منتديات زنكلوني الأدبية ...شعر ..قصص قصيرة...روايات
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 النصف الاخر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سموحة

avatar

المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

مُساهمةموضوع: النصف الاخر   السبت ديسمبر 10, 2011 8:23 am

الجزء الأول

هل سيستطيع أن يعيش بقية حياته بشكل جيد دون امرأة , هل سيستطيع وكأن ليست ثمة نساء في العالم , أو أن التي يريدها غير موجودة في هذا العصر . وهل حقا أن ثمة ظلمة في حياة الرجل مهما بدا له أنه في ضوء لايبددها إلا حضور زوجة ورفيقة درب .
إنه يدنو من الخامسة والأربعين وأقاويل كثيرة تثار حول خصوصية الحياة المنعزلة التي يعيشها , منها تسره ومنها تحرجه , وهي تصل بأشكال وتلميحات مختلفة سواء مباشرة أو غير مباشرة .
صديقه مدثر الذي تخلى عن شهادته الجامعية بعد الزواج بسنتين وغدا يعمل في التجارة الحرة يقول له كلما يلتقيان في مكان أو يزوره في البيت : أنت رجل محظوظ ياحنيف لأنك لم تتسرع مثلي وتقذف نفسك في حفرة الزواج , لوكنت تزوجت في الخامسة والعشرين مثلا لم تكن لتحلم بأنك سوف تصدر كتابا واحدا , ولم تكن لتحلم بكل هذه الأضواء المسلطة عليك . أنت الآن أهم ناقد في البلد , كل هذا حصل لأنك اتخذت الموقف الصائب وقررت أن تنذر حياتك لعملك فقط , عملك ولاشيء غيره . بالنسبة لي ياصديقي العزيز وقبل أن أبتلي بهذا الزواج الذي هو أكبر كارثة واجهت حياتي , كنتُ أعتبر أن أي زواج فاشل هو خير من عدم الزواج والبقاء عازبا , ووجود أي امرأة في العالم إلى جانب الرجل لهو خير من بقائه وحيدا دون امرأة ,كنت أقول بأن المرأة لولم تكن تسر فإن الأولاد عندما يأتون سيملئون علي الحياة بالبهجة , لكنني اكتشفت بأن الزوجة في البيت هي رأس السعادة , وهي رأس التعاسة . منذ لقائي الأول بها علمتُ بأن / مَيس / غبية وأحيانا كنت أرى بأنها أغبى امرأة أنجبتها حواء , لكنني رغم ذلك كنتُ أواسي نفسي بعدم وجود أفضل منها في حياتي وكأنني كنتُ على شفا حفرة وأن مَيس هي التي ستنقذني من تلك الحفرة , كان غباؤها يزداد يوما إثر يوم وكنت أقنع نفسي بالانسجام مع ذاك الغباء حتى اعتدتُ عليه لأنه جزء لاينفصل عن شخصيتها . كنتُ في كثير من المواقف أتغابى حتى أتساوى معهافي نمط التفكير لتجنب إشكاليات كثيرة لاتحُمد عقباها , وسنة بعد سنة كان علي أن أقبل بهذا الدور حتى تستمر حياتي الزوجية بعد أن كثر حولنا الأطفال . وياليتها أنجبت لي أطفالا يسرونني ولو قليلا , فهي تزرع فيهم سمات الغباء , وتزرع فيهم شخصيتها حتى أنني أحيانا أراهم صورا مصغرة عنها . أنجبت لي ست بنات , كل سنة كنتُ أقول لها بأننا سنحدد النسل ويكفي , وكنت أتفاجأ بها بعد شهرين تقول : أنا حامل , قد يكون ولدا . حتى أنني اعتدتُ سماع هذه العبارة التي ماعادت تعني لي شيئا لأن الزمام خرجت من يدي وبات من الطبيعي علي أن أسمع عبارتها كل سنة : أنا حامل , قد يكون ولدا . - وبيني وبينك حتى وجود الولد منها لم يعد يهمني - تخليت من أجلهم عن إجازتي الجامعية وكأنها لم تكن , نسيتُ القراءة , حتى كتبك التي تهديني إياها فإنها تستغرق ستة شهور حتى أقرأها , لم يعد أمامي غير أن أعمل وأرهق نفسي في العمل للبيت الذي كلما أعطيه يقول : هل من مزيد . وأي وظيفة يمكنها أن تلبي كل الحاجات المتراكمة على كاهلي , وهي التي توبخني كل يوم وتقول بأنها كانت تعيش في بيت أهلها في رغد , ولكنني أفرض عليها عيشة المتسولين , ورغم ذلك فهي تحتملني ليس من أجلي , بل من أجل الأطفال , ولكنها في حقيقة الأمر لاتريد أن يكون في جيبي شيئا حتى لاأفكر بالزواج , تصور إنها تقول : مادام يرزخ تحت طلباتنا فإنه لن يرى غير زوجته وبيته , النقود هي أجنحة الرجال للطيران من البيت والتحليق فوق بيوت أخرى . صار علي أن ألبي الطلبات التي تزداد على كاهلي يوما إثر يوم حتى رأيتني دخلت حياة جديدة لم يكن لي عهد بها وانسحبتُ من حياتي التي ألفتها تاركا كل الأحلام خلفي . ولم يعد لي عزاء من كل ذاك الماضي المجيد الذي كنت أعيشه قبلها غير هذه السهرات التي تجمعني مع أصدقائنا كل شهر وأستعيد فيها ولو شيئا من رائحة حرية ومجد الماضي الذي يرفرف في فضاء مخيلتي كحلم بعيد .
إن أردت أن يلحق الضرر برجل بينك وبينه خصومة لاتقل له غير : فليرزقك الله بزوجة غبية , ويكفيه ذلك أذى .
كل هذه العبارات تتردد في مسمعه كلما ينظر إلى امرأة ويخفق قلبه لها فيمضي وكأنه بلاقلب .
في العام الماضي عندما كرمته رئاسة الجامعة بمناسبة صدور كتابه السادس الذي ميزه بالقراءة الواعية للروايات التي تناولها وبنضج الرؤية النقدية التي يكتب بها , دنا إليه صديقه مناف وسط الحشد و أضواء كاميرات التصوير وضجيج التكريم قائلا بصوت شبه مرتفع وهو يدنو بفمه إلى أذنه : / الكتاب من حِلية الملائكة / وهذه السعادة التي أنت بها الآن بهذه المناسبة التي أنت نجمها كانت ستتضاعف فيما لو كانت إلى جانبك زوجة وأولاد يفتخرون بكل هذا التكريم الذي كانوا سيتقاسمون حلاوته معك ويعتبرونه تكريما لهم أيضا , وكنت ستشعر بسعادة أخرى غدا في البيت عندما كانوا يشاركونك مشاهدة هذا التكريم على التلفاز , كان الأولاد سيفتخرون بك أمام أصدقائهم وهم يخبروهم بموعد بث التكريم , وكانت زوجتك تخبر كل أقربائها وصديقاتها وتفتخر بك وكأن التكريم هو لها ولأولادها . سعادتك الآن ياصديقي ناقصة لأنك تشعر أن لاأحد يشاركك بها , ثم أردف بنبرة أكثر جدية قريبة من الأمر : يا أخي إن كنت لاتستطيع أن تجد لنفسك امرأة من كل هذه الجامعة التي أنت أستاذ نجم فيها , فدعنا نتصرف , / مهجة / سوف تختار لك زوجة مناسبة من بين صديقاتها .
قال له مبتسما : ولكن هل بمقدور الرجل أن يقع على امرأة كل يوم بحجم / مهجة / كما وقعت أنت عليها . وكان دوما يصارحه بأنه لو وجد امرأة شبيهة بمهجة لما تردد من الزواج بها لحظة واحدة . يذكر أنه بعد تخرجه بثلاث سنوات جاءه مناف يقول بأنه وقع مصادفة على فتاة سحرته بكل شيء فيها , كان يتحدث عنها كما لو أنه يتحدث عن امرأة ليس لها وجود إلا في الحلم , وشاء أن يعرّ فه بها عندما زاراه في البيت , وعندها أدرك كم أنه سيكون محظوظا مع تلك المرأة , وكم ستكون محظوظة معه . يذكر بأنه عندما قدمها له لأول مرة قال : هذه مهجة , وجدتها على الأرض , ثم بعد الجلوس شرح له كيف أنه فقط في الأسبوع الماضي تعرف عليها عندما زارته في العيادة بسبب بعض التشنجات في المعدة , وعرف بأنها معلمة تخرجت للتو وتدرّس في قرية نائية , لم يكن وضعها الصحي يستوجب المراجعة لكنه قال لها بأن تعود بعد غد , وعندما عادت قال لها بأنه رأى بأنها هي زوجة المستقبل وقد أمهل نفسه يومين حتى يتخذ قرارا كهذا , فقالت بأنها شعرت معه ذات الشعور وأدركت أن عودتها السريعة هذه ليست من أجل المراجعة قدر ما هو بسبب أمر آخر . كان القرار سريعا لأن كل واحد أدرك بأنه يعرف الآخر منذ عشرات السنين , أجل ما يزال يذكر ذلك جيدا وكأنه وقع ليلة البارحة رغم مرور عشر سنوات عليه وقد نتج ذاك الزواج عن طفلة هي الآن في الثامنة من عمرها وهي شعلة من


الموهبة نالت في السنة الماضية الجائزة الأولى على أطفال الشرق الأوسط بالعزف على آلة البيانو وكانت إحدى الدول هي التي دعتها مع أبويها لحضور حفل التكريم ، كانت بطلة تمثل بلدها وهي في هذه السن .
قال مناف وهو يقطع كل هذا السرد في مخيلته : ما عليك غير أن تكون جادا ياصديقي وتبحث أو تدعنا نبحث وستجد المرأة التي تجعلك تندم على كل يوم عشته في ظلام دونها .
بعد انتهاء الحفل عاد إلى البيت منفردا لأن الأصدقاء والزملاء قرروا أن يتركوه لوحده حتى يأخذ قسطا من الراحة بعد إرهاق حفل التكريم الذي استغرق نحو ست ساعات . في الطريق أحس بأنه يمضي في بحر بلا قرار , ولأول مرة راوده شعور بالتيه لم يعد يدري معه أين يتجه رغم أنه يمضي في طريق البيت , ولكن قوة شخصيته أنقذته من التشتت فلبث مستمرا في ذات الطريق وهو يردد في نفسه : تذكر دوما يا حنيف أن الهموم لاتتكاثر على شخص إلا إذا أرادت أن تسقط عنه , وكلما تكاثرت واشتدت كان وقعها أخف على النفس . تمهَّـل قليلا ليسترد بعض هدوء نفسه وألقى نظرة إلى السيارة الفارغة , تخيل للحظات امرأة تبرك جواره وتهنئه بالتكريم و صدور الكتاب الجديد الذي أهداه إليها , وطاب له أن يستغرق في الخيال فيقول لها : ثلاث سنوات وأنت تعينينني على العمل في هذا الكتاب حتى خرج إلى النور , كنت تجمعين القصاصات وتكتبينها في الحاسوب , كنتُ أحيانا أنهض في الثالثة صباحا عندما توقظني فكرة فأكتبها على قصاصة في الفرش , وفي الصباح عندما أنهض أراها في الحاسوب , كنتِ أحيانا تأتين لي بأفكار جديدة تغني الكتاب , أجل لقد كنتِ شريكتي الحقيقية في هذا الكتاب وكيف لاأهديه لك . ويهتف طفله من المقعد الخلفي : متى يظهر الحفل في التلفاز بابا حتى أخبر أصدقائي في المدرسة .
ينتابه شعور عميق باليتم وهو يشعر أن لاأحد شاركه هذا التكريم تلك المشاركة الحميمية التي تهز القلب بكل مافيه من خفقات , وكما أنه يمضي وحيدا في سيارته , فإنه كذلك يمضي وحيدا في نجاحاته وفي الحياة برمتها , وبدا له للحظة أنه يمضي وحيدا في عتمة خريف طويل , وللتو بدأ يتذكر تفاصيل الرسائل القصيرة والمقاطع الموسيقية المنتقاة وصور الزهور المحببة إليه التي يتلقاها منذ سنة من خلال هاتفه المحمول , كانت تصل وكأنها لم تصل , يتصفحها على عجل ويتركها في الذاكرة , أحيانا كان يستمتع بالإستماع إلى المقطوعات الموسيقية وما إن تنتهي حتى ينسى كل شيء وكأنها بُثت من إذاعة . إنه يدرك بأنها على الأغلب إحدى طالباته اللواتي هن في سن المراهقة , تفعل ذلك لمدة وتنصرف كما لو أنها تلهو بلعبة مسلية في وقت فراغ , حدث له ذلك كثيرا خلال سنوات وجوده في هذه الجامعة , وكان دوما يصر على تجاهلهن وكأن شيئا لم يكن , وحتى لو تمردت إحداهن واعترضت طريقه أو وقفت له صباحا أمام باب بيته ليضطر أن يحدثها فإنه يبتسم قائلا : لو تزوجت لكانت ابنتي الآن بعمركِ . يقول ذلك وهو مدرك بأن الطالبة على الأغلب تكون معجبة بشخصية معلمها , ليس معلمها في التعليم فقط , بل في كل مكان , فهي على الأغلب تكون معجبة بشخصية مديرها في العمل حتى لو كان طبيبا أو مدير دائرة , أو حتى صاحب مصبغة ثياب مادامت هناك إمكانية لتظفر بالزواج منه , وهي لاتكون معجبة بالشخص قدر إعجابها بالمكانة التي يشغلها , وقد يكبرها بثلاثين سنة , أو يصغرها بثلاثين سنة , قد يكون جميلا , وقد يكون دميما , وقد تكون جميلة وقد تكون دميمة , وعندما تخرج من تحت هذه الإدارة فإن كل شيء ينتهي بالنسبة إليها , وهو أيضا عندما ينتقل من هذه الإدارة فإن مشاعر هذه المعجبة تنتقل إلى المدير الجديد لأنه الآن هو الذي يشغل هذا المكان . وهنا يكون أمام فئة من المدراء أن تستغل هذه المواقع لبناء علاقات متعددة مع مثل هذا النمط من الفتيات اللواتي على الأغلب يعانين من نقص في عناية الآباء بهن , وكذلك من فراغ عاطفي , وهنا يدخل مثل هذا المدير في دائرة الإدمان فيميل إلى تبديل مرؤوسته كل فصل سواء كان عمله في دائرة حكومية أو في عمل خاص , وهو يرفض المرأة التي لاتستجيب له منذ الأيام الأولى حتى لو تسبب في قطع رزقها وفصلها نهائيا من العمل فقط لأنها لاتعاني نقصا ولاتعاني مرضا نفسيا كذاك ولاتلبي له رغبته , وعلى الأغلب فإن مثل هذه المرأة تضحي بعملها وحتى بمستقبلها المهني من أجل ألا تفقد توازنها التي نمت عليه , لأنها عند الخطيئة الأولى يمكن أن تتجه إلى أقرب نهر فترمي نفسها به , أو إلى أقرب عجلات سيارة , أو إلى أقرب مأخذ كهرباء بدل عودتها إلى بيتها وعائلتها .
عندما أصبحت هذه الرسائل عادة يومية , تذكر ذات مرة بأنه حين ذهب إلى مكتب الشركة ليسدد قيمة فاتورته , سأل الموظفة عن اسم صاحبة الرقم الذي ترد منه هذه الرسائل , فأبت الموظفة ذلك لأن التعليمات لاتسمح لها بإعطاء مثل هذه المعلومات وقالت حينها : ليست لدينا صلاحيات بذلك يا سيدي , أما إذا كانت هناك إزعاجات مستمرة فيمكن لنا أن نعالجها في حال تقدمك بشكوى رسمية إلى الشركة وسوف نقوم بإنذار صاحب الاشتراك وننبهه حتى لايكرر هذا الإزعاج . عندها قال بأن ذلك ليس أكثر من الرغبة في المعرفة ولم يصل الأمر إلى تقديم شكوى . ولكن في ذات اللحظة أدرك بشيء من الاهتمام , ثم مالبث أن نسي الأمر وشعر بحرج أمام نفسه لأنه بادر إلى السؤال وكان عليه أن يبقى متجاهلا الأمر . أوقف السيارة جانب البيت ذو الأضواء الخافتة وقبل أن يتجه تلقاء الباب , أنس طفلا في نحو السابعة من عمره يقف قبالته . تسمّرت به قدماه على الأرض وهو يحدج الطفل بنظرات مريبة , ولبث الطفل أيضا يبادله نظرات فيها الكثير من العتاب دون أن يتبادلا كلمة واحدة . أراد أن يتجاهل مايرى فمد قدمه صوب باب البيت بخطوة بطيئة عندذاك بادره الطفل : ألم تعرفني ياسيد حنيف , هل نسيتني بهذه السرعة , لا ياسيد حنيف ليس لمصلحتك أن تنساني مهما تراكمت عليك الأعمال ومهما بدا لك بأنك ناجح في عملك وناضج في الحياة . هاقد جئت إليك لأمد لك يد المساعدة في هذا الوقت الذي يعجز العالم كله أن يقدم لك شيئا يخفف عنك . صحيح أنني طفل صغير , وأنك رجل بلغت مرحلة النضوج وتقف على تجارب حياتية وخبرات تعلمت منها كثيرا ولكن رغم كل هذا الفارق بيننا فليس لك غيري ياصاحبي وليس لي غيرك مهما ابتعد أحدنا عن الآخر , ومهما أراد أحدنا أن يتخلى أو يتعالى على الآخر .
لم تكن ملامح هذا الطفل الوديع غريبة على مخيلته , ومن جديد صار يحدّ ق في سمات وجهه تحت الأضواء الخافتة في الشارع محاولا أن يسترد في ذاكرته أين سبق له أن رأى هذا الطفل الصغير , وما الذي أتى به في هذا الوقت المتأخر من الليل وهو طفل صغير كان من المفترض أن يكون نائما الآن كأقرانه , وما الذي يريد منه حتى يعترض طريقه أمام باب بيته . بيد أن الطفل قال بلهجة الرجل الواثق من نفسه : لاتشردبي طويلا ياحنيف , وهذا لايسبب لي أي إزعاج , كنتُ واثقا بأنك نسيتني ولن تتذكرني بهذه السرعة , أنا الذي ما غبتَ عني لحظة واحدة خلال كل فترة الفراق هذه التي تسببتَ بها أنت , كنت تظن بأنني لم أعد ألزمك بشيء ولذلك تخليت عني , ولكنك كنت على خطأ يا صاحبي , كل ما لقيته في حياتك من شقاء وتشتت وظلام كان سببه تخليك عني وإصرارك على نكران كل جمائلي عليك , لكن لابأس فلا أحد لك في كل هذا العالم غيري , ولا أحد لي في كل هذا العالم غيرك . لايدري أي أنسام بدأت تهب عليه وتجعله يشعر بنشوة غامرة , أنسام بدت تحمل رائحة عزيزة لديه . تقدم إلى الطفل الصغير ليكون أكثر قربا منه لعله يتعرف إليه أكثر , ويشكره لأنه بالفعل استطاع أن يغيره في هذه اللحظات القليلة , ولكن الطفل هرولت به قدماه إلى أن وارتاه في سحر العتمة الحالكة . لبث واقفا علّ الطفل يعود إليه لأنه بالفعل أحس برابط قوي بينهما , وبحاجة ماسة لأن يتحدث إليه طويلا بعد أن يدعوه للدخول إلى البيت , ولكن طال انتظاره دون أن يظهر الطفل فولج البيت بخطا وئيدة وهويشعر بأنه كبر ونضج مائة سنة في دقائق معدودة , وراح يستذكر في مخيلته ملامح هذا الطفل التي بدت قريبة إليه بيد أنه لم يفلح في ذلك : أجل لقد كان قريب الشبه بك ياحنيف ليس من ناحية التفكير فقط , بل في الشبه أيضا , وكان يحدثك كما لو أنه يماثلك في السن , يناديك باسمك وكأن بينك وبينه صداقة عميقة , ولكن لماذا جرى منك عندما أردت الدنو منه ؟! أيقظه من شروده رنين هاتفه المحمول منبها بوصول رسالة , لايعرف لماذا خفق قلبه ورغب بقوة في قراءة الرسالة , دخل اغرفة مكتبه ولدى إنارة الضوء فتح الرسالة وبدأ يقرأ بلهفة : مبارك ياسيدي حفل التكريم الذي تستحقه , ومبارك الكتاب الذي قرأته حرفا حرفا ثلاث مرات لدى صدوره في الشهر الماضي , لقد قطعت مسافة ألف كم لأكون حاضرة في هذا الحفل .
أعاد قراءة الرسالة للمرة الثانية وقد وقع منه جسده على أقرب كرسي . أغمض عينيه ثم بعد قليل نظر في الجهاز وأعاد الرسائل الماضية التي وردت من هذه المرأة التي أنقذته في هذه اللحظات البائسة من شعوره العميق بالعزلة :
- أنت أعظم رجل رأته عيناي .
- مهما بدت الحياة مؤلمة فإنها تبقى مشرقة لأنها تحتوي على رجل مثلك .
- ليس من حقي أن أسألك الرد , لكن ليس من حقك أيضا أن تمنعني من أن أعبر عن شعوري نحوك .


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



الجزء الثاني

وعاد يستمع المقاطع الموسيقية التي أرسلتها وللتو اتنبه إلى المقطوعة المفضلة لديه / أنا لك على طول خليك لي , خذ مني عين وطل علي , وخذ الاثنين واسأل في / . أعاد سماع المقطوعة التي خففت عنه وراحت أصابعه تثبت المقطوعة لتكون نغمة رنين الهاتف , ثم بدأ ينظر في اللوحات ومناظر الزهور التي أرسلتها , وراحت أصابعه تثبت في الشاشة منظرا لزهرتين متفتحتين على جذع واحد , وراح صوب المسجلة , امتدت أصابعه إلى زر لتتناهى مقطوعة / رجل وامرأة / .
ثمة طفل يظهر لأول مرة ليقف إلى جواره ويكون لوجوده شديد التأثير لتخفيف حالة الكآبة المستبدة به , وثمة امرأة تعين ذاك الطفل على هذه المهمة وينجحا في تقديم حالة من النشوة والاستقرار النفسي إليه .
أحس بحاجة شديدة للإسترخاء في غرفة النوم , ولم يلبث أن سار نحو الغرفة الغارقة في الهدوء . استرخت كل مفاصله وتسربت إلى وحشة روحه نشوة عارمة مع هبوب اللحن , أشعل ضوءا خافتا واستلقى على ظهره في السرير , امتدت أنامله إلى المخدة وضمتها إلى حضنه , أحس للحظات بأنه أهدأ مخلوق في العالم ولم يسبق له أن تذوق حالة الهدوء الساكنة هذه بعد أن كان مضطربا منذ ساعة لايدري أين يتجه , وبدأت حواسه تتفاعل مع الموسيقى والضوء الخافت وحالة الهدوء العامة التي استكانت في محرابها . وفي لحظات أخرى تحولت المخدة إلى أنعم امرأة في العالم فبدأ يداعب شعرها الحريري , ويلصق خده بخدها الناعم . عندذاك انتهت المقطوعة الموسيقية ,ولايدي لماذا أحس بأنها لن تعود حاملة إليه ذات الهدوء وذات النشوة , فمد يده إلى الهاتف المحمول وبدأ يكتب لأول مرة إلى ذات المرأة : شـكرا لـك يا سيدتي على كل شيء .
نظر في العبارة , وبدا مترددا من النقر على زر الإرسال . هل تكون هي المرأة التي لبثت طوال عمري أبحث عنها , هل هي المرأة التي تأتي وتقول : ولكنني أنا مَنْ تبحث عنها , أنا التي أبحث عنك لتجدني , أنا هي المرأة القابعة في مخيلتك منذ ثلاثين سنة كالحلم الذي يأبى أن يتحول إلى واقع . بعد نحو نصف ساعة نهض صنع فنجانا من النسكافة وعاد يجلس على الكنبة , تشجع على إرسال الرسالة وفي لحظات ضغط على زر الإرسال . بعد ذلك أحس بحجم الإرهاق الذي بذله طوال اليوم , وأدرك للتو بأنه يقظ من السادسة صباحا وهاقد بلغت الساعة الواحدة ليلا , استلقى جسده الذي بدا عليه الإرهاق للتو في الفراش , صعد إلى رأسه خدر خفيف لذيذ وغار في نوم عميق . في التاسعة صباحا فتح عينيه وتمطى في السرير , أشعل المذياع كعادته ليسمع الأخبار الأولى وبعض الأغاني الصباحية واستعراض مواضيع الصحف المحلية . وفي أثناء ذلك نهض بشيء من الحيوية والنشاط ، مارس بعض حركات رياضية سريعة , أخذ حماما سريعا ثم تناول فنجانا من القهوة وقرر أن يمضي فترة الظهيرة من يوم العطلة هذا في طرقات المدينة وحدائقها سيرا على قدميه , بخروجه تناهى منبه المحمول ينبهه بوصول رسالة , تذكر للتو كل تلك الأجواء التي عاشها ليلة البارحة , وتذكر العبارة التي أرسلها لصاحبة الرسائل , توقف على عتبة الباب وفتح الرسالة : لتعلم ياسيدي بأنني كنتُ سماء مظلمة فأتت كلماتك حرفا حرفا لتملأ هذه السماء بنجوم مضيئة . وأي شرف عظيم تمنحه لي لتقول لي : ياسيدتي , بل أنت سيدي وستبقى سيدي يا سيدي . هز رأسه قليلا وأكمل مشواره نحو طرقات المدينة وحدائقها وهو يستمتع بغواية الأصوات الآدمية . المدينة التي تفتح له حضنها وتهدهده , تتحول إلى جسد كبير وهو يكتشف معالم هذا الجسد ويتذوق جماليته بعذوبة فائقة , وللتو أدرك سبب كل هذه اللهفة التي تدفع السياح من كل بقاع العالم لزيارة هذه المدينة العريقة والاستمتاع بمعالم جسدها البهي . عند الظهيرة تناول وجبة الغداء بشهية في إحدى تقاطيع الجسد وعاد إلى البيت منتشيا كأنه عاد من رحلة قام بها حول العالم .
مضت عشرة أيام دون أن يتلقى أي رسالة من صاحبة الرسائل وهي المرة الأولى التي تتأخر فيها عشرة أيام لترسل شيئا , راوده شعور بأنه كان اعتاد على رسائلها وحتى وإن لم يكن يرد عليها , كانت الرسائل تصل بين يومين وثلاثة أيام طوال سنة مضت . نظر في الوردتين المثبتتين في شاشة الهاتف وقال : حنّـت عيناي لقراءة رسالة جديدة منك .
تناهت نبراتها : ليستا أكثر من حنين روحي وأصابعي لكتابة هذه الرسالة .
أدرك من هذه الإجابة بأنها قامت ما قامت به وعليه أن يقوم بما عليه إن كان راغبا حقا في قراءة رسالة جديدة , لقد لبثت ترسل سنة كاملة دون أن تتلقى جوابا إلا مرة واحدة , وما الذي سيحدث فيما لو بادر هو ولو مرة واحدة , وما الذي سيحدث فيما لو أرسل رسالتين أو حتى عشر رسائل وهي تستمتع بالقراءة فقط دون أن ترد كما كان يفعل , أليس هذا هو الحب الذي لاحدود له , أليس هذا هو الحب الذي اعتاد العطاء دون أن ينتظر أي رد , الحب الذي يعبر عن قوته وعن عظمته بتلقائية الأطفال .
في المساء اتصل به مناف وقال : اليوم مهجة مصرة أن نتعشى عندك إن لم تكن مرتبطا بموعد . ياصديقي لقد اشتقنا إلى تلك الأجواء التي تمثل لنا أجمل أيام الخطوبة . رحب بحرارة بهما وببطلتهما الصغيرة أغاريد التي كعادتها تأتي معهما لتنام بعد نصف ساعة من بدء السهرة , فتقول مهجة : الحق عليك يادكتور لو تزوجت وأنجبت لأغاريد صديقة لتسلتا معا وملأتا علينا البيت بالضجيج , إنها تشعر بغربة في الجلوس مع الكبار فتفضل النوم . قام بترتيب البيت بعض الشيء واتصل بالمطعم يوصي على عشاء , ثم أخذ دشا وتهيأ لاستقبال ضيوفه . في التاسعة مساء دخل الضيوف فاستقبلهم وهو يحمل أغاريد قائلا : أهلا ببطلتنا الصغيرة .. مرددا عبارات الترحاب . قال مناف : عبارات الترحاب هذه لاتعفيك ياصديقي من أن أغلبك قبل كل شيء بلعبة شطرنج .
قال : حاضر ياصديقي , أنا جاهز لأن تغلبني , أنا وحيد وأنت معك أغلى شخصين في العالم , وكيف لاتكون أقوى مني وتغلبني .
مضت نحو ساعة في لعب الشطرنج فجاء طعام العشاء , أغلقا علبة الشطرنج وجلسوا جميعا لتناول العشاء بينما كانت أغاريد مستغرقة في النوم على الكنبة كعهدهم بها .
قال مناف : طعام طيب ياصديقي لكنه لو كان من صنع سيدة البيت لكان أطيب .
وعلـّقت مهجة : يبدو أن صديقك لن يتركك إلى أن تقتدي به . فقال : أظن الإقتداء به ليس خطأ كما كنت أظن .
قال مناف دهِشــا : أكمل .. أكمل قبل أن تسحب كلامك .
قال بهدوء وبشيء من الجدية : أجل ياصديقي يبدو بأنني سأقتدي بك , وأخذ يتحدث عن صاحبة الرسائل وعن مشاعره المفاجئة نحوها .
فقال مناف وبسمة سعادة قد ارتسمت على شفتيه : الزواج وشراكة الحياة بين شخصين علاقة جوهرية أكثر منها علاقة ظاهرية , تتزاوج ذرات المرأة بذرات الرجل وتتزاوج ذرات الرجل بذرات المرأة فيقبلان أن يكونا زوجين في الظاهر أيضا ويعلنا هذا الزواج فقط ليعلم الآخرون وحتى يمكن لجسديهما أن يعبر ا عن قوة ذاك التزاوج الروحي , ولكنهما قبل ذلك يكونا قد تزوجا حتى لو لم ير أحدهما الآخر قط .
وعلى قدر ما يكون ذاك التزاوج الروحي قويا فإنه يبث القوة ذاتها في تلاحم الجسدين , فالعينان تأكلان العينين نظرا , واليدان تأكلان اليدين مصافحة , والفم يأكل الفم قبلات , والجسد يأكل الجسد التحاما في حالة تبلغ ذروة في الشوق والدموع وانفجار عبارات الحب السحرية التي لاتحضر إلا في لحظات روحية متقدمة كهذه من عناق الذكورة والأنوثة واكتمال أحدهما بالآخر , وعلى قدر ما يكون واهنا فإنه يبعث البرودالروحي والجسدي فيهما فيكون الجسد باردا في احتضان الجسد حتى في حالة ميتة من أي ذرة إثارة وإن كان الجسد مستلقيا في حضن الجسد منذ دهر . فترى زوجين ينامان كل ليلة على السرير الزوجي ولهما أطفال بيد أنهما غير متزوجين ولم يتذوقا لحظة من لحظات الزواج .
في مسألة الزواج عليك أن تعتمد بشكل أولي على حواسك وقلبك وعقلك أكثر مما تعتمد على أي اعتبار آخر أو أي شخص مهما كان مقربا منك لأنه ليس من مقرب منك أكثر منك . لاأراني كثير الثقة يا حنيف بالذي يقول بأنه سوف يتزوج بامرأة لايحبها وأن هذا الحب سوف يأتي بعد الزواج , إنه تكهن في غير محله بالغيب , وكيف يعقد أملا خطيرا كهذا على التكهن , هذه العلاقة تكون قد انبنت على أساس ظاهري فحسب دون أن يدرك أحدهما كينونة الآخر , دون أن يرى أحدهما الجانب الآخر في الآخر .
ابتسمت مهجة وهي تنبهه بأن الحديث أصبح مباشرا عن مدثر وميس , فقال حنيف : وما هي المشكلة إذا تعلمنا من أخطاء وعثرات بعضنا البعض , على الأقل نحن الأصدقاء . فأردف مناف : هؤلاء الأخوة يبدو بأنهم يواسون أنفسهم في بداية الأمر , ولكنهم فيما بعد يكتشفون بأن هذه المواساة تطول بهم حتى تستغرق أعمارهم بأكملها , ويكتشف كل جسد بأن الضجر كله يقطن الجسد الآخر حتى لينفر منه كل النفر . أعرف شخصا من أقربائي يقول لي بأنه أحيانا يخرج من البيت صباحا قبل أن تستفيق زوجته ولايعود إلا وهي نائمة آخر الليل فقط حتى لايستمع صوتها أو يقع نظره عليها , ولكنه مضطر للعيش معها بسبب الأولاد , لقد حوّل هذا القريب حياته إلى جحيم وبيته إلى ماهو أضيق من زنزانة على روحه , أجل أحيانا يتحدث ويبكي من حرقة الألم , ولكنه هو الذي كان قد اختار هذه الزوجة بمحض إرادته وكان يعلم بأنه لايحبها على أمل أنه فيما بعد سوف يجد المرأة التي يحبها فيتزوجها , كان قد اختار من شريكة حياته ظاهرها فحسب , وهي اختارت منه ظاهره فحسب فوقع الظاهر في أسر الظاهر .
ولكن المشكلة أنه حتى في بحثه عن المرأة الأخرى كذلك لايبحث عن امرأة يحبها , بل عن امرأة , أي امرأة يمكن لها أن تخفف عنه ضجر المرأة الأولى علّه يلمس فيها شيئا من خلاص , لاأدري إن كان قد وجد هذه المرأة التي تقبل أن تلعب هذا الدور في حياته أم لم يجدها لأنني لم أره منذ نحو خمسة شهور , وكان حينها - إن لم تخني الذاكرة - يلمح لي بأنه وجد تلك / المخلوقة / التي قبلت أن تقاسم تلك الزوجة رَجلها وتقسّمه معها إلى النصف , ولكن ينقصه بعض المال حتى تتم هذه القسمة .

كثيرون يترددون إلى أماكن عامة وحفلات ومناسبات فقد علّهم يصطادوا جسدا , وغالبا ما تكون الأوصاف مرسومة في مخيلتهم ولايكون الأمر مختلفا بينهم وبين أي مدير مكتب يريد تعيين سكرتيرة يحدد في إعلانه عن أوصافها . إنهم يبحثون في هذه المناسبات عن هذه الأوصاف المرسومة دون غيرها وما أن تقع أنظارهم عليها حتى تراهم لايترددون من عرض الزواج منذ اللقاء الأول , وترى هذا الشخص يقول لفتاته بأن ماكان مرسوما في مخيلته قد وجده كاملا في هذه اللحظة فما الذي يستوجب التأخير الذي قد يفسد كل هذا المشروع بسبب تدخل دخيل أو حسد حسود أو لؤم لئيم .
قالت مهجة وهي تهز رأسها وتنهض لتحضر من المطبخ إبريقا من الشاي : هذا يكون بالنسبة لجانب كبير من النساء أيضا يا مناف , فالفتاة ترسم كامل ظاهر عريسها في مخيلتها قبل أن ترسم لمحة واحدة من جوهره وتذهب إلى هذه المناسبات مستعرضة مفاتنها الظاهرية بانتظار أن يلمحها ذاك الصياد ويقذف لها صنارته .
بدخول مهجة المطبخ استرسل مناف حديثه : الشكل لوحده دون جوهر يستند إليه ويبعث في فضائه النجوم والشمس والقمر والأمطار والفصول يكون باهتا مهما حمل من جمال وفتنة , ولذلك فإن علاقتك مع الموسيقى غير المرئية هي أقوى من علاقتك باللوحة التشكيلية مهما بدت هذه اللوحة بالغة البهاء لأنها شكل صامت يعجز أن يتحاور معك ويستجيب لحواسك ويتفاعل مع مكنوناتك كما تفعل الموسيقى التي بمقدورها أن تجعلك ترقص وتضحك وتبكي وترقد . كل هذا وأنت تسمع فقط دون أن تراها رأي العين أو تلمسها لمس الجسد , بيد أن اللوحة التي تراها رأي العين وتلمسها مس الجسد تعجز أن تبدد قلقك وتهدهد روحك لتنام مهما نظرت إليها .
نهض حنيف وهو يتمتم : لقد شوقتنا للموسيقى يارجل , كيف مضى كل ذاك الحديث ونحن لم نستمع إليها , منذ يومين وصلني كاسيت جديد , ثم حمل الكاسيت وبدأ يقرأ عناوين المقطوعات : الراعي الوحيد - تكلم عن الحب بنعومة - مشاعر - امرأة في الحب - سأحبك دوما . ودسه في باب المسجل ليخفق قلب الصمت بأنغام بالغة العذوبة وكأن خيوط شفق بدأت تبدد عالما من ظلام . قال مناف : هذه المقطوعات تبقى خالدة يستمع إليها العالم كله , إنها تتخطى حدود اللغات والتركيبات الاجتماعية وحقب الزمن . رحم الله ذاك الكاتب المجهول القائل : / الموسيقى حكمة عجزت النفس عن إظهارها في الألفاظ المركبة , فأظهرتها في الأصوات البسيطة , فلما أدركتها عشقتها , فاسمعوا من النفس حديثها . الصوت الحسن والنغم الصحيح يجري في الجسم ويسري في العروق , فيصفو له الدم , وتنقاد له النفس , ويرتاح له القلب , وتهتز له الجوارح , وتخف الحركات . منافع الصوت الحسن والأنغام الشجية أنها يُـتوصّـل منها إلى نعيم الدنيا والآخرة , لأن منها ما يبعث الشجاعة , ويحدث النشاط , ويؤنس الوحيد , ويريح التعبان , ويسلـّـي الكئيب , ويبسط الأخلاق / .
قال مناف : مهما قرأتُ من كتب حديثة ياحنيف فإن نفسي تبقى تواقة إلى تلك الكتب القديمة لأنني أجد فيها كل شيء . ذاك التراث غني وفيه دواء لكل داء وتعيس ذاك الذي لايكون دائم التزود منه . عندما أشعر باضطراب وأن النار اشتعلت في نفسي أتذكر قول المعري : / تخبو النار ولو هجم لهبها على النجوم / فأدرك أنه بعد لحظة سوف يخبو اضطرابي وينتابني الهدوء . برأيي يا حنيف كان التواضع هو الذي يقف خلف كل تلك الحكمة العميقة , هذا التواضع الذي نفتقده كثيرا الآن . كان الحسن البصري يقول : / إذا خرجت من منزلك فلقيت من هو أسن منك فقل : هذا خير مني , عبد الله قبلي . وإذا لقيت من هو دونك في السن فقل : هذا خير مني , عصيت الله قبله . وإذا لقيت من هو مثلك فقل : هذا خير مني , أعرف من نفسي ما لا أعرف عنه .

عندئذ خرجت مهجة من المطبخ حاملة إبريق الشاي فاستأنف زوجها حديثه قائلا : يبدو أن الأمر يأخذ مسارا جديا يامهجة , أخيرا ظهرت المرأة التي جعلته يفكر جديا بأن يقتدي بي .





Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
النصف الاخر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
zankalooni :: منتدى القصص القصيرة-
انتقل الى: