ياعمّة ستكون جاهزة بعد قليل اطمئني . وعندئذ ولدى مباشرتي بالمهمة التي سوف تستغرق نحو نصف ساعة بسبب كثرة الأوراق , بدأت ملامح الاستقرار تظهر على وجه وصوت المرأة وهي تتنفس الصعداء قائلة : يجزيك الله خيرا يابني .. أرحتني من هذا الهم . وصمتت تاركة في فيها بعض كلام . رفعتُ نظري إليها قائلا : اكملي ياعمة .. أتريدين أن تقولي شيئا ؟

قالت : أنا عمتك شمـس , جئت من قرية العطشانة التي تبعد خمسين كيلو مترا عن هنا , قلت لصاحب الباص الذي أوصلني بأنني لاأملك شيئا , ولكن عندما أعود معه في رحلة العودة سأعطيه الأجرين .

عرفت مارمت إليه وقلت : لاعليك ياعمّة . لكنها قالت : لايابني , هذا حقك وتعبك , وأنا إنشاء الله ذاهبة لبيت اللـه .

قلــــت وأنا منهمك في لصق الأوراق : إنشاء اللــه .

قالـت : هذا هـو حلمي الوحيد في الحياة يابنــــي الذي أرجو ألا يخيبني الله في تحقيقه , كثير من أحلامي لم تتحقق , بقيت نفسي في أشياء كثيرة وفقدت الأمل فيها , لكن هذا الحلم إن تحقق سوف يعوضني كثيرا , منذ ثلاثين سنة وأنا أحلم بأن تطأ قدماي تلك الأراضي الطاهرة , وأن تتنور عيناي برؤية الكعبة المشرفة , إن تحقيق هذا الحلم عندي يابني هو خير من الدنيا وما فيها , وأنت تعرف بعد عشرة أيام سوف تنطلق الرحلات وعلي أن أسجل اسمي في مكتب الحج والعمرة وأعطيهم الأجر حتى يعتمدونني للذهاب .

رغبت في أن أسألها عن سبب احتراق هذه النقود بعد أن علمت من حديثها بأنها النقود التي ستسافر بها , لكنني خشيت أن أسبب لها إحراجا وبعد صمت ليس بالطويل وأنا على وشك الانتهاء من اللصق قالت : أعرف بأنك تريد معرفة سبب هذا الذي أصاب النقود , وأعدك يابني بأنني عندما أنتهي من المصرف ومن التسجيل في مكتب الحج والعمرة سوف أعود لأعطيك أجرك وأقص عليك ماتود أن تعرفه .

هززتُ رأسي بالإيجاب وأنا أناولها حزمة النقود في كيس صغير جديد يحمل اسم المكتبة بعد أن غدت صالحة للاستبدال . تناولته العمّة كأنها تتناول كنزا ثمينا كانت قد أضاعته , وعلى الفور أخفته في بعض ثيابها وفتحت الباب لتخرج بأقصى سرعة راكضة تحت المطر صوب باب المصرف الذي يبعد نحو ثلاثمائة خطوة , وللتو تذكرت بأنها تمطر بغزارة وكنت قد نسيت تماما أمر المطر الغزير وكذلك أمر إبريق الشاي الذي نشف وهو يغلي على السخان دون أن أنتبه إليه . وضعتُ الإبريق جانبا وجلست على الكرسي متعبا لأنني أمضيت نحو نصف ساعة واقفا في العمل , ثم قلت : سوف أصنع الشاي الذي فاتني , منه أتدفأ ومنه أنتظر العمة ريثما تأتي لتقص علي قصة النقود المحروقة . نهضت حاملا الإبريق نحو خزان الماء الصغير الذي يقع بالقرب من الباب وإذ بذات الكيس الذي ناولته للعمة مرميا في زاوية الباب . تسمرت مكاني هنيهة غير مصدق ما أرى , ثم دنوت و مددت يدي إليه حتى تأكدت بأنه ذات الكيس الذي يبدو بأنه سقط منها وهي تخرج مسرعة من باب المكتبة , أو أنها لم تضعه جيدا في ثيابها فوقع على الأرض . حملت الكيس وأغلقت باب المكتبة خلفي منطلقا بسرعة ربما أشد من سرعة العمة صوب باب المصرف الذي لابد أن تكون قد وصلته العمّة للتو . وفي أثناء الجري لاأعرف مالذي حدث , شعرتُ بصدمة مباغتة أفقدتني الوعي . بعد مرور ستة أيام استردت وعيي ورأيتني في المشفى . عندئذ قيل لي بأن سيارة مسرعة اصطدمت بي على الطريق المقابل لمكتبتي وأن سائق السيارة موقوف . للتو تذكرت تفاصيل ما وقع لي وتذكرت أمر العمّة شمـس , تذكرت كيس النقود , وغدا كل شيء يراودني كحلم بعيد , وأيقنت بأن أحدا ما قد رأى كيس النقود على الطريق فأخذه لأنني كنت أحمله بكفي بشكل مستعجل لأعطيه للعمّة . في اليوم التالي أذن لي الطبيب بالخروج ولدى وصولي إلى البيت جاءني شخص وقال بأنه شقيق السائق الذي صدمني وهو حاليا موقوف ولن يُطلق سراحه إلا إذا أسقطت ادعائي الشخصي عليه بموجب الضبط الذي وضعته شرطة المشفى . وكانت الشرطة قد استدعت أهلي الذين تقدموا بالادعاء الشخصي نيابة عني . عدت مع الشخص بعد ساعة إلى مخفر وأسقطت ادعائي على السائق دون أن أطالبه بأي تعويض لأن تعويضي الذي أخذته هو أنني عدت إلى بيتي بسلام . ولكن بقيت الحسرة في قلبي على العمة شمس التي سوف تتألم كثيرا على ضياع حلمها . وكم رغبت فيما لو ملكت مثل هذا المبلغ لأقدمه للعمة حتى تحقق حلمها . فكرت بأن أطلب تعويضا من السائق لأعطيه للعمة شمس حتى تحقق حلمها به لأنه هو الذي تسبب في ضياع الكيس , ولكنني تذكرت قولها لي في المكتبة أنها كانت ترفض أي صدقة أو أي زكاة , وكانت رغم عجزها تعمل في حياكة الملابس لأهالي القرية وأحيانا تعمل في قطاف القطن وتربي الأغنام كي تذهب إلى الحج من جهدها الخاص . عدت إلى البيت حزينا كئيبا وأنا أعرف بأن الرحلات بدأت تنطلق نحو الحجاز وأن العمّة الآن هي أبأس مخلوق على وجه الأرض .. هل أذهب إلى القرية لأواسيها أم أستعجل لأستدين لها النقود , وإذا فعلت ُ ذلك هل ستقبل . تشتتت بي الأفكار دون أن أستقر على فكرة تخفف من حزني وألمي من جهة , ومن حالة الشعور بالذنب التي استبدت بي من جهة أخرى . في المساء بدأ الزوار يتوافدون للاطمئنان علي حتى الساعة العاشرة ليلا حيث بدأت الحركة تخف في البيت ولم يبق غير أخوتي وأقربائي , عندذاك سمعنا صوت الباب فنهض أحد أخوتي لفتحه وإذ بالسائق مع ثلاثة من أقربائه يقبلون ويعتذرون عما حدث , ثم تقدم مني السائق وقبلني على خدي شاكرا إسقاطي الإدعاء الشخصي عليه قائلا بأنه سوف يتكفل جميع المصاريف التي أنفقتها في المشفى . عندها قلت بأنه لو أراد أن أكون راضيا ينسى هذا الأمر , فيكفي بأن الله قد أعادني إلى زوجتي وابنتي الوحيدة سالما وهذا هو التعويض الأكبر على ما أصابني . ولكنني قلت له أن يشرح لي كيف حدث ذلك فقال : كان الوقت نحو الظهر والمطر منذ أكثر من ساعة يهطل بغزارة , وكان موعد الباص الذي سيأخذ أخي وابنه المريض إلى العاصمة في ذاك الوقت , فجأة وأنا في الطريق إلى وداعهما رأيتك مسرعا كالسهم , لم يعد الوقوف ممكنا رغم أنني كنت أسير ببطء بسبب المطر وتراكم المياه في الطريق , ولكن رغم ذلك أحسست بأن الصدمة كانت قاسية عليك . وقفت مكاني وحملتك إلىالسيارة , لم يكن هناك أحد في الشارع ليساعدني في تلك اللحظة , في لحظات خاطفة استطعت أن أحملك وأضعك في السيارة وأظن عندما تحركت خرج بعض جوارك من محلاتهم , كنت ماتزال تمسك كيسا بيدك , وضعت الكيس في جيبي وسلمتك للمشفى , ثم سلمت نفسي للمخفر .

نسيت كل كلمة قالها هذا الرجل وانتفضت فرحا من الفراش : أتقول بأن الكيس عندك ؟ .

قال : أجل عندي واعذرني لأنني فتحته ونظرتُ فيه بعد ثلاثة أيام من وجوده معي في السجن وكان ذلك بدافع حب الاستطلاع , وعندها عرفتُ بأنك كنت ذاهبا إلى المصرف لتستبدل هذه النقود . ثم مد يده إلى معطفه الأصفر السميك وناولني الكيس : هذه هي أمانتك . نظرتُ إلى الكيس غير مصدق , أجل إنه ذات الكيس الأبيض الذي يحمل اسم مكتبتي , نظرتُ إليه وكأنه كان في عالم آخر وعاد إلي . ثم مددت ُ يدي أتناوله من يد الرجل كما لو أنني في حلم , نظرت إليه بشوق وهوبين يدي هذه المرة , ولا أعرف لماذا نزلتْ دموع من عينَي بغزارة عجزت عن مقاومتها أو التخفيف من غزارتها . قفزتْ صورة العمة شمس إلى مخيلتي , العمّة شمس التي كافحت ثلاثين سنة من أجل أن تحصل على هذا الكيس الذي سوف يحقق حلمها الوحيد في هذا العالم قبل أن تودعه , وهي التي ستخرج من هذا العالم محسورة على أحلام كثيرة لم تتحقق وفقدت الأمل في أن تتحقق . هذا الكيس الذي سوف يقدم لها تعويضا عن كل أمنيات العمر الفائت الذي مضى على أمل تحقيق أحلام غدت سرابا , وكم كانت تعيسة وهي تقول لي بأن حلما واحدا من حياتها لم يتحقق رغم بلوغها السبعين . وددت فيما لو حدثت معجزة إلهية وجعلتني في هذه اللحظة بين يدي العمّة شمس لأناولها الكيس وأقول لها : مازال هناك أمل لتحقيق الحلم الأخير . مضت لحظات غاية في السعادة لفتني في محرابها . شكرت الرجل الذي يبدو بأنني غبت عنه وقد تهيأ للاستئذان بالانصراف , شكرته وأنا أعلم أن كل العبارات التي خرجت من فمي لم تكن كافية للتعبير عن مشاعر الشكر نحوه . وضعت الكيس تحت الوسادة التي أنام عليها , لكن أي نوم ..أي نوم يدنو من عيني وأنا أعد اللحظات حتى يطلع الضوء .. لبثت ُسهرانا حتى تسربت خيوط مضيئة من خلف غيوم داكنة إلى الغرفة ولاأصدق أن أحدا كان ينتظر هذه الخيوط باللهفة التي انتظرتها . نهضت من الفراش ونهضت زوجتي تسألني بدهشة عما أفاقني في هذا الوقت المبكر . قلت لها بأن علي الخروج حالا وقد أتأخر في العودة . قالت : أين ستذهب وأنت ماتزال بحاجة إلى أيام من النقاهة ؟!

قلـت : خروجي هو نقاهتي الوحيدة . ولكنها أنبهتني إلى الوقت المبكر الذي لايصلح للذهاب إلى أي مكان . وللتو أدركت بأن جميع مكاتب الحج والعمرة مغلقة الآن .إضافة إلى أن المصرف الذي سوف أستبدل فيه النقود مغلق ولايفتح قبل الثامنة . انتظرت إلى أن ارتفعت الشمس قليلا وخرجت في السابعة , وصلت مكتبتي ولم تكن لي رغبة بفتحها ولو من باب إلقاء نظرة سريعة , وقفت قليلا أمام باب المكتبة واتجهت إلى المصرف الذي بدأموظفوه يلجون إليه للتو . كان الموظف المختص بتبديل العملات التالفة على معرفة بي , سألني عن صحتي بعد الحادث وما أن وقعت عيناه على النقود حتى قال : يا جاري أليست هذه نقود المرأة العجوز التي أتت منذ أسبوع ؟ قلت : بلى هي نقودها .

قال : المسكينة يومها أتت ومعها كيس النقود , كان غير هذا الكيس , أرشدتها إلى مكتبتك لتلصقها , وقلت لها بأنني سوف أنتظرها إلى أن تأتي . عادت بعد نحو نصف تمد يدها لتُخرج الكيس , لكنها لم تجده . بحثتْ بين ثيابها المبلولة مرات عديدة ولم تجده . قلت لها رغم أن الدوام كاد ينتهي لكنني سأنتظر فقالت بأنها ستبحث في الطريق الذي أتت منه ولابد أنه قد ارتمى منها وهي متجهة إلينا . غابت نحو نصف ساعة وعادت بخفَي حنين . أغلقتُ مكتبي في المصرف وخرجت معها نبحث عن الكيس وكان المطر قد خف قليلا وتحول إلى رذاذ خفيف , جبنا الطريق جيئة وذهابا مرات عديدة ولم نعثر له على أثر , ثم قلتُ لها : لنسأل صاحب المكتبة .. قد يعلم شيئا . ولكننا فوجئنا ببعض جوارك من أصحاب المحلات يروون ماحدث ويقولون بأن السائق في غمضة عين حملك إلى المشفى . كان الرجل يتحدث ويعد النقود إلى أن وضع حزمة نقود جديدة في يدي قائلا : وماذا ستفعل ؟

قلت وأنا أودعــه : سأبحث عن العجوز .

هرعت إلى أقرب مكتب للحج والعمرة وقلت بأنني أريد أن أحجز لشخص ذاهب إلى الحج , سألوني بعض الأسئلة , ثم طلبوا بطاقتها الشخصية لأخذ المعلومات عنها , أما بقية الاجراءات فسوف يقومون بها على جناح السرعة . مرة أخرى وقعت في حيرة من أمري , لكنني أعطيتهم اسمها الأول الذي أعرفه مع كامل الأجر وقلت : سوف تأتي مع بطاقتها الشخصية يوم السفر . قالوا لي بأنها تأخرت كثيرا عن التسجيل , وكان عليها أن تأتي قبل أسبوع على الأقل لاتمام إجراءات السفر , لكن مادامت امرأة عجوز في السبعين من عمرها سوف يفعلون ما باستطاعتهم من أجل أن تسافر بالطائرة التي سوف تقلع مساء الغد .

شعرت بأنني نزعت حملا ثقيلا عن كاهلي وخرجت من المكتب , تذكرت بأنها ذكرت اسم قرية العطشانة . وعلى الفور أخذت سيارة خاصة لتوصلني إلى ذات القرية . كانت الساعة قد بلغت العاشرة عندما انطلقنا نحو تلك القرية التي تبعد خمسين كيلو مترا ولحسن حظنا أن طريق القرية كان مفروشا بقليل من البحص ووصلناها بيسـر . قرية صغيرة مؤلفة من عشرة بيوت , كل بيوتها طينية بما فيها المدرسة , ولم يكن هناك أي إشارة تدل على أن فيها ماء أو كهرباء أو هاتف . عند المدخل ركض إلينا كلاب بشراسة وكأنها تريد أن تنهش عجلات السيارة . دخلنا القرية ووقفنا أمام أحد البيوت فتركتنا الكلاب بعد أن تقدم رجل وهو يبعدها عنا . لدى نزولنا من السيارة وسلامنا على الرجل خرج أطفال ونسوة ورجال من البيوت يتقدمون إلينا . ودون أي سؤال باشرنا ذات الرجل : أهلا وسهلا بكما .. تفضلا . وأدخلنا بيته , أشعل المدفأة التي تعمل على الحطب والتي كانت مطفأة , ثم قدم إلينا إبريقا من الشاي . وبعد قليل امتلأت الغرفة بسكان القرية فقلت بأنني أريد أن أرى العمّة شمـس . صمت الرجل صاحب البيت وظهرت على وجهه علامات الحزن . قلت : أليست العمة شمس من سكان هذه القرية ؟

قال رجل آخر : نعم من سكان هذه القرية .

قلـت : وأيـن هــــي ؟

وصمـت هـو الآخـــر . تسـرب يأس إلي وأنا أتخيل بأن العمّة قد أصابها مكروه ولكن صوت رجل آخر بدد هذا اليأس وهو يقول : العمّة شمس موجودة في قرية الحصّادة . ثم خرج صاحب البيت عن صمته الطويل قائلا : نحن نستطيع أن نوصل لها ماتريد .

قلت : لا .. أريد أن أراها للضرورة .

قال : الطريق إلى قرية الحصّادة غير سالك وملي ء بالمستنقعات .. من الصعوبة أن تصلها السيارة , أما إذا كان الأمر هاما فنرسل إليها لتأتي بالحمار .

قلت : واللــه الأمـــــر هام , لكن هل المسافة بعيدة ؟ .

أجاب رجل آخـر : إنشاء الله خلال ثلاث ساعات ستكون العمّة شمـس هنا .

قال لي السائق هامسا : إن لم يكن الأمر هاما قله لهم وسوف يخبرونها به لأن الانتظار سوف يزيد من أجري .

أجبته بذات الهمـس : الأمر هام ولايجوز إلا أن أراها .

وأشار الرجل لولده بأن يركب الحمار على جناح السرعة ويتجه إلى قرية الحصّادة ليجلب العمّة شمس قائلا له بحزم : لاتتأخر ياجيلان , اجلب العمة بسرعة . ونهض جيلان ذو البشرة الشقراء والعينين الزرقاوين والربيع الخامس عشر مستجيبا لأمر أبيه تلحقه وصايا الأب إلى الخارج : البس معطفي ياولد ولف رأسك بالشماغ حتى لاتبرد واحمل معك العصا . وبعد دقائق قليلة نهض الرجل ويبدو أن أحد الجالسين قد علم سبب نهوضه فقال : لاتكلف نفسك يا أبا جيلان , غداء الجماعة عندي . عندئذ تسرب لي ريب بأ ن أبا جيلان هو أكثر سكان القرية فقرا وحاجة ,

ولكنه أجاب حاسما الأمــر : لا واللـه لن أعطيك ضيفـَي , ولن يخرجا من البيت قبل أن يتغديا فيه , لدي ديك حبش وهو من نصيبهما . ووجه هذه المرة كلامه إلينا : هل تريدانه على برغل أم على ثرود ؟

قلـت : لاتكلـف نفسـك يا أبا جيـلان .. يكفي استقبالك هذا لنا .

ولكنه أعاد العبارة بإصرار أشـد . عندها نظرت إلى السائق ليجيب هو على السؤال فقال دون تردد : إن لم يكن من الأمر بد فليكن على برغل .

غاب الرجل بضعة دقائق عنا وعاد بعد أن أنجز ذبح الديك وسلّمه للنسوة ليقمن بمهمتهن , وبعد لحظات من دخوله طرقت إحدى النسوة الباب فنهض الرجل إلى العتبة ليتناول من يد نسائية سفرة عليها فناجين قهوة . قال أحد الجلوس : مسكينة العمّــة شمس لم تذق يوما حلوا في حياتها , تزوجت مرتين ولم يرزقها الله بأطفال . بقيت وحيدة في بيت زوجها الثاني بعد وفاته .. كانت تقول بأنها لاتريد من ربها شيئا غير أن يرزقها قبل وفاتها بزيارة بيته الحرام , وكانت دوما ترفض صدقات الناس وتقول بأنها تريد أن تذهب إلى تلك الأراضي الطاهرة بتعبها وعملها وليس بتعب وعمل الآخرين . ثلاثون سنة وهي تنظر في السجادة التي اشترتها وعلقتها على حائط بيتها القبلي والتي تحمل صورة الكعبة المشرفة وتتخيل أن تتحول هذه الصورة أمام عينيها إلى حقيقة ذات يوم , كنا نزورها في البيت وكانت تبكي وهي تنظر في السجادة وتقول : لاأريد من ربي غير أن يرزقني بزيارة هذا المكان المبارك .. ساجلب لكل أهالي القرية الهدايا والذكريات من الأراضي الطاهرة , سأجلب المسابيح والقبعات والخواتم والجلابيب البيضاء وماء زمزم والتمر , لن أترك أحدا من سكان القرية إلا وأعطيه هدية من أرض الحجاز . هذه السنة قالت بأنها سوف تذهب إلى الحج وقد يسر الله لها أمرها بعد انتظار ثلاثين سنة , لكن أولاد الحرام عندما سمعوا بأمر ذهابها هجموا عليها في الليل وهددوها بالقتل إن لن تعطهم النقود التي سوف تحج بها . قالت لهم : اقتلوني ولن أعطي النقود , لأن الموت هو أهون من ذهاب حلم العمر الذي عملت من أجله ثلاثين سنة .

كانوا ثلاثة شبان ملطمين كما تقول العمّة وعندما بلغهم اليأس قالوا بأنهم سوف يحرقون البيت بما فيه لتحترق هي وتحترق النقود معها . ولم ترشدهم على المكان الذي تخفي فيه هذه النقود , قاموا بتكميم فمها ورشوا بعض الكاز على الفراش الذي تنام عليه كما تروي , ثم امتدت النيران إلى أرجاء الغرفة وهم يقولون بأنها لو أرشدتهم إلى موضع النقود سوف يخرجونها , ولكنها أبت ذلك إلى أن تناهت أصوات رجال رأوا الدخان يتسرب من بيت العمّة فهرب الشبان الثلاثة وأقبل الرجال يخرجون العمّة تاركين البيت تأكله ألسنة النيران . لم تنم العمّة حتى الصباح وعندها هرعت إلى بيتها المحروق برفقة رجال القرية , أرشدتهم إلى موضع النقود التي كانت في علية مغلقة , فأخرجوها وفرشوها أمام العمّة , لكن أحد الرجال قال لها بأن المصرف يستبدل النقود المحروقة والتالفة بنقود جديدة . وما إن سمعت العمّة هذا الكلام حتى جمعت النقود في كيس ونزلت المدينة . أضاف رجل آخر : لكن المسكينة أضاعت النقود في المدينة وعادت يائسة , قالت بأنها ترفض أن تقيم في هذه القرية يوما واحدا بعد أن فقدت الأمل بحلمها في الذهاب إلى الحج وعرفت بأن العمر لم يعد يمهلها لتعمل من جديد وتجمع مايمكن أن تحقق به حلمها . قالت بأنها سوف تمضي ماتبقى من عمرها في قرية الحصادة وأوصت أن تُدفن هناك عندما تموت .

عند الظهيرة كان الغداء جاهزا فأدخل مضيفنا بساطا أزرقا ومده وسط الغرفة ووضع عليه سفرة البرغل واللحلم إلى جانب بعض البصل اليابس والمخلل وكاسات اللبن . نهض بعض الجلوس للخروج لكن أبا جيلان أقسم بأن الجميع لابد أن يبقى ويشاركنا الغداء , تجمعنا على السفرة , وأنا أتناول الطعام بشهية قلت لأبي جيلان : كيف تصنع النسوة مثل هذا الطعام اللذيذ ؟

أجاب وهو يأكل ويقول : بالصحة والعافية .. هذا طعام مطبوخ على الخشب .

لم ننته من تناول الطعام حتى تناهت أصوات أطفال تقول : جاء جيلان مـع العمّة شمـس .

خفق قلبي فرحا وقال أبو جيلان : وصلت العمّة شمـس . انتظرت أن تدخل بيد أن ذلك لم يحدث حتى فرغنا من الطعام وغسلنا أيادينا , عندئذ دخلت العمّة باحثة بعينيها بين الجلوس حتى وقعت علي . نهضـت وأنا أصافحها فقالت : أنت صاحب المكتبة . أومأت ُ رأسي بالإيجاب فبركتْ حدي . كانت فرصة لأنظر كم أن الإنسان قابل للتغيير الهائل في أيام قليلة , كانت شاحبة للغاية , أو لأقل بدت أمامي وكأنها خرجت للتو من مقبرة , يوحي منظرها لي بأنها غابت عني سنوات وليس بضعة أيام , لقد بدت الشيخوخة عليها ضعف ما كانت بادية عليها عندما رأيتها منذ أسبوع وهي كتلة من الحيوية تجري تحت المطر الغزير وتنتصب أمامي بلياقة بدنية , حتى وجهها كان يوحي بالحياة لأنها كانت سعيدة باستعدادات السفر لتحقيق حلم العمر رغم أنها كانت خارجة للتو من حريق . بدت امرأة لاتنتظر شيئا , فقط تنتظر أيامها القليلة الباردة لتخرج من الحياة بدون أسف . لم تفه بحرف واحد وأنا أنتظر أن تبادر بالسؤال عن سبب حضوري إليها , وعندذاك لم أتردد من مد يدي إلى سترتي وأخرج الكيس وأضعه أمام العمّة . صوّبت العمّة نظرة عميقة إليه ورأيت وجهها يتبدل كالسماء الغائمة التي تصحو بتسرب خيوط الشمس , الجميع صوب نظره إلى الكيس وساد سكون في الغرفة كلها رغم وجود نحو عشرة أشخاص . افتر ثغر العمة عن بسمـة ثم رفعـت نظرها إلـي هازة رأسـها بفرح ملأ وجهها . فهززت رأسـي بأنه هو ذات الكيس المفقود . تسرب إلي شعور بأنها رغبت بقوة لمد يدها إليه والنظر إلى النقود للتأكد , ولم تفعل ذلك لسبب أجهله فقلت لها : إنه كيسك ياعمّة , لقد بدّلت النقود في المصرف وحجزت لك في مكتب الحج والعمرة وطائرتك سوف تقلع مساء الغد . : سأذهب إلى الحج .. قالتها بنبرات مليئة بالفرح وهي تغمرني بنظراتها . قلت : ستذهبين ياعمّة غدا وأنا جئت لآخذك معي إلى المدينة حتى يستكمل المكتب إجراءات سفرك بموجب البطاقة . دبت حيوية غريبة فيها واستأذنتنا لبعض الوقت . كانت الساعة قد شارفت على الثالثة عصرا , شربنا الشاي واستغرق غيابها عنا نحو ثلاثة أرباع الساعة حتى ظهرت مختلفة عما كانت عليه , كانت قد أمضت الوقت في الاستحمام وتغيير ثيابها بثياب جديدة يبدو أنها استعارتها من نسوة القرية , حتى الحذاء كان جديدا . صعدنا السيارة وودعنا أهالي القرية متجهين نحو مكتب الحج والعمرة الذي وصلناه مع تسرب خيوط المساء إلى الطرقات . هناك أخذوا صورة عن بطاقتها الشخصية وطلبوا صورتين شخصيتين لها جلبناهما في أقصى سرعة وبصمت العمّة على بعض الأوراق , ثم قالوا بأن كل شيء تم وأن حجزها في الطائرة التي تقلع نحو الديار المقدسة عند الساعة الثامنة من مساء الغد أصبح جاهزا , وهناك ستجد من ينتظرها ويرتب لها إجراءات الصعود إلى الطائرة .

عدنا إلى البيت وقدمت العمّة لزوجتي اوابنتي فرحبا بها بحرارة , وجلسنا نتعشى ونتسامر إلى وقت متأخر من الليل احتفاء بالضيفة التي ستتجه غدا إلى الحج . في الصباح تناولنا طعام الفطور واتجهنا نحو العاصمة التي ستنطلق منها الطائرة . في المطار نظرت العمّة إلى الطائرة قائلة : هذه هي الطائرة التي ستأخذنا إلى الحج ؟

قلت : أجل ياعمّة هذه هي .

قالت : سبحان الله .. كنت منذ ساعات أركب الحمار والآن أركب الطائرة , كم هو جميل منظرها .. هذه أول مرة أرى طائرة في حياتي .. ثم أردفت : هذه أول مرة أخرج فيها من مدينتي . وصعدت العمّة الطائرة التي ارتفعت بعد قليل متجهة نحو الحجاز .


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
اكبر مجموعة قصصية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
zankalooni :: منتدى القصص القصيرة-
انتقل الى: