منتديات زنكلوني الأدبية ...شعر ..قصص قصيرة...روايات
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 مكتبة القصة القصيرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سموحة

avatar

المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

مُساهمةموضوع: مكتبة القصة القصيرة   السبت ديسمبر 10, 2011 8:00 am

****************************

عنوان القصة : الحاوي سرق الطبق ..


المؤلف : نجيب محفوظ ..
***************************



:: الحاوي سرق الطبق ::



قالت لي أمي:
- آن لك أن تكون نافعاً.
ودست يدها في جيبها وهي تقول:
- خذ هذا القرش واذهب لتشتري الفول، لا تلعب في الطريق وابتعد عن العربات.
تناولت الطبق ولبست قبقابي وذهبت وأنا أترنم بأغنية.
وجدت زحاماً أمام بياع الفول فانتظرت حتى عثرت على منفذ إلى الطاولة الرخامية وهتفت بصوتي الرفيع:
- بقرش فول يا عم.
سألني بعجلة:
- فول خالص، بزيت، بسمن؟
لم أجد جواباً، فقال لي بخشونة:
- وسع لغيرك.
تراجعت مسحوباً بخجلي وعدت إلى البيت خائباً فصاحب بي أمي:
- راجع بالطبق فارغاً، دلقت الفول أم ضيعت القرش يا شقي؟
فتساءلت محتجاً:
- فول خالص، بزيت، بسمن ، لم تخبريني !!
- يا خيبة، ماذا تأكل كل صباح؟
- لا أعرف ..
- خيبة .. خيبة، قل له فول بزيت ..
مضيت إلى البياع وقلت له:
- بقرش فول بزيت يا عم.
سألني مقطباً نافذ الصبر:
- زيت حار، زيت طيب، زيت زيتون؟
بهت فلم أحر جواباً أيضاً فصاح بي:
- وسع لغيرك ..
رجعت مغيظاً إلى أمي فهتفت داهشة:
- عدت كما ذهبت، لا فول ولا زيت.
فقلت بغضب:
- زيت حار .. زيت طيب .. زيت زيتون .. لِمَ لَمْ تخبريني؟
- فول بزيت يعني فول بزيت حار ..
- إيش عرفني ؟
- أنت خيبة وهو رجل متعب، قل له بزيت حار.
ذهبت مسرعاً وهتفت بالبياع وأنا على مبعدة أمتار من دكانه:
- فول بزيت حار يا عم.
- وقفت ورأسي بحذاء الطاولة الرخامية وأنا ألهث، وكررت بانتصار:
- فول بزيت حار يا عم.
دس المغرفة في القدر وقال:
- ضع القرش على الرخامة.
وضعت يدي في جيبي فلم أعثر على القرش. فتشت عنه بقلق. قلبت الجيب ظهراً لبطن ولكني لم أجد له أثراً. استرد الرجل المغرفة فارغة وهو يقول بقرف:
- ضيعت القرش، أنت ولد لا يعتمد عليك.
نظرت فيما تحت قدمي وحولي وأنا أقول:
- لم أضيعه .. كان في جيبي طول الوقت.
- وسع لغيرك وقل يا فتاح يا عليم.
عدت إلى أمي فارغاً فصرخت في وجهي:
- يا خبر أسود، أنت يا ولد عبيط؟
- القرش.
- ماله؟
- ليس في جيبي.
- اشتريت به حلوى؟
- أبداً والله.
- كيف ضاع؟
- لا أعرف.
- تقسم على المصحف أنك لم تشتر به شيئاً؟
- أقسم ..
- جيبك مثقوب؟
- أبداً.
- ربما تكون أعطيته للبياع في المرة الأولى أو الثانية؟
- يمكن.
- ألست متأكداً من شيء؟
- أنا جائع !
ضربت كفاً بكف وقالت:
- أمري لله، سأعطيك قرشاً آخر ولكني سآخذه من حصالتك، وإن عدت بالطبق فارغاً سأكسر رقبتك.
وذهبت جرياً وأنا أحلم بفطور لذيذ. وعند المنعطف المفضي إلى حارة البياع رأيت حلقة من الصبيان والأطفال وسمعت تهليل أفراح. ثقلت قدماي وشد قلبي إليهم. على الأقل ألقي نظرة عابرة. اندسست بينهم، فإذا بالحاوي يطالعني. عمرتني فرحة مذهلة. نسيت نفسي تماماً. استمتعت بكل قوة بألعاب البيض والأرانب والحبال والثعابين. ولما اقترب الرجل ليجمع النقود تراجعت هامساً "لا نقود معي". انقض علي متوحشاً. تخلصت منه بصعوبة، جريت ولكمته تشق ظهري، ولكني سعدت للغاية، وذهبت إلى البياع وأنا أقول:
- بقرش فول بزيت يا عم.
جعل ينظر إلي ولا يتحرك، فكررت الطلب فسألني بغيظ:
- هات الطبق ..
- الطبق؟ . أين الطبق؟ . سقط مني وأنا أجري؟. خطفه الحاوي؟.
- أنت يا ولد عقلك ليس في رأسك !
عدت أفتش في الطريق على الطبق المفقود. وجدت موضع الحاوي خالياً ولكن أصوات الأطفال دلتني عليه من حارة قريبة. درت حول الحلقة. لمحني الحاوي فصاح بي مهدداً:
- ادفع أو فاذهب أحسن لك.
فهتفت بيأس:
- الطبق !
- أي طبق يا بن الشياطين؟
- رد لي الطبق.
- اذهب وإلا جعلتك طعاماً للثعابين.
إنه سارق الطبق. ولكني ابتعدت عن مرمي عينيه إتقاء شره. ومن القهر بكيت. وكلما سألني مار عما يبكيني قلت له: "خطف الحاوي الطبق". وانتبهت من كربي على صوت يقول "تفرج يا سلام". نظرت خلفي فرأيت صندوق الدنيا قائماً، ورأيت عشرات من الأطفال تهرع إليه. وتتابع وقوف المشاهدين أمام عيني الصندوق وراح الرجل يشرح الصور بإغراء "عندك الفارس الهمام، وست الكل زينة البنات". جفت دموعي وتطلعت إلى الصندوق بشغف. نسيت الحلوى تماماً والطبق. لم أستطع مقاومة الإغراء. دفعت القرش ووقفت أمام العين إلى جانب بنت وقفت أمام العين الأخرى. تسلسلت أمام ناظري صور الحكايات الخلابة. ولما عدت إلى دنياي كنت فقدت القرش والطبق ولم يعد للحاوي من أثر. لم أفكر فيما فقدت واستغرقتني صور الفروسية والحب والصراع. نسيت جوعي. حتى المخاوف التي تتهددني في البيت. نسيتها. تراجعت لأستند إلى جدار أثري كان يوماً ما مبنى لبيت المال ومقراً للقاضي، واستسلمت بكليتي للأحلام. حلمت طويلاً بالفروسية وزينة البنات والغول. وتكلمت في حلمي بصوت يسمع ولوحت بيدي بأكثر من دلالة. وقلت وأنا أدفع بالحربة الخيالية:
- خذ يا غول في قلبك.
وجاءني صوت رقيق قائلاً:
- ورفع زينة البنات خلفه فوق الحصان !
نظرت إلى يميني فرأيت الصبية التي زاملتني في الفرجة. تبدت في فستان متسخ وقبقاب ملون وهي تعبث بضفيرتها الطويلة. وفي يدها الأخرى حبات بيضاء وحمراء من "براغيث الست" تستحلبها على مهل. تبادلنا النظر. مال قلبي إليها فقلت:
- نجلس لنستريح.
بدت مستسلمة لاقتراحي فأخذتها من ذراعها ودخلنا من بوابة الجدار الأثري فجلسنا على درجة من سلمه الذي لا يفضي إلى شيء. سلّم يرتفع درجات حتى ينتهي إلى بسطة تلوح وراءها السماء الزرقاء والمآذن. جلسنا صامتين جنباً إلى جنب. قبضت على يدها وجلسنا صامتين لا ندري ماذا نقول. وتناوبتني مشاعر غريبة وجديدة ومبهمة. قربت وجهي من وجهها فشممت رائحة شعرها الطبيعية تخالطها رائحة ترابية وعبير أنفاس ممزوج بشذا الحلوى. قبلت شفتيها. ازدردت ريقها الذي اقتبس مذاقاُ حلواً من ذوب براغيث الست. أحطتها بذراعي دون أن تنبس بكلمة أقبل خدها وشفتها، فتسكن شفتاها عند تلقي القبلة ثم تعودان إلى استحلاب الحلوى. وقررت أخيراً أن تقوم. قبضتُ على ذراعها بجزع وأنا أقول:
- اجلسي.
فقالت ببساطة:
- أنا ذاهبة.
فسألتها بضيق:
- إلى أين؟
- إلى أم علي الداية.
وأشارت على بيت يقيم أسفله كوّاء بلدي.
- لماذا؟
- لأقول لها أن تأتي بسرعة.
- لماذا؟
- أمي تصرخ في البيت. قالت لي اذهبي إلى أم علي الداية وقولي لها أن تأتي بسرعة. ..
- وستعودين بعد ذلك؟
فهزت رأسها بالإيجاب وذهبت. تذكرت بذكر أمها أمي. انقبض قلبي. غادرت السلم الأثري عائداً إلى البيت. بكيت بصوت مرتفع وهي طريقة مجربة أدافع بها عن نفسي. توقعت أن تجيئني ولكنها لم تأت. تنقلت بين المطبخ وحجرة النوم فلم أعثر لها على أثر. أين ذهبت الأم؟ ومتى ترجع؟ وضقت ذرعاً بالبيت الخالي. وخطر لي خاطر طيب. أخذت من المطبخ طبقاً ومن حصالتي قرشاً وذهبت من فوري إلى بياع الفول. وجدته نائماً على أريكة أمام الدكان مغطياً وجهه بذراعه. اختفت قدر الفول وأعيدت قوارير الزيت إلى الرف وغسلت الرخامة، اقتربت منه هامساً:
- يا عم ..
فلم أسمع إلا شخيره. لمست كتفه فرفع ذراعه في انزعاج وطالعني بعينين حمراوين:
- يا عم ..
انتبه إلى وجودي وعرفني فسألني بخشونة:
- ماذا تريد ؟
- بقرش فول بزيت حار ..
- هه؟
- معي القرش ومعي الطبق.
صرخ في وجهي:
- أنت مجنون يا ولد، اذهب وإلا كسرت دماغك.
ولما لم أتحرك دفعني بيده دفعة قوية ألقتني متقهقراً على ظهري. نهضت متألماً وأنا أقاوم البكاء الذي يلوي شفتي. ويداي قابضتان إحداهما على الطبق والأخرى على القرش. رميته بنظرة غاضبة. فكرت في عودة خائبة يائسة، ولكن أحلام الفروسية عدلت من خطتي. صممت واتخذت قراراً سريعاً. وبكل قوة ساعدي رميته بالطبق. طار الطبق فأصاب رأسه. ركضت بسرعة لا ألوي على شيء. وملأني اليقين بأنني قتلته كما قتل الفارس الغول. ولم أتوقف عن الجري إلا على مقربة من الجدار الأثري. نظرت خلفي وأنا ألهث فلم أر أثراً لمطاردة. وقفت حتى تمالكت أنفاسي ثم ساءلت نفسي ما العمل وقد ضاع الطبق الثاني. وشيء حذرني من العودة المباشرة إلى البيت. وما لبثت أن استسلمت إلى موجة من الاستهانة تحملني إلى حيث تشاء. هي علقة لا أكثر ولا أقل وسأنالها لدى العودة، فلتؤجل العودة إلى حينها. وها هو القرش في يدي، يمكن أن أحظى بمتعة لا بأس بها قبل العقاب. قررت أن أتناسى جريمتي ولكن أين الحاوي، وأين صندوق الدنيا. فتشت عنهما هنا وهناك بلا ثمرة. أرهقني البحث العقيم فمضيت إلى السلم الأثري وراء الميعاد. جلست أنتظر وأتخيل اللقاء. تاقت نفسي إلى قبلة أخرى معبقة بشذا الحلوى. واعترفت فيما بيني وبين نفسي بأن الصبية وهبتني مشاعر لم أجرب أطيب منها من قبل. وفيما أنتظر وأحلم، ترامى إلي همس من الجهة الخلفية. رقيت في الدرج بحذر وعند البسطة الأخيرة انبطحت على وجهي لأرى ما وراءها دون أن يلمحني أحد. رأيت خرابة مطوقة بسور عال، وهي آخر ما بقي من بيت المال ومقر قاضي القضاة. وتحت السلم مباشرة جلس رجل وامرأة. هما مصدر الهمس، أما هو فأشبه بالمتشردين، وأما هي فغجرية من يرعين الأغنام. صوت باطني مريب قال لي بأنهما يجتمعان في "ميعاد" كالذي جاء بي. بذلك تنطق الشفاه والنظرات والأعين ولكنهما على خبرة مدهشة ويفعلان أموراً لا يحيط بها الخيال. شد بصري إليهما مشدوهاً في استطلاع ودهشة ولذة لم يخل من إنزعاج.
وجلسا أخيراً جنباً إلى جنب، لم يعد يهتم أحدهما بالآخر. وبعد فترة ليست بالقصيرة قال الرجل:
- النقود؟
فقالت بضيق:
- أنت لا تشبع.
بصق على الأرض ثم قال:
- أنت مجنونة ..
- أنت لص ..
بظهر يده لطمها لطمة قوية. قبضت حفنة تراب وقذفتها في وجهه. انقض عليها بوجه مغبر فأنشب أصابعه في زمارة رقبتها. بدأ صراع جهنمي مرير. ركزت قواها عبثاً لتخليص رقبتها من يده، احتبس صوتها، جحظت عيناها، ضربت بقدميها الهواء. حملقتُ فزعاً أخرس حتى رأيت خيطاً من الدم يتسلسل من أنفها. فرت من فمي صرخة. زحفت إلى الوراء قبل أن يرفع الرجل رأسه. هبطت السلم وثباً وعدوتُ كالمجنون إلى حيث تحملني قدماي. لم أتوقف عن العدو حتى انقطعت مني الأنفاس. جعلت ألهث دون أن أرى شيئاً مما حولي. ولما انتبهت إلى نفسي وجدتني تحت قبو مرتفع يتوسط مفترق طرق. لم تطأه قدماي من قبل ولا فكرة لي عن موقعه بالنسبة لحينا. وكان يقتعد جانبيه شحاذون لا يبصرون. ويعبره في شتى نواحيه الناس فلا يلتفتون إلى أحد. أدركت بخوف أنني ضللت الطريق، وأن متاعب لا حصر لها تتربص بي حتى أهتدي إلى سبيلي. هل ألجأ إلى أحد المارة لأسترشد به؟ ولكن ما العمل لو ساقني الحظ إلى رجل كبياع الفول أو متشرد الخرابة؟؛ هل تقع معجزة فأرى أمي مقبلة فأهرع إليها بكل قلبي؟ . هل أجرب السير وحدي فأتخبط حتى أعثر على أثر أستدل به على طريقي؟.
وقلت أن علي أن أحزم أمري، بسرعة ودون تردد، فقد أخذ النهار يولي، وعما قليل سيهبط الظلام من مجاهله.



Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



*********************************
عنوان القصة : هاربةٌ من منبع الشمس
تأليف : غادة السّمان
*********************************


"هاربة من منبع الشمس"




مازلت في أعماقي..
تمسح الطين عن جسدي بأهدابك !
مازلت في أعماقي...
النجوم تفور من منابت شعرك فوق الجبين الأسمر وتنهمر فوق صدرك وهديرها أبداً يناديني .. يهتف باسمي ذائباً ملهوفً ..
وأسرع في مشيتي، أشد كتبي إلى معطفي، وتظل أنت تتمطى في أعماقي، والشتاء يتأوه في قطرات المطر التي تلعق وجهي .. وتظل أنت تهتف باسمي، والريح تعول وتدور حول الأذرع الرمادية لأشجار متعبة تسندها ظلالها إلى جانبي الطريق .. والرعد يتدفق في أذني كصرخات دامية التمزق لامرأة ضائعة في صحاري شاسعة.
مازلت في أعماقي تتمطى!
وأنا أنزلق فوق ظلمة الشارع، ويخيل إليّ أن برك الماء المتجمدة قد ابتلعت أنوار الجامعة التي خرجت منها قبل قليل ..
وألتفت ورائي وكأنني أريد أن أتحقق من أنها فعلا هناك .. المكتبة، والمقاعد الخشبية في الحديقة، والنادي المزدحم حيث التقيت زرقة عينيك الضالتين أول مرة، يوم جئت تبحث عن أختك، زميلتي في الصف، وتطوعت أنا لأشاركك التفتيش عنها .. وأحسسنا بسعادة مبهمة ونحن ندور معاً من مدرج إلى مدرج ومن باحة على باحة فلا نجدها .. ونتبادل الحديث بعفوية لذيذة كأي صديقين قديمين ..
كم كانت أختك رائعة وكريمة ذلك اليوم! .. لقد اختفت .. لم نجدها بالرغم من الساعة التي قضيناها منقّبين، والتي انتقل البحث في دقائقها الأخيرة من القاعات إلى وجهينا ..
وشدتني إلى عينيك كآبة حنون، مغرية الدفء كلهيب موقد يلوح لضائع بين الثلوج من وراء زجاج نافذة .. تنهدت بارتياح لما لم نجدها، وعرضت عليّ تناول كأس من الليمون في النادي ريثما نستريح ونعاود البحث من جديد .. وجلست أمامك .. أشرب من ملامح وجهك وأخزنها في أعماقي بحرص بينما أنت تحدثني ببساطة وانطلاق عن رتابة ساعاتك .. عن جلستك البلهاء كل أمسية وراء زجاج المقهى وتشابه أيامك .. كيف أن السبت يمكن أن يكون ثلاثاء أو أربعاء بالنسبة إليك .. الأشياء التي فقدت طعمها ولونها والأيام التي أضاعت مدلولها ..
وظللت أعب من كأسي وفرحة جديدة تعربد فوق المنضدة وتنثر شعرها إشعاعات سعادة في كل ما حولنا .. حتى في نظرات زملائي المرتابة التي بدأت تنتقل من وجهي إلى وجهك بحدة وفضول ..
قلت لك ضاحكة لأخفي بعض ارتباكي: " إنهم يحدقون إلينا وكأننا .. حبيبان!! " والتقت نظراتنا بصورة غير عادية لما نطقت بكلمتي الأخيرة "حبيبان" .. لا أدري لماذا ارتعش صوتي مع انتفاضة أهدابك، بينما رددّت أنت عبارتي شبه حالم وكأن حجب الغيب قد انتهكت أمام عينيك : " كأننا حبيبان " . !
وظللت أتأملك مفتونة نشوى، وكأنني اكتشفت في أعماق عينيك مغارة مسحورة ياقوتية الجدران، تومض كنوزها المكدسة قوس قزح وديع الهدوء، يترسب في حواسي، ويغمرها بخدر لذيذ .. لا يعكره سوى همسات الزملاء الذين ركزوا اهتمامهم على التيارات اللامرئية الهادرة بين مقلتي وشفتيك .. لذا لم أتردد في للخروج معك حينما اقترحت عليّ بصوت مبهم النبرات أن نستمر في " البحث عن أختك " خارج الجامعة !
وارتمين شبه حالمة في زرقة سيارتك لنضيع معا في شوارع المدينة التي لم تبد كئيبة كعادتها .. وأدركت أنك بدأت تتسلل إلى أعماقي ..
ولما جئت مع مساء اليوم التالي، عرفت أنك لم تأت باحثاً عن أختك .. وأسندت وحشتي إلى سأمك وانطلقنا بهما إلى الغوطة حيث وأدناهما قرب خيمة ناطور أغرتنا نيرانه بالاقتراب منه وإلقاء التحية عليه .. وجلست ترقب رقصة الوميض على جانب وجهي، بينما أنا أعبّ القهوة العربية، والقمر يستند على جانب الخيمة حينا، وتختطفه أرجوحة الرياح الغمامية حينا آخر ...
مازلت في أعماقي !! .. تضحك زرقة عينيك لكآبتي . المنحنى قد غيّب الجامعة عن أنظاري .. والوحشة ترتّل أنات الفراق في دبي .. وأنا اسير إلى غرفتي الباردة وأهذي ..
أمواج المساء لم تعد تنحسر عن ضياء عينيك.
بحاري الكئيبة لم تترقب رنين مرساتك الذهبية في أبعادها السحيقة .. أسير .. وأتعثر وحيدة كطفل جائع في معبد مهجور، مازالت رائحة دم حار تسيح من جدرانه المرعبة .. وأنت .. مازلت في أعماقي ! تمسح الطين عن جسدي بأهدابك .. وصوتك الذائب، صوتك الملون مازال يعربد في عروقي مبتلا بالمطر .. مطر دافئ كان يغسل نوافذ سيارتك " الهائمة في غوطة دمشق " وتتمسك قطراته بالزجاج، وتحدق بفضول على الداخل .. إلى حيث الدفء .. إلى حيث أنا وأنت ذرّتا رمل جمعتهما العاصفة في شاطئ صخري .. وتظل حبات المطر تنزلق ببطء منصتة لهمساتنا ..

- اقتربي مني يا رندة .. اسكبي الألوان في الأشياء التي أضحت باهتة كالأشباح .. اضرمي النيران في وحشتي ففي نفسي جوع إلى النور .. ضمّي وحدتك وتشردك إلى لهفتي وفراغي ..
وأقترب منك .. ألتصق بذراعك الأيمن وأرمي بأثقال رأسي إلى كتفك :
- مذ حضرت من بلدتي الصغيرة وانتسبت إلى الجامعة ومدينتكم وحش يخيفني ..
- ماذا يخيفك فيها يا حلوتي ؟
- لكل شيء طابع لا إنساني هنا .. أسمع ضجيجا وعويلاً أرى مصدره .. تنبع من الزوايا المظلمة صرخات بلا شفاه .. تتفجر من شقوق أحجار الشارع دماء بلا جراح .. الزيف يلون كل شيء بكآبة باهتة صفراء ..

Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



تتمة ...

وفجأة توقف سيارتك وتلتفت إليّ وكأنما روّعتك حرقتي وأثارت حنانك .. وتتجمع قطرت المطر بفضول حول النوافذ كلها وتظل تنصت بينما أنا أهذي شبه باكية :
- كنت أخرج من الجامعة مساء، أدور في الشوارع وأبحث عبثاً عن ظلي . واكتشفت أن كل شيء في مدينتكم مزيف، حتى النور الأبيض الفاجر محروم من الظلال من الظلال التي تكسبه مسحة حزن إنساني مستكين ..
- يا غجريّتي الصغيرة الضائعة ..
- كنت أصرخ بوحشية كلما كفّنني صمت غرفتي لعلّي آنس بصدى .. ولكن الجدران بخيلة حتى بالصدى !! .. وأضربها بقبضتي .. أحاول أن أغرس أظافري في أحجارها الصلدة .. وأنشج .. وعبثاً أنتظر أي وتد حقيقي في عدمي المريع .. لا ظل .. لا صدى .. لا شيء .. لا شيء حتى وجدتك ..
وتزداد اقتراباً مني .. ويخيل إلّي أنك تريد أن تلتقط بشفتيك كلماتي المتعثرة فوق عنقي وذقني قبل أن تتناثر في فضاء السيارة الدافئ ..
- كنت أتشرد كل ليلة في دربي المقفر .. أحس بملايين الأيدي الخفية تضغط على عنقي .. تسمرني في الشوارع عارية تحت أسياخ المطر الباردة .. تحملني من شعري بقسوة وتدلي بي في البرك الموحلة .. وتظل تنقلني بين الآبار المتجمدة و أتخبط في الهواء، لا أقبض إلا على حزم الريح، لا أقبض على شيء !
لا شيء حتى وجدتك .. ولن أفقدك لأي سبب في العالم ..
وأشدد قبضتي على ذراعك بينما تتحسس يداك ظهري وتبعثان رعدة دافئة في جسدي المنهك .. وتهتف بي :
- أنت ترعبينني بهذه الأفكار ! ..
- بل إنها ترعبني أنا بالذات .. لم أجرؤ قط على الاعتراف بها لنفسي وأنا وحيدة .. أما الآن .. وأنا أمام صدرك ..
وقاطعتني هامسا بحرارة :
- بل أنت تغفين في صدري .. تتبعثرين في الدم الذي يتدفق في كل ذرة من كياني ..
ويسعدني دفء أهدابك التي تمسح الطين عم جسدي وأنا أهذي :
- كم تعثرت في برك الطين ولطختني الأوحال .. وأنا أحسن أن قطرات المطر مدببة الجوانب وخّازة الحواف .. تنغرس في خدي بينما بردها الكاوي يلهب عذابي ..
- والآن يا رندة ؟ ..
- تبزغ شمس في كل قطرة مطر ..
وأشدك إلى صدري بكل قواي .. أفتّتك ذرّات، وأسحقك ذرّات، وتنسلّ كل ذرة من إحدى مسامي إلى أعماقي .. إلى حيث ينضم بعضها إلى البعض الآخر من جديد .. وأحس أنك حي تعربد في الحنايا والضلوع .. وتهتف بنشوة :
- أيتها الغجرية الهاربة من منابع الشمس .. ألا ترين أن الصقيع أدماني ؟؟ ..
وأحدق إلى الشعيرات البيض التي تسلّلت إلى شعرك، ويخيّل إليّ أن ثلجاً لئيماً يتمسك بها .. وأحاول إذابته بشفتي الملتهبتين وأنا ألثمها شعرة إثر شعرة ...
وتبعدني عنك ضاحكا، وتمسك بوجهي بكلتا يديك، فتتألق حلقة ذهبية في بنصر يدك اليسرى طالما رأتها من قبل ..
وأسألك بكثير من اللامبالاة :
- منذ متى تزوجت ؟
- منذ سبع سنوات ..
ما يهمني سواء كنت متزوجا أم لا ؟ .. أنا وحيدة .. وحيدة .. يدي المتخبطة في فراغ الذعر لن تسأل اليد التي تعلق بها : كم عمرها ؟ لمن كانت من قبل .. حسبي أنها يد إنسان .. حسبي أنها يدك يا أغلى غال ..
ويخيّل إليّ أن ذرّات الظلام تتفجر حول شفتي، وأن قطرات المطر تقفز مذعورة عن النافذة وأنا أسألك :
- هل لك أولاد ؟؟
- صبي وبنت !!

حاولت أن أرسم في ظلمة السيارة صورة لصبي وبنت يتعلقان بثيابك كلما دخلت دارك .. وزوجة تكشف لك طبق الطعام على المائدة، ويتصاعد البخار فيغطي وجهها بينما تحوط يداك خصرها كأي زوج .. لم أستطع .. حاولت أن أخجل من نفسي أن أتذكر ما تعلمته في بلدتي المنعزلة .. لم أستطع .. خيّل إليّ أن جميع أطفال العالم قد ذهبوا في حلقات متماسكة الأيدي إلى كوكب سحيق البعد .. وأن الطعام بارد على منضدتك .. وأن زوجتك لا تغري بالتقبيل .. وأن يديك لم تخلقا إلا لتضماني هكذا .. هكذا ..
وتظل قطرات المطر تتمسح بزجاجنا منصتة .. وأبخرة الدفء تتكاثف في الداخل حتى لا تعود القطرات الفضولية ترى شيئا .. وحتى لا تعود تسمع شيئا بعد أن تخفت همساتنا، وتستحيل إلى قبل مكتومة .. فتهوي إلى التراب وتمتزج به في عناق وديع الاستسلام ..
وتنفض عن عشنا الأزرق ذرّات المطر ونحن ننطلق من جديد إلى أعماق الغوطة، إلى حيث تلوح خيمة الناطور ذي الوجه الباش والكلب الأبيض الودود .. وتوقف هدير المحرك وأنت تسألني ككل ليلة :
- ما رأيك بفنجان دافئ من القهوة ؟
ويتلوى شبابي طربا ً .. وأجيبك بفتح باب السيارة والقفز منها غير عابئة بالمطر .. وتركض يدي في يدك إلى الخيمة ونجلس أمام نيران الناطور طفلين في الغاب هربا من مذبح مرعب نذرا فيه قربانين لإله أحمر العينين .. وتتعانق نظراتنا بين أحضان اللهب الذي يزداد تأججاً .. والناطور يرقبنا ببهجة فطرية طالما افتقدتها في أعين العابرين من أهل المدينة . حتى إذا ما سرى في عروقنا دفء قهوته العربية، عدنا إلى عشنا الأزرق حيث تلتقط بشفتيك حبات المطر العالقة بأهدابي .. ويغيبنا المنحنى الرمادي .. لماذا أستعيد هذا كله الليلة مادمت قد مضيت ؟ ..
أنا أعرف أننا لن نعود نلمّ الحنين .. لن نشرب القهوة العربية عند خيمة القمر .. لن تلتقط بشفتيك حبات المطر عن أهدابي ..
مضيت .. دون أن نتشاجر مرة واحدة .. دون أن نختلف في رأي .. كان كل شيء على حاله يوم افتراقنا ..
الطريق ينزلق بهدوء تحت عجلات عشنا الأزرق .. والاطمئنان يسبل جفنيه النديين على قلبينا، وأنا أدفن قُبلي بين عنقك وياقة معطفك، وأغمغم ببساطة : لم تعد المدينة ترعبني منذ تمددت في زرقة عينيك .. ستكون لي أبداً، أنت والمطر، والقهوة عند خيمة القمر ..
- نكاد نصل يا رندة، ارتدي معطفك . لا أريد أن يصيبك البرد .
وأنهض على ركبتي، ووجهي متجه نحو المقعد الخلفي كي ألتقط معطفي الذي رميته هناك كعادتي كل ليلة .. وفجأة .. أراها هناك ! ..
فردة حذاء طفل تبسم في وجهي بسخرية ممزقة ! .. فردة حذاء طفل منسية سقطت من قدم ابنك بينما زوجتك تحمله وهي تهبط به من سيارتكما .. أجمد ! .. يغمرني خجل مذعور مفاجئ ..
وكعادتك تظل قابضاً على المقود بيدك اليسرى بينما تحوط خصري باليمني وتجذبني إلى صدرك ضاحكاً مداعباً .. لا أغمر وجهك بقبلي اللاهثة .. أظل زائغة التعبير مجمدة النظرات إلى الوراء، حيث ترمي ببصرك متسائلاً .. وتراها كما أرها .. لا شيء .. مجرد فدرة حذاء طفل تبسم بسخرية ممزقة !! ..
وأدرك أنك تفهمني تماماً .. لا حاجة بي إلى الكلام مادمت تسمع هذيان صمتي المحموم ..
توقف سيارتك ويخيل إليّ أن صوتك انبعث متعبا هدته الليالي وأنت تقول :
- لقد وصلنا .. هل أنتظرك غدا كالعادة ؟
وأجيبك ونظراتي مشدودة إلى فردة حذاء طفلك الساخرة :
- لا .. لم يعد ذلك ممكنا .. أليس كذلك ؟ ..

كان ذلك آخر نقاش دار بيني وبينك .. لكني أحسست ساعتئذ أن الرياح قد حطمت نوافذ عشنا إلى الأبد .. ونظرت على صدرك، إلى حيث تسحقني كل ليلة مودعا، وخيل إليّ أن جميع أطفال العالم عادوا منشدين من كهوفهم السحيقة، وتبعثروا على صدرك، بأطرافهم الشفافة وأجسادهم الهشة ورؤوسهم الدقيقة .. يكفي أن أحاول لمسهم حتى يتناثروا أشلاء بريئة بين أصابعي الدموية ومخالبي المرعبة .. وأردت أن تضمني مودعاً لكنني هربت .. هل كنت تريد أن نسحق صرخاتهم بين جسدينا ؟؟؟ .. أن نلطخ أكتافنا وأذرعنا بطفولتهم الشفافة الدقيقة ؟ أما يكفينا عذابنا ؟؟ ..
ومددت يدي أصافحك، وكان الصمت يهذي، وكانت أعيننا تنضح دموعها إلى الداخل .. إلى الأعماق .. وكانت ثورة شعري المبعثر تبكيك .. وكان عذابي ينشج بسكون ..
واختطفت معطفي وأنا أتحاشى النظر إلى فردة حذاء الطفل المنسية التي ظلت تبسم بوداعة دافئة حينما هبطت من العش الكسيح .. إلى الأبد ..
ولما ضمني برد غرفتي، رأيتك بين أشباح السقف تدخل دارك الدافئة .. أطفالك يتمسحون بثيابك وأنت تنحني إلى الأرض لتدخل في قدم ابنك فردة حذائه الضائعة بحنان دقيق .. وتُقبل زوجتك سمينة متدحرجة .. فتقبّل خديها اللذين تفوح منهما رائحة طعام شهي ..
ورأيتكم جميعا بوضوح .. وأدركت أنني لم أعد أستطيع انتزاعك من إطارك الحقيقي لأطير بك إلى مغاوري الفضية في جبال القمر .. لم أعد أستطيع .. ولكنك مازلت في أعماقي !
تتمطى وتحدثني وأنا أخرج من الجامعة كل ليلة .. يبتلعني بحر الظلام الكئيب وتحملني أمواجه إلى غرفتي الباردة . أدرس أحياناً، وأكتب الرسائل المطولة إلى أمي وأبي .. وأنت تنزلق بين الكلمات .. تستلقي على الحروف وتقفز فوق النقاط وتهمس بين السطور .. وأنت تتسلق الصفحات وتظل زرقة عينيك تبسم ..
مازلت في أعماقي .. تمسح الطين عن جسدي بأهدابك !
وأنا أسير وقد اختفت الجامعة تماماً .. البرق يلتمع ويضيء البقعة التي كنت تربض عندها بسيارتك منتظراً أن أصل إلى البوار ..

أسير بحذر وأشد كتبي إلى صدري والمطر يتسلل على جسدي .. وأنت مازلت في أعماقي تهمس " اقتربي يا رندة، في نفسي جوع إلى فجور النور " .. الدموع تتفجر في عيني وتضيع مع المطر المتدفق .. موضع عجلاتك الراحلة يهذي .. ينهش من قدمي وأنا أمر وأمزق الذكريات مع ضربات حذائي .. وتصرخ يدي .. تريد أن تمتد لتفتح الباب كما كانت تفعل .. وتصرخ قدماي .. تريدان الصعود على دفئك الملون .. ويصرخ جسدي حيث طحنتك ذرّات تسللت من مسامي إلى أعماقي وتتلوى نظراتي .. تحن إلى التمسح بالشلال الأزرق الهادر من العينين .. ويظل صوتك يهمس من أغوار سحيقة مرعبة : " غجريتي الهاربة من منبع النور، ألا ترين أن الصقيع أدماني ؟ " وأحسن أني ظمأى .. ظمأى لشفتيك تجمعان المطر عن أهدابي .. ظمأى لخيمة القمر وقدح القهوة الدافئ وضحكاتنا الغجرية في كبد الليالي .. أنا ظمأى إليك وأنت تتمطى في أعماقي ببساطة مرهقة !
غربان القدر تنهش عيني الناطور قرب خيمته الممزقة .. رياح الشتاء تذرو رماد نيرانه .. والأمطار تغسل الحمرة عن جمراته حيث تترسب ليالي العذاب سوداء فاحمة .. الرمال أفاع تزحف لتغطي كل شيء .. الكلب يعوي في الخواء منتحبا . وأنا هنا .. وقد عادت الأيادي الخفية تضغط على عنقي .. تسمّرني في الشارع عارية تحت أسياخ المطر .. تحملني من شعري بقسوة وتدلي بي في البرك الموحلة والآبار المتجمدة .. وأشد وشاحي إلى رأسي .. أشده .. وأظل أشعر أن الأيدي تجذبني من شعري .. وأمضي إلى غرفتي .. لا أحلم بأكثر من جدران لا تبخل على وحشتى بصدى ..




Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



********************************
مجموعة قصص قصيرة جداً

تأليف : بسمة فتحي
********************************


عَرضُ الوَشَقْ


ذلك الطفل الساكِن في جلسته والمتأمِّل باقي حبات العكلة التي يبيعها عند إشارة المرور، تحوَّل بقدرة قادرٍ إلى وَشَقٍ وثَّاب حين ارتدت الإشارة اللون الأحمر..!

كان يقفز بين سيارة وأخرى بملابسه المُهَلْهَلة، فتتحدث يداه بصخب، حاجِباه يتراقصان كموجتين رشيقتين، لا تتوقف شفتاه عن الارتفاع والانخفاض والتَّدوُّر والتَّكوُّر، وحين وصل إليَّ قدَّم لي عرضه لاهثاً وعلى طبقٍ من "علكة":
- "(أُجبري عني هالكم حبة)... والله أنا من سكّان "الوحدات" وأجرة البيت ستون ديناراً... والدي متوفٍ وأنا من يصرف على البيت... إن جَبَرتِ عني العلكة سأدعو لك بالخير الكثير والعَوض الوفير... وإن أعطيتني ديناراً ستدعو لك أمي، بالمناسبة هي أقرب لله مني فهي أُم وتُربِّي أيتاماً... وإن أعطيتني خمسة دنانير سندعو لك أنا وهي!".

*الوَشَقْ: حيوان من فصيلة القطّ ورتبةِ اللّواحِم، من الثدييات، وهو بين القطّ والنمر
أُجبري: بضم الألف من الفعل جَبَر، والتي تعني جَبْر العظم المكسور، وأتت في الأقصوصة بمعنى جبر الخاطر
الوحدات: مخيم للاجئين الفلسطينيين في عمَّان


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®


****************************



تكنولوجيا متأخرة


في الوقت الذي تستفيق أمها بوهن بين إغماءة وأخرى وهي تنظر إلى صورتها التي عُلِّقت على الحائط مؤخراً، وبينما والدها بذقنه الطليقة منذ يومين يحاول الانتصاب بتوازن على قدميه ليستقبل أو يودع الرجال في الصيوان، كان تراب الأرض يغازل جسدها الطري البض ويوشوشه عن رائحته الشَّهية، بينما هو على الضفة الأخرى من البلاد يشتم بنزق "موبايلها المغلق"، ويرسل لها عبر المسنجر وردة حمراء متبوعة بـ: "أين أنتِ؟ لماذا "موبايلك" مغلق، وهل مشكلة خط الانترنت مازالت قائمة عندكِ؟!"


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®


*********************************


عفريت


- لتذهب قطط العالم إلى الجحيم.. لتذهب جميعها بما فيهن قطتي ...
لا ...، الجحيم لا يكفي...
لتذهب إلى قلب الجحيم ذاته دون رأفة... اللعنة!

كانتْ لا تزال تهذي وتشتم ويتطاير الزبد الساكن بين طرفي شفتيها، بينما كركرة ضحكتي تمتزج بالشفقة على وجهها الأصفر كالكُركُم وبدنها المرتعش بصاعقة قَطَطِيَّة ...

- اللعنة ما أن اقتربتُ من حاوية القمامة حتى قفزتْ في وجهي كعفريت منكوش الشعر ملبوس بجان يصرخ ... !!

Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



*******************************




سَهو ... !!


صمتَ متعجباً من ردة فعلي، كانت عيناه حمراوين تمدد البؤبؤان فيهما وكأنهما يشاركان في البكاء أيضاً، رموشهما مبللة تماما،ً يده اليُمنى الحاملة ورقية صحية بيضاء مجعلكة كانت ترتجف.. قدماه ككفتيِ ميزان غير متساويتين في الثقل، ترتفع قدم عن الأرض لتهبط الأخرى..

- أضحكُ ملء روحي: لا بأس .. لا بأس.. لا تَخَف!
- كيف؟ أقول لك بأنني سهوتُ وقلتُ لها: ("يا شمس يا شمس، خذي سن الغزال واعطني سن الحمار" ... لن تفهم الشمس ... أعرف ... سَيَبرزُ لي سن حمار ... !!"


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®


*******************************



سجادة

أنظف دون استياء رقعة السجادة من النتف البيضاء المنثورة بعشوائية تدل على عصبية واضطراب من ألقت بها، ربما لأن صورتها عادت إلي إذ طفح وجهها حمرة، رفعت نظرها لسقف الغرفة، غرقت حنجرتها بالدموع، تجمَّرت عيناها، تشنجت حركة يديها بينما مزقت المحرمة التي كانت بينهما دون وعي منها إلى نتف صغيرة وألقت بها إلى الأرض، وخرج أخيراً صوتها متقطعاً متهدجاً من بين شفتيها: "أحبه، والله أحبه، كفاكِ ملامة لي.. كيف أقدِّر لك حبي له؟! ..نعم، تماماً.. بالضبط أحبه بقدر ما حرمني منه القدر..!"



Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سموحة

avatar

المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

مُساهمةموضوع: مكتبة القصة القصيرة   السبت ديسمبر 10, 2011 8:02 am

***********************************
عنوان القصة : مابين الحلم والواقع

تأليف : خولة القزويني
***********************************


ما بين الحلم والواقع ..


كان يقف متردداً ، حائراً بينهما ، يبحث في خيالاته الصاخبة عن ذلك القرار المريح الذي يسكن إليه ويفضي بمكنونه دون قلق ، هاجس يتفتق كالبرعم الأخضر في متاهات فكرة . زوجته الطيبة تخط ملامح التهذيب في وجه حياته وترسم بعروقها النابضة دوياً معبداً بالصبر والروية ، ثم الأخرى المتكومة في زوايا ظله تتفجر نزقاً وحماسة ، تجنح به إلى علياء الأماني ، وتبدد ببريقها الأخاذ ضباب الغموض الذي يحدق في سنواته الخمسين ...
نورٌ يتسلل إليه بهوادة ، ونار تستعر في عروقه بصخب كلتاهما حياته بنقائضهما الرائعة ، وباختلاجاتهما المتضاربة ... أشياء تتجمع في كيانه لتمنحه إحساساً جميلاً يدغدغ روحه .
حدّثته " سلمى " وهي تختال في بهجتها ، ترتسم على وجهها نداوة الصبا وإصرار الشباب .
_ " إن انتظاري لك طال سنوات ، وأيام عمري أوشكت أن تذبل فاحسم أمرك لنتزوج ! " .
يتململ كعادته ، ويعض على شفتيه وهو يستجمع صورتها الساطعة في ذهنه
" خسارة أن تضيع محبوبة عمره " قال ليهدئ من ثورتها :
_ تريثي ، فزوجتي لا تتقبل الأمر بسهولة ، دعيني أقنعها .. أحتاج لبعض الوقت !
تعرض عنه غاضبة ...
_ سنوات وأنا انتظر ، حتى ذوّبني أسرك في لجة القسوة و الحرمان .
يغرق في الصمت ...
ويعود إلى شروده هائماً في دنيا أحلامه ، تسترد زوجته وفاء وعيه لهنيهات
_ مابك يا خليل أراكَ تسرح كثيراً هذه الأيام !!
يتنهد وهو يفيق من شروده
_ إنها مشاغل العمل
فيخجل من نفسه المرتابة تتعلل بمغالطات ، وهي في الحقيقة صادية تبحث في متاهات الجفاف والرتابة عن غيث حب ، ورشفات مطر ترطب هذه الشقوق التي تنخر أرضه الجرداء .
تقترب وفاء منه ، تصب له الشاي وابتسامتها المشرقة تضيء له ليل الغربة ، وتزفر أنفاساً حانية دفقاً لا ينضب ، يالها من معتوهة تسد أمامه كل الثغرات التي يترقبها عن كثب ، ليتسلل إلى المرمى ويقذف بالحقيقة فيستريح من هذا العناء ، يزدرد ريقه ، وعيناه ساهمتان ، شاردتان في وله الحلم واللهفة الغائبة ، رغم أنهما وعن دون قصد مصوبتان ناحية زوجته ، ففي قلبه المضطرب تختبئ العصفورة الحبيسة ، وتصرخ بوهن مذبوح وشوق متكتم ، تسامره زوجته ، تلك العالقة كالوشم الأبدي ، تصطبغ بلونه ومزاجه ومذاقه الخمسيني ....
هتف والذهن شارد .... سلمى !!
حدجته وفاء بنظرة حادة موسومة بالغضب ، روّعته ...
تلعثم ، يحاول أن يداري غلطته
أقصد وفاء ؟ .
أدركت بحدسها الأنثوي أن ثمة خطراً يحدق في حياتها ، ابتلعت الغصة بدهاء ليفتر ثغرها بابتسامة مفتعلة .
يبدو أن مشاكل الموظفات تلاحقك حتى وأنت في بيتك ! .
استراح بعض الشيء ، فقد حملت عنه مشقة الاعتذار ، لكنه استطرد يبدد الشك
_ " أحيانا أنادي بعضهن باسمك ، ... تصوري ذلك !!
بيد أن الأمر لن ينطوي على وفاء بسذاجة ، وإنما بيّتت النية على خطة محكمة لتخترق ذلك المجهول الكامن وراء سلمى ، لتسبر أغواره ، ممسكة بهذا الخيط الواهن ليدلها على ذلك البئر الذي يغترف منه أحلامه ، فغضباته المتهورة وتوتره المنهوك ، أرقه رغم إعياءه اليومي هو دخان نار تحترق في أعماقه ، بقايا هم دفين يختمر في وجدانه .
فراقبته بصمت ، وأرهفت كل حواسها لتلتقط همس تلفوناته ، التاعت حتى كبّلت صرخاتها الخرساء بأغلال الحكمة والرّوية الجوفاء ، وعندما استجمعت كل خيوط إدانته وعرفت عن غريمتها كل شيء ، اقتحمت عالمها المجهول ، وقذفت بنفسها كالمنتحرة ، لا تأبه بكل العواقب الخرقاء ...
عنّفتها
_ " أنتِ لصة محترفة سرقت زوجاً من زوجته ودمّرت أسرة آمنة ، لو كنتِ حية الضمير ما فعلت كل هذا !
صعقت سلمى وهي تتأرجح مكانها ، الصدمة هوت فوق رأسها كالمطرق الحادة ..
واستطردت وفاء تتوعدها
_ سأفضحك أمام الناس عندي أشرطة تسجيل بصوتكِ وأنت تبثين لواعجكِ لزوجي ..
قاطعتها سلمى وهي تتراجع إلى الوراء .... مبهورة الأنفاس
_ " أرجوكِ كفى " ....
لقد تبخرت كل هذه الأحلام وتبددت كسحب ندية في ليلة صيف ...
ثم تحزم وفاء حقائبها دون أن تنبس بحرف ...
يشدها خليل من ذراعها وهو يستوقفها
_ " إلى أين ؟ "
_ " إلى جهنم : اذهب إلى حبيبة القلب ، فأنا بانتظار ورقة الطلاق ! "
تلعثم خليل ، المفاجأة عقدت لسانه
_ "ما هذه الأوهام التي تدور في رأسك ؟! "
شدّت على اسم غريمتها صارخة
_ " سلمى معبودة عمرك أيها الخائن ! "
أطرق خجلاً ووجهه يتضرج حمرة .. والكلمات ترتعش بين شفتيه
_ " أرجوك اهدئي ، دعيني أصارحك بالحقيقة !
غضبت ....... نهرته بشدة
_ " الحقيقة أنك خائن .... خدعتني لسنوات "
اندفعت صوب الباب مغتاظة فصفقته بشدة وراءها .
بينما عاود خليل الاتصال بسلمى ... لكنها أغلقت سماعة الهاتف بوجهه وحاول مراراً حتى أفضت إليه لآخر مرة ودموعها تنساب لوعة وحرقة
_ " انتهى كل شيء بيننا وأنا الآن مخطوبة لرجل آخر "
أرق يفكر بمرارة ، تتسلل الأحلام من جنباته الملتاعة كالسراب ، يجد نفه تائها مابين اليقظة والشرود ، يحدث نفسه في لوم ، تلسعه سياط الحقيقة بحرقة
أيها الأحمق ، حاولت أن تمسك العصا من الوسط ففشلت ، وطمعك الساذج أوهمك أنك تستطيع أن تأكل على شبع ، حتى هوت العصا فوق رأسك وخسرت الاثنين فشربت المرارة ، وذقت طعم الحرمان .
اخر تعديل كان بواسطة » Spirit Voice في يوم » 30-03-2006 عند الساعة » 17:14




Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®


*****************************************
عنوان القصة : الورقة المطوية

تأليف : محمود البدوي

*****************************************




" الورقة المطوية "



وقفت في الصف مع الرجال .. أمام شباك التذاكر .. وكان الزحام شديدا في نهاية الصيف والطابور يتلوى لطوله ويبرز خارج المحطة ..
وكان آخر قطار " ديزل " يتجه إلى القاهرة .. ومع أن معظم الواقفين في الطابور لم يكن عندهم أدنى أمل في الحصول على مقعد ولكنهم وقفوا .. وصبروا ليجربوا حظهم .
وكان عامل التذاكر في محطة " سيدي جابر " بليدا ولئيما وحلا له تعذيب الواقفين أمامه في الطابور .. إذ كان يعمل في بطء شديد، ويحادث موظفا في الداخل بين الحين والحين ويدير رأسه إلى الوراء دون سبب ظاهر ثم يعود في تكاسل إلى عمله ..
وكان كل الذين يرون هذا المشهد المغيظ ، لا يبدو منهم التذمر أو الاعتراض .. فقد ألفوا مثل هذه الأشياء .. واعتادوا عليها .. وكانوا على يقين .. بعد التجربة المرة .. إن الشكوى والتذمر لا جدوى من ورائهما ..ولا يغيران الحال .. فلاذوا بالصمت .
وصمتت السيدة مثلهم ولكنها كانت تشعر بالغيظ .. وصبرت حتى جاء دورها وأصبحت أمام الموظف على الشباك .. وفتحت حقيبتها لتخرج ثمن التذكرة .. وارتعشت يدها وتمتمت ثم أخضلت عيناها بالدمع ..
وظهر عليها الاضطراب بوضوح .. وأخذت تتلفت زائغة البصر .. ثم خرجت من الصف وهى لا تستطيع حبس عبراتها .. وأدرك الرجل الذي كان وراءها في الصف حالها وما جرى لها .. وكان قد سمعها وهى تقول :
ـ تذكرة لمصر ..
ثم انشل لسانها ..
فأخرج ورقة بخمسة جنيهات من جيبه وقطع تذكرتين بدلا من تذكرة واحدة .. وتناول الباقي من الموظف ثم خرج من الصف ..
وظل يبحث عن السيدة حتى وجدها خارج المحطة .. فتقدم إليها وقال بلطف وهو يمد يده بالتذكرة ..
ـ أدركت ما حدث .. فاسمحي لي بأن أقدم هذه التذكرة .. وعندما تعودين إلى بيتك .. ردي ثمنها في أي وقت ..
فنظرت إلى الرجل مشدوهة .. لم تكن تقدر .. أو تنتظر مثل هذا من إنسان .. وتصورت أن الرجل يحتال عليها .. أو يفعل شيئا ليتقاضى ثمنه مضاعفا .. وظلت مترددة واجمة ولكن لما توضحته ونظرت إلى عينيه توسمت فيهما الطيبة المطلقة ..
فتناولت منه التذكرة .. وهمست ..
ـ متشكرة ..
وبعد أن دخلت من باب المحطة .. تذكرت أنها لم تسأل الرجل عن عنوانه لترد له نقوده ..
فمشت إليه في استحياء .
ـ ولكن .. حضرتك .. لم تعطني عنوانك ..
ـ في القطار .. إننا جنب بعض ..
جنب بعض .. وعاودتها الهواجس أنه يستغل الموقف إذن .. واضطربت وعلا وجهها السهوم .. لقد كانت تتصور فيه الطيبة فإذا به كغيره من الرجال استغل موقفها ببراعة .. ترد له التذكرة ؟ ولكن أين تذهب في هذه المدينة الكبيرة وهى وحيدة مفلسة ؟ فبعد أن نشلت ليس في جيبها أي نقود على الإطلاق .. وليس لها قريب أو غريب في الإسكندرية تعتمد عليه ..
وظلت حائرة مضطربة .. ثم شعرت بالقطار يدخل المحطة فأنقذها من حيرتها وركبت وهي تترك الأمر للمقادير ..
***
وبحثت عن الرجل وراءها وقدامها وهي تدخل في جوف العربة فلم تجده .. وكان الزحام شديدا .. خلق كثير .. يتدافع بالمناكب .. في داخل العربة .. وتحركت ببطء وهي تقدر العثور عليه بعد أن تجلس على المقعد .. فهو بجوارها كما قال لها ..
ولكنها وجدت رقم كرسيها بجوار سيدة فجلست متعجبة .. ولما تحرك القطار تطلعت فأبصرت بالرجل هناك في أقصى العربة .. يجلس بجوار الباب ..
وظلت عيناها معلقتين به .. وهي تنتظر منه أن يتحرك من مكانه ويأتي إليها وعلى الأخص وهو يعرف رقم مقعدها .. ولكنه لم ينهض حتى بعد أن جاوز القطار محطة " دمنهور " ..
وفي محطة " طنطا " حمل إليها لفة طعام ونظرت إليه .. وابتسمت .. وتناولت اللفة صامتة .. فقد خشيت إن رفضتها أن تثير فضول الركاب .. وخصوصا السيدة التي بجوارها فهي فضولية إلى أقصى مدى ..
ولذلك تناولت منه الطعام وهى تشعر من حولها بأنها قريبة له أو حتى زوجته .. فهو في سن زوجها .. وأخذت تأكل .. ضامة شفتيها ما أمكن .. وعزمت على جارتها أكثر من مرة ..
وبعد أن فرغت من الطعام وأحست بأنها تقترب من محطة القاهرة .. فكرت في الذي تفعله لتصل إلى بيتها في الدقي في هذا الليل ومعها حقيبة ثقيلة ..
وخرجت من القطار .. تحمل حقيبتها بيدها .. وفى الصالة الخارجية لمحطة القاهرة كان الرجل بجانبها يعينها .. ودفع إلى يدها ورقة بخمسين قرشا ..
وقال ..
ـ هذا للتاكسي ..
فقالت له بثبات هذه المرة ..
ـ أبدا .. لابد من اسمك وعنوانك أولا ..
فابتسم في لطف .. وأخرج من جيبه ورقة وقلما .. وانتحى جانبا ليكتب ثم طوى الورقة .. وقال لها ..
ـ في هذه الورقة اسمي وعنواني ورقم تليفوني أيضا ..
وأركبها تاكسي .. واختار لها سائقه ..
ولما دخلت البيت .. كان زوجها لا يزال في الخارج .. وكانت الشغالة في انتظارها وسرت لقدومها ..
ولما أخرجت " ثريا " ملابسها من حقيبتها واستراحت قليلا أخرجت من حقيبة يدها الورقة التي أعطاها لها الرجل " وكانت عدة طيات ففردتها ونظرت فيها .. فوجدتها بيضاء .. ليس فيها حرف واحد ".
وابتسمت وصورة الرجل الغريب تتضخم أمامها وتعظم حتى ملأت جوانب البيت كله ..
ولما جاء زوجها من الخارج وجدها في الفراش .. فاقترب منها في شوق ليحتضنها ولكنها دفعته عنها نافرة واعتذرت بأنها تعبة ..
ولأول مرة في حياتها تشعر بكراهية شديدة له واحتقار من غير حدود .. كانت تقارن بين صفاته الخلقية وصفات الرجل الآخر ..
فقد لمست لأول مرة في حياتها النبل والشجاعة في إنسان ..



Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



*********************************
عنوان القصة : الطبيب
تأليف : محمود البدوي
*********************************




" الـطبـيـب "



حدث منذ سنوات بعيدة ... أن سطا ثلاثة من عتاة اللصوص ـ في ليلة شتوية مظلمة ـ على قصر ثري من أثرياء الصعيد ... وتنبه لهم خفراء القصر رغم شدة الظلام ... أحس بهم الخفراء قبل أن يصلوا إلى الخزانة ... واشتبكوا معهم في معركة نارية ... ولكن اللصوص كانوا أشد مراسا وأقوى سلاحا ... فاضطر صاحب القصر لنفوذه أن يستنجد بعساكر المركز والمديرية وأسرعت قوة كبيرة وحاصرت اللصوص وقبضت عليهم ... ولكنهم كانوا في ساعة الاشتباك قد قتلوا اثنين من العساكر وجرحوا ثلاثة .
وسيق اللصوص الثلاثة إلى المركز فتلقفهم العساكر بالضرب المبرح والركل انتقاما لما حدث لزملائهم في المعركة وإشفاء لغل صدورهم .
***
وحول اللصوص والدماء تنزف منهم إلى السجن ... وخشي مدير السجن المغبة لشدة الإصابات وأكثرها ظاهرة للعيان ... فحولهم إلى المستشفى الحكومي .
وكشف عليهم الطبيب المختص ودون كل ما وقع عليه نظره ولمسه كطبيب خبير من إصابات وجروح في اللحم والعظم ... كتب هذا في تقرير دقيق مفصل .
وشاع كل ما كتب في التقرير في أرجاء المستشفى بعد ما رفعه الطبيب إلى رئيسه مدير المستشفى .
وكان حكمدار البوليس في مكتب مدير المستشفى بسبب ما وقع ... فاطلع على التقرير وهاله ما دون فيه ونهض مسرعا إلى حجرة الطبيب وفي عينيه شرر الغضب ... وابتـدره بقوله في غلظـة :
ـ ما هذا ... يا دكتور ...؟!
ولوح بالتقرير ويده ترتعش غضبا .
ورد الطبيب بهدوء مالكا أعصابه
ـ تقرير من طبيب مختص عن إصابات حدثت للناس .
ـ ولكن هؤلاء الناس لصوص ... وقتلة .
ـ القتلة ستحاكمهم المحكمة يا سعادة الحكمدار على جريمتهم ولا أحد غير القضاء هو المختص بمحاكمتهم ... فلا أحاكمهم أنا ولا سعادتك .
ـ ولكن التقرير فظيع ... وواضح الإدانة على العساكر .
ـ دونت الحقيقة خالصة من كل غرض .
ـ لم يحدث مثل هذا في تقرير يكتبه أطباء الحكومة .
ـ لكنه حدث ...
ـ تقول هذا بكل هدوء وأنت لا تعرف العواقب .
ـ لو فكرت في العواقب ... ما زاولت هذه المهنة قط .
ولانت ملامح الحكمدار وغير من لهجته تحت إصرار الطبيب وعناده .
ـ يا دكتور ... أنت في سن ابني مراد ... وأنا أنصحك الآن كما أنصح ابني ... وأرى لصالحك أن تغير من بعض ما كتبته في هذا التقرير .
ـ هذا لا يمكن أن يحدث .
ـ هل فكرت أن هذا سيذهب بهيبة السلطة ... ويشل حركتها ... وإذا ضاعت الهيبة ضاع الأمن في البلد ... وبهذه الهيبة نحميك أنت قبل أن نحمى غيرك .
ـ ليس الأمر على النهج الذي تصورته سعادتك ... ولو اتبع من بيده القانون لاستراحوا وأراحوا .
ـ يعنى نترك المجرمين والقتلة وقطاع الطرق يعيثون في الأرض فسادا ... وإذا وقعوا في أيدينا نربت " نطبطب " على ظهورهم .
ـ لم أقل هذا ولا أقبل أن أدافع عن مجرم ولا سفاح ... ولكني أقرر الحقيقة كطبيب ... في عمل من أخص خصائص مهنتي ... فمن الذي يكشف عن الجريح . الطبيب أو غيره ...؟ إنه عمل الطبيب وحده .
ـ ولكن ما كتبته سيجر ... إلى أمر لا تدركه أنت في هذه الساعة سيجر إلى ضياع السلطة وشيوع الفساد .
وأشعل الحكمدار سيجارة ... واستطرد :
ـ طيب عدل بعض العبارات ... مثل جرح عميق بطول ... وتهتك في قفص الصدر ... وكسر في الترقوة ... ومثل هذا كثير يحتاج إلى التعديل .
ـ ولا حرف .
ـ يا بني ... تعبت معك ... سأرى مدير المستشفى وقد يثنيك عن عزمك ... وتقبل منه النصح .
وجاء مدير المستشفى ولكن الدكتور " إسماعيل " ظل على إصراره ورفض .
وأخيرا قال له المدير :
ـ يا بني أنت متزوج حديثا ... وأصبحت أبا لطفل ... وعليك مسئولية الأبوة ... وأرجو أن تقدر المسئولية ... وأنت لا تعرف ما يجري، تنقصك التجارب .
وسقط مدير المستشفى في نظر الطبيب الشاب ... سقط سقطة أبدية .
وسأل الطبيب الشاب مديره :
ـ وما الذي تريده مني ...؟
ـ تغير من لهجة التقرير الحامية ...!
ـ أغير الحقيقة ... وأكتب الباطل ... أزور ... هل هذا هو ما تعلمته من الدكتور عبد العزيز إسماعيل ... والدكتور على إبراهيم ... والدكتور محمد صبحي ... والدكتور أحمد شفيق ... هل تعلمت من هؤلاء الأفذاذ التزوير ... حتى أكتبه ... حرام عليكم حرام ... وحرام أن يصل الهوان بنا إلى هذه الدرجة .
ـ يعني تصر على رأيك ...؟
ـ إلى يوم القيامة ...
وتناول المدير التقرير وخرج غاضبا ... وعلم زملاء الدكتور إسماعيل بما حدث ... فانقسموا قسمين قسم رأى التغيير ... وقسم رفض .
وشاع أمر التقرير في المستشفى بين المرضى والجرحى والممرضات والأطباء ... كان ما فعله الدكتور إسماعيل بقوله الحقيقة هو شيء شاذ وغير مألوف في حياة المستشفيات .
***
وعندما رجع الدكتور إسماعيل إلى بيته ... لاحظت زوجه حاله ... وعلمت بالخبر ... فظهر على وجهها الألم ... وحاولت كتمان آلامها في تحركاتها في الشقة وانشغالها بطفلها وعملها البيتي.
ثم لما سألها عن رأيها قالت له :
ـ من رأيي أن تنزل عند رغبتهم .
ـ هكذا بكل بساطة ...!
ـ نعم ...
ـ يا لخيبتي فيك ... كان يسعدني أن أسمع عن سيدة مصرية من هذا الجيل وقفت بجانب زوجها في وجه العاصفة حتى تمر .
ـ أنت تعيش بخيالك وبعيدا عن عذاب العيش ولقمة العيش وهو الشيء الذي تشعر به المرأة ... وتعمـل له الحساب قبـل الرجـل .
ـ ولماذا هذا المنظار الأسود ... وتتوقعين الشر ...؟
ـ لأني أرى في كل ما حولي ... انتصار الشر ... وسيبقى صراع الخير والشر أزليا ... سيبقى الصراع أبديا إلى قيام الساعة، وتلك إرادة الله وحكمته .
ـ ولهذا علينا أن نقاوم الشر بكل ما أعطانا الله من قوة ... حتى نقضي عليه .
ـ لو أراد الله الخير الخالص في هذه الدنيا ... لما أبقى الشيطان في الأرض بعد أن عصاه وأخرجه من الجنة ... أبقاه يعيش مع الإنسان في الأرض لأنه جل وعلا هو الذي خلق الإنسان ويعرف طبيعة تكوينه عندما ينزع إلى الخير ... وعندما يكون شرا من الوحش في ضراوته إذا نزع إلى الشر ...
ـ يعنى أبقي الشيطان على الأرض لأن الحياة الدنيا لا تستمر في مسيرتها بغير شيطان وشياطين ...!
ـ نعم ... وإلا فكيف تختلف عن الجنة ... في الجنة النعيم المقيم ... وفي الأرض الخير والشر وإذا قاومت الشر وحدك وأنت ضعيف ستخذل حتما ... تلك سنة الحياة .
ـ ولكن أشعر بكل الناس معي.
ـ أين هم ... أنى لا أرى حتى زميلا لك من أطباء المستشفى ... جاء ليزورك ...؟
ـ سترينهم .
وسمعت قرعا على الباب فمشت إليه وهى تتوقع زيارة صديق ممن يزورنه في بيته ... ولكنها وجدت خالة لها قادمة بزيارة من الريف فانشغلت بها ... ودخل إسماعيل إلى حجرته بعد أن حيا الضيفة ورحب بها .
وفى اليوم التالي زاره وكيل الحكمدار في بيته ... وكان الدكتور إسماعيل يتصور أنه جاء ليرجوه كغيره تغيير ما كتبه في التقرير ... ولكنه وجده يشجعه على شجاعته ووقوفه في وجه العاصفة التي أثيرت حوله .
وأخيرا قال له وكيل الحكمدار في حماسة وهو يبتسم :
ـ يا بني أنت لم تر جدك " عبد المنعم " ولكني رأيته ... فيك كل طباعه وكل صفاته ... أنا كنت ضابطا صغيرا في النقطة ببلدكم ... وطوال مدة خدمتي في النقطة والمركز لم يدخل فلاح واحد من أهل قريتكم نقطة ولا مركز .
عاش جدك عبد المنعم ومات وهو عمدة ولم يذهب في حياته فلاح واحد من أهل القرية نقطة ولا مركز ... وكان يقول لي :
ـ أهين أهل بلدي ... وأجرهم إلى سجن المركز ... لا ... قد يخرج الطيب منه شريرا في يوم وليلة ... لا لن يحدث هذا وأنا بصحتي إن وظيفتي كعمدة في حسم الأمور هنا ... وإلا فلا خير فينا للناس المساكين الذين لا حول لهم ولا قوة ...
كان يعالج الأمور بطريقته الفذة ... سرقت جاموسة من " شريفة " وجاءت تشكو له ...
فيقول لها بابتسامته الوضاءة :
ـ طيب روحي يا شريفة .
وفى الصباح التالي تعود الجاموسة إلى بيت " شريفة ".
وهكذا ما يحدث من سرقة وعراك مع الفلاحين ... وما يحدث في سوق القرية ... وفي غيطانها ونجوعها ... وفي زمن الفيضان وفتح الخزانات ... والنزاع على الري ... وجنى القطن ... وضم المحصول ... وحراسة الأجران والجسور ...
مئات الأشياء التي كان ينهيها بقوة مراسه وهيبته وتجاربه ومعرفته بخلق الفلاحين وطباعهم .
وكانت قريتكم أول قرية أضيئت شوارعها بالفوانيس وأول قرية لم تحدث فيها حادثة قتل واحدة طوال مدة حكمه التي جاوزت عشرين عاما ... كنا نسميها القرية الآمنة ... فأنا يا بنى لم أدهش لفعلتك ولم أستغرب كما فعل غيري فأنت خليفة والدك وجدك .
وشكر الدكتور إسماعيل وكيل الحكمدار وسره أن يكون من رجال القوة في المديرية من هو على هذه الصفات الحميدة .
***
وبعد ثلاثة أسابيع نقل الدكتور إسماعيل إلى " أرمنت " .
ولما علمت زوجته بأمر النقل تركته إلى أهلها ... ووقف هو على رصيف المحطة وحده ينتظر القطار الذي سيقله إلى مقر عمله الجديد .
ولمح شبحا يتحرك في سكون الليل ... والسنافورات تتحرك والريح تعوي وتصفر في الأسلاك ...
ولما اقترب عرف الدكتور إسماعيل أنه معاون المحطة ...
وقال المعاون وفى صوته رنة الأسى :
ـ جئت أودعك يا بنى وأسلم عليك وأحيي شجاعتك في هذا الزمن النكود ...
ـ شكرا يا عم " سمعان " فيك الخير ...
ـ لا تتصور أنهم انتصروا عليك بنقلك ... أبدا أنت المنتصر والناس تتصور دائما لغباوتها ... أن الحق مطموس وضائع ... والشر ينتصر على طول الخط ... وهذا خطأ .
اذهب الآن إلى المدينة بعد ما عرفوا فعلتك تجد الجميع يفخر بك ويصفق لك ... دخلت في قلوب الملايين ... وسترى هذا الأثر في عملك لو فتحت عيادة خاصة ... الناس لا تنسى الشجاعة أبدا ولا موقف البطل ... ولا تغفر قط للجبان الرعديد ... حتى وإن كانوا هم في أعماقهم جبناء لأنهم يقدرون من عبر عن شعورهم وما عجزوا هم عن فعله ... ومن هنا تكون صفات البطولة للبطل . أنه الفرد الذي تكلم وعبر عن خلجـات الجماهير الضائعة في تيه الحياة .
ولا تفكر بطريقتهم ولو ضربنا وعذبنا كل مجرم وسفاح ... ما كانت هناك محكمة ولا محاكم في الأرض .
ـ شكرا يا عم " سمعان " ملأتني ثقة في جوانب نفسي ... ولكن أشد ما يؤلمني الآن ألا أجد زميلا واحدا جاء ليودعني على المحطة .
ـ اعذرهم ... يا بنى ... قد يكون لهم عذرهم ... وقد يعوضك الله في مقرك الجديد من هو خير منهم .
ـ شكرا لكلماتك الطيبة ... شكرا ...
ـ جاء القطار ... وقد حجزت لك أحسن المقاعد ... وخذ منى هذا التذكار البسيط .
وتناول الدكتور إسماعيل التذكار من المعاون وعيناه مخضلة بالدمع ...
وكان القطار وهو يدخل المحطة يصفر وأنوار عرباته تتوهج في الظلمة .



Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سموحة

avatar

المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

مُساهمةموضوع: مكتبة القصة القصيرة   السبت ديسمبر 10, 2011 8:03 am

عنوان القِصة : مسيرة للمعارضة


،،

نظر في المجتمعين حوله وهو يلملم اورقه وقال للشاب الذي يجلس بجانبه ويحمل قلماً يدون محضر الإجتماع :
أكتب إذا ختام الاجتماع
قررنا نحن ممثلي أحزاب المعارضة ما يلي:
تحديد موعد الرابع من هذا الشهر موعداً لإنطلاق المسيرة التي ستكون تحت شعار ( لا للقمع الذي تمارسه الحكومات على الأحزاب)
وإختم الاجتماع وسجل تاريخ اليوم واعطني المحضر كي اوقع عليه ومن ثم مرره على الاخوة الجالسين ممثلي الاحزاب كي يوقعوا عليه.
وقع الجميع على محضر الاجتماع ومنذ أن انتهى الاجتماع توجهوا جميعاً إلى مبنى مديرية الشرطة واصطفوا دوراً على البوابة.
جاءت حارس البوابة وسألهم : ماذا تريدون .
اجاب احدهم : نريد لقاء مدير الشرطة .
فقال : ومن اقول له .
اجابه : قل له ممثلي احزاب المعارضة.
رفع الحارس سماعة الهاتف وبدأ يتحدث مع احدهم على الطرف الاخر، ومن ثم التفت اليهم قائلاً : مدير الأمن عنده اجتماع.
فقال أحدهم :هو كذلك دائما منذ يعرف أنا جئنا يتحجج بأن عنده إجتماع ... وماذا عن نائب المدير أو اي احد من المسؤولين ؟؟
عاد لاستكمال مكالمته ومن ثم قال لهم : ماذا تريدون منه، ما هو موضوع طلب لقائكم به ؟؟
- قل له جئنا نطلب منه ترخيص لمسيرة في الرابع من هذا الشهر .
- اذا انتظروا هنا في الساحة حتى يفرغ من العمل الذي بين يديه .
اغلق الحارس سماعة الهاتف وقال وكأنه يحدث نفسه : كم هم يضحكون، يحضرون ليطلبوا من الحكومة إذناً بالتظاهر ضدها ... ويسمون أنفسهم قوى المعارضة الوطنية.



Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



*********************************
عنوان القصة : القطار الأزرق
تأليف : محمود البدوي
*********************************


" القطار الأزرق "


التقيت " بنادية " لأول مرة بفندق أوكرانيا في مدينة موسكو ، وكانت واقفة في الصف أمام عاملة المقصف ، وتحاول أن تجعلها تفهم بالإشارة وبكـل وسائل التعبير ما تريده من أصناف الطعام ولم تنفع هذه الوسيلة ، فتلفتت نادية إلى ناحيتي وأشارت إلى الأطباق التي أمامي على المائدة لتأتى لها العاملة بمثـلها تماما ..
ولما تناولت الطعام من فوق الرف واستدارت ، بحثت بعينيها عن مائدة خالية ، فلما لم تجد ظهر عليها الضيق ، فلوحت لها بيدي لتتفضل وتجلس إلى مائدتي ، فجلست تأكل إفطارها صامتة بعد أن عبرت لي عن شكرها بهزة خفيفة من رأسها .
وتصادف بعد ذلك ركوبنا المصعد معا وهو صاعد ونازل في طوابق الفندق ، وكانت تفتح عينيها السوداوين على سعتهما وتحدق في وجهي كمـا كنت أفعل مثلها في صمت دون أن نتبادل كلمة واحدة .
وتقابلنا ساعة الظهر في " الجوم " وكانت مع رفيقة لها في مثل أناقتها وشبابها وحيويتها ، ومع أن رفيقتها بدت لي روسية خالصة .. ولكنهما تاهتا مثلي في طرقات المتجر ، فقد كنا نلف جميعا وندور في هذا التيه دون أن نهتدي إلى باب الخروج .. وكلما تقابلنا ابتسمنا ابتسامة تجمع بين المرارة والعجز ..!
وكنت كلما رأيتها نسيت ما أنا بسبيله .. وأشعر بأني سأظل على اتصال دائم بها كلما تحركت في قلب المدينة الكبيرة ، وأن صورتها لن تبرح خيالي أبدا ، وبدا لي جليا أنها تدعوني ولا تستطيع التعبير عن ذلك بالإشارة ولا بالكلام .
وفى صباح يوم وقفت على باب المصعد في الدور التاسع كعادتي لأنزل إلى الطابق الأرضي وكان السهم يشير بأنه نازل .. فضغطت على النور ، ولما وصل طابقي وفتح الباب ، وجدته ممتلئا كله بالنساء من المضيفات اليابانيـات وغيرهن .. وليس فيه موضع لي .. فبقيت مكاني .. وأشرت للعاملة في أسف .. بأن تواصل طريقها في النـزول .. ولكنها لم تفعل وظل الباب مفتوحا .. وسمعت صوت نادية من الداخل يردد مع صوت العاملة :
ـ تعال come .. بالإنجليزية ..
فدخلت وسط هؤلاء الفتيات وأنا شاعر بالخجل ، وظللن يضحكن ويزقزقن كالعصافير حتى وصلنا إلى الأرض ..
وخرجت من الفندق بصحبتها في هذه المرة ، وأصبحنا نتجول في المدينة معا ، وسرني أنها تجيد الإنجليزية ، فقد تعبت من الحديث بالإشارة وأنها ذاهبة إلى " ليننجراد " مثلي .
قالت لي أنها " فنلندية " ومسلمة وتشتغل مدرسة علم نفس وجاءت إلى روسيا في عطلة دراسية لتـزور صديقة لها في طشقند .. بدعوة منها .. وبعد أن توافر لها المال ..
وحدثتها بأنني التقيت منذ أكثر من ثلاثين سنة ، على التحقيق ، بسيدة "فنلندية " مسلمة وشابة مثلها .. على ظهر باخرة رومانية .. ونزلنا في "استانبول " .. وقضينا ليلة جميلة على ضفاف البسفور ..
وسافرت هي إلى " فنلندا " .. على أن تكتب لي .. وأعطيتها عنواني في كونستنـزا ، وبودابست ، وفينا ..
ولكن بعد وصولي بيومين اشتعلت الحرب فجأة في أوربا عام 1939 ، فعدت سريعا إلى مصر ، وانقطع بيننا كل اتصال .. ولا شك أنها قدرت موتي كما قدرت موتها ..
وقالت " نادية " بعذوبة :
ـ قد يكون تقديرك مخطئا ..
ـ وقد يكون صائبا .. وقد تذكرت هذه السيدة الآن بحنان وشوق عندما رأيتك ..
ـ لأني فنلندية ومسلمة مثلها ..؟
ـ أجل .. فكنا نتحدث معا بالإنجليزية أيضا كما نتحدث الآن في طلاقة وود ..
وكنت أبحث عن أفلام " للكاميرا " فاضطررنا أن نذهب إلى شارع "جوركي " .. وكان البرد شديدا والثلوج تتساقط بغزارة ، فأشفقت عليها في هذا الجو ونحن نعبر الشارع إلى المتجر ..
ثم خرجنا لنتغدى .. واتفقنا في ساعة الغداء على أن نسافر في الغد إلى "ليننجراد " ..
وقضينا نهار السفر معا نتسوق بعض الأشياء ونودع معالم المدينة الجميلة..
وكان القطار المسافر إلى " ليننجراد " يتحرك في تمام الساعة الثامنة مساء .. فوصلنا المحطة والثلج يتساقط والبرودة تحت الصفر ب 25 درجة .. وكانت " نادية " متدثرة بمعطف سميك وتغطى رأسها بقبعة زرقاء وفى يديها القفاز الصوفي ، ومع ذلك خفت عليها من هذا الجو الثلجي .
ووقفنا على الرصيف نرتعش من البرد ، وكانت المحطة خالية من الركاب تقريبا .. لأننا قدمنا قبل موعد السفر بمدة طويلة .
وأشفقت علينا موظفة مسنة في المحطة ، فأدخلتنا قاعة انتظار الضيوف ، فوجدنا قاعة فسيحة مكيفة ، وشعرنا على التو بالدفء والراحة ..
وخلعت معطفي وغطاء الرأس والكوفية الصوف ، وخلعت " نادية " معطفها وقبعتها وقفازها ، وبدا شعرها الأسود مرسلا متموجا شديد اللمعان ، وتألقت عيناها بعد أن خلعت القبعة وزاد ما فيهما من صفاء ورقة ، وأسفرت عن فستان كحلي من الصوف جيد النسيج محكم التفصيل ، أضـفى سحرا جديدا على بشرة في لون المرمر ونعومته ، وزاد الوجه نضارة وحسنا ..
وقدرت سنها بما لا يزيد على الثلاثين سنة ، فقد بدت في الجمال الآسر للمرأة عندما يكتمل عقلها وجسمها معا .. ويزداد بريق عينيها .. وتتفجر أنوثة وحيوية وهى تأخذ من الحياة قبل أن تولي عنها ..
وقد أخذتنا السيدة الروسية المكلفة بغرفة الضيوف في المحطة على اعتبار أننا صديقان أو زوجان .. رغم ما بيننا من فارق كبير في السن ، فقد كنت أكبر من " نادية " بعشرين عاما على الأقل .. وقدمت لنا الشاي الساخن وما عندها من مجلات روسية باللغة الإنجليزية ..
ولما أخرجت لها " نادية " علبة من الحلوى فاض وجه العجوز بالبشر وتناولت قطعة صغيرة من الشيكولاته وردت الباقي وهي تردد الشكر بالروسية التي لا نعرفها ..
ورأيت في هذه السيدة من الحنان والأمومة مثل ما شاهدته تماما في العجوز الأخرى التي كانت تشرح لنا باستفاضة ودقة كل طباع " تشيكوف" وأحواله عندما زرنا بيته في هذا الصباح في قلب موسكو ، حتى تصورت أنها هي التي ربته على صدرها ..وهو جيل عطوف صهرته الحياة وأظهرت فيه أجمل صفاته ..
كانت العجوز في المحطة لا تفتأ تسألنا بالإشارة إن كنا في حاجة إلى شيء آخر غير الشاي ، فشكرناها بحرارة ، وقلنا لها بالإشارة أيضا أننا أعددنا لليل الطويل في القطار كل ما نحتاجه من طعام ..
وكانت تنظر إلينا في تمعن وتطيل النظر وتحاول أن تقول شيئا لا تستطيع التعبير عنه بالإشارة ، شيئا كان يدور في رأسها ويحتل مراكز تفكيرها ..
***
وقبل موعد القطار بربع ساعة ، ودعنا السيدة العجوز وخرجنا إلى رصيف المحطة والثلج لا يزال يتساقط وكل منا يحمل حقيبته في يده ..
ومررنا على صف طويل من العربات ، أنه قطار طويل ، بل أطول قطار رأيته في حياتي .. قطار أزرق فاخر .. وعلى باب كل عربة وقفت الكمسارية بردائها الأزرق الجميل وكأنها قطعة من جماله ، وقفت ساكنة متهيئة للرحلة الطويلة .
وكانت عربتنا هي الرابعة وراء القاطرة .. وحيتنا الكمسارية على البـاب ودخلنا في طرقة العربة المفروشة بالسجاد إلى مقصورتنا .
ووضعت حقيبة " نادية " وحقيبتي في الداخل في المكان المخصص للحقائب وخرجت من المقصورة أتطلع من النافذة وأعطى الفرصة " لنادية " لتخلع معطفها وقبعتها وكل ما كانت تتقي به البرد في خارج القطار .
***
وقفت أرقب الرصيف من النافذة وأنوار المصابيح الزاهية قد غشاها الثلج المتساقط فأصبحت شهباء تريح العين ، وبدا شيء أشبه بالستارة الزرقاء قد انسدل فوق كل ما يحيط بنا من أبنية وأشجار ، وكان المسافرون الذين يتحركون على الرصيف قلة من السائحين والروس وبعض الضباط بملابسهم الرسمية ..
وبدا السكون واضحا ، ولم أسمع صفيرا للقطارات ولا زعيقا ولا ضجة ، ورأيت قطارات أخرى وكلها زرقاء واقفة حذاء الأرصفة تنتظر من يأذن لها بالمسير ..
وأحسست "بنادية" تقف بجانبي منشرحة الصدر ، وقد غيرت فستانها وبدت كأنها تلبس رداء أعد للسفر الطويل، وأخـذنا نتحدث ونتطلع إلى بعيد ، وكان رأسي يشتعل بالليلة "الحالمة"...
وظللنا نرقب الرصيف بعيون ثابتة بعد أن أزحنا الستارة كلها ، وكانت الحركة قليلة ومن يظهر من حين إلى حين من الركاب يمضى سريعا ويدخل في جوف العربة الدافئ ومعظمهم أزواج ، رجل وامرأة فمن الذي يقضي اثنتي عشرة ساعة في القطار وحده دون رفيق أو أنيس ..
وشعرنا بأن القطار بدأ يتحرك ببطء وينسحب على الرصيف ، وظلت عيوننا معلقة بأنوار المدينة المتألقة وبالثلج المتساقط على الأعمدة وأسلاك البرق وفروع الأشجار. وشاهدنا من بعيد شيخا كبيرا يمشي بتؤدة في طريق صاعد وهو يطلع وسط الثلوج، ورغم الجهد والتعب الباديين على ملامحه وجسمه، فإنه رفض أن تعينه امرأة كانت بجانبه ..



Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®




تتمه ..

وقالت نادية وقد تأثرت من منظره:
ـ إنه يتحرك بإرادته وحده ..
فقلت معقبا :
ـ ولعله حارب وانتصر بإرادته أيضا .. وأحسبه فقد ساقه في الحرب .. ولكنه ظل صلدا ..
وسلطت الكاميرا عليه ..
فسألت نادية :
ـ هل ستظهر الصورة ..؟
ـ أرجو هذا ..
وخـيل إليّ ونحن في الممشى أنه لا يوجد ركاب سوانا في هـذه العربة . وكانت الكمسارية واقفة هناك على الجانب الأيمن من المدخل ، ثم تحركت وأخذت تنـزل ستائر النوافذ الخارجية كلها ، ودخلنا المقصورة وردت نادية الباب .. وحمدت الله على أن السريرين متجاوران ، فلا داعي لأن يصعد أحدنا على سلم وينام فوق سرير الآخر ..
وسحبت " نادية " الطاولة التي بين السريرين وأخذت تخرج من حقيبة اليد بعض الأشياء وتضعها على الطاولة ..
وقالت وهي تدور بعينيها في جوانب المقصورة :
ـ جميلة .. ؟ !
ـ جدا .. أتفضلين هذا الجانب ، أم تحبين مكاني ..؟
ـ شكرا إنني مستريحة هنا ..
وأخذت تجري المشط على شعرها الأسود الناعم .. وترسله إلى الوراء وهى ترمقني بعينيها الواسعتين بنفس النظرة الثابتة المفكرة التي كانت في موسكو ..
وأخرجت المجلات الإنجليزية والكتب لتتسلى بها في القطار إن طابت لها القراءة ..
ونهضت وفتحت الباب وأنا أقول " لنادية " :
ـ سأطلب من الكمسارية قدحا من الشاي ، ألا ترغبين ..؟
ـ أرغب .. ولكن الشاي يقدم عادة في الصباح ..
ـ ولكني سأحاول ..
وكانت " الكمسارية " جالسة في مقصورتها بكامل زيها الرسمي ، فطلبت الشاي بالإنجليزية ، وسرني أنها تعرف هذه اللغة .. فنهضت على الفور لتصنعه ..
وحملت لنا قدحين كبيرين من الشاي ممزوجين بالسكر على عكس الشاي الذي يشرب في قطارات الصين ، وحيت نادية وهشت وبشت في وجهها. ودلتني وهى تنسحب على عربة الطعام .. فشكرناها وكان معنا طعامنا .. تسوقناه من بقالة في موسكو .. خبز وزبد ولحم بقر صنعت منه " نادية " شطائر شهية ، سنأكل منها كلما أحسسنا بالجوع ، دون أن نتقيد بمواعيد الطعام في القطار ..
وأخذنا نتحدث ، ونتطلع من النافذة في جلستنا المريحة عن الليل في روسيا في القرى والحقول والمصانع والمدن الصغيرة والكبيرة .. وكان القطـار يمضى كالسهم ، ولكن لا نحس بسرعته .
وعجبت لإحساسي نحو " نادية " .. فبعد ساعة كاملة من الانفراد بها في مقصورة ضيقة مغلقة الباب .. لم ألمس كتفها ولا خدها ولا شعرها .. ولم أشعر بالرغبة في ذلك ولم أبادلها كلمة غزل واحدة .. أنا الذي كنت أتحرق شوقا إلى السائحات في موسكو ، وأشتهى مضيفات الطائرات النازلات في الفنادق وعاملات المصاعد ، وكل شابة ألتقى بها وأجد عندها الرغبة لمبادلتي النظر والحديث ..
كنت أتحرق شوقا لأن أضم كل أنثى تستجيب لرغبتي .. ولما جاءت الأنثى وأصبحت على قيد ذراع منى والباب مغلق والسكون يخيم ، وكل شيء يهيئ النفس لإشعال العواطف .. لقيت نفسي باردا ميت الإحسـاس .. ميت العواطف .. لا أحس بأي إحساس مما يشعر به الرجل نحو المرأة عندما يخلو بها .. وتدفقت بدلها عواطف جديدة في كياني كله .. أحسست بهـا لأول مرة .. عواطف من الحنان الخالص والعطف الشديد ..
فلما قالت لي بأنها تشعر بصداع خفيف ، وضعت أمامها كل مـا معي من أقراص ومسكنات للصداع .. وكانت الحرارة في المقصورة قد زادت فخرجت وتركتها لتخفف من ملابسها وتفعل كل ما تحب أن تغيره الأنثى من ملابسها وهى وحدها ولا تضايقها نظرات الرجل ..
وعجبت أنا الرجل الأعزب الذي لم يتزوج قط ويعاشر المرأة ليصورها .. كمصور للصحف .. ويبيع صورتها دون اعتبار لصاحبة الصورة .. أنا بكل صفاتي أصبحت فجأة أحترم هذه السيدة وأجلها ، ولم أفكر قط في أن آخذ لها صورة ..
وكانت تقرأ خواطري في موسكو وتقول لي بعذوبة :
ـ لماذا لاتأخذ لي صورة ..؟
وكنت أجيبها :
ـ سأصورك صورة تذكارية عندما نفترق في " ليننجراد " أما هنا فلا ..
ـ هل أنت بخيل ..؟
ـ جدا ..!
ـ إذا سأشتري لك الفيلم ..!
أنها تخلق في كل كلمة من كلمات الحوار جمالا بلاغيا كان يهز مشـاعري ، وضحكت .. وكانت مسالك تفكيري تطرد .. وكنت أخاف من شيء لا أعرفه ولذلك لم أحاول تصويرها قط . ولم أفكر فيه مع أن صورتها مغرية .. ومثيرة في جريدتي .. شابة فنلندية مسلمة رائعة الحسن بكل الملامح الشرقية في العينين والخدين والأنف والفم والجبين والشفة الرقيقة الحالمة ..أي كسب وأي إغراء بعد هذا .. ولكن كل حلقات تفكيري كمصور كانت تقف عندها وتصدم بشيء أعزه فيها ولا أعرف مكنونه .
***
كانت " نادية " قد زارت ليننجراد .. قبل مجيئها إلى موسكو وطشقند . لأن ليننجراد أقرب المدن الروسية إلى فنلندا ، ولذلك أخذت تحدثني عن ليننجراد وما سنشاهده فيها من جمال وبهجة .
وقالت برقة :
ـ وسنقضى يوما بطوله في " الأرميتاج " ..
ـ يوما بطوله ..؟
ـ واليوم لا يكفى .. ألست مصورا ؟ سترى بعينيك أنه لا يكفي .. إن فيه أجمل ما صنعه الرسامون في العالم أجمع ..
وتناولت لفافة الطعام وأخذنا نأكل على مهل ، وكان في الكيس ثلاث تفاحات كبيرة .. فأكل كل منا واحدة ، واقترحت نادية أن تعطى الثالثة لكمسارية العربة ، وخرجت من المقصورة لتعطيها التفاحة .
وعادت الكمسارية إلينا تشكر ومعها دفتر ، وطلبت أن نكتب لها كلمة تذكارية ، وكتبت نادية كلمة بالإنجليزية أعجبتني جدا ، ووقعت تحتها باسمها ووقعت أنا باسمي " إبراهيم " بالحروف اللاتينية الكبيرة .
وأرادت الكمسارية أن تعرف منطوق الاسمين فكررته لها نادية .. نادية .. إبراهيم .. والكمسارية تحاول نطق الاسمين وراءها بلكنة وأنا أضحك ..
***
وكانت الساعة قد تجاوزت العاشرة بعد أن فرغنا من العشاء .. واقترحت أن نخرج إلى الطرقة ونتمشى قليلا حتى لا نصاب بالخمول ..
فخرجنا وواصلنا السير إلى العربات الأخرى .. وكانت معظم أبواب المقصورات مغلقة ، وقليل من الركاب كان يقف مثلنا في الممشى ..
ولكن الوقفة بجوار النافذة والقطار يمضى ويطوى في الليل كل شيء وراءه .. كان لها فعل السحر في نفس " نادية " فقد تفتحت نفسها وتطلق وجهها وأخذت تدفع شفتها السفلى إلى جانب .. وتفتح عينيها السوداوين إلى ما وراء الحجب ..
وشعرت أنه القطار الذي يطوى الزمن .. ولم أعد في فترة الأحلام أشعر بشيء .. ثم تنبهت على يد " نادية " على كتفي ولم أتحرك من مكاني حتى لا أجرح شعورها .. إن السعادة حالة نفسية ، وقد أحسست بها في هذه الساعة إلى أقصى مدى .. وأحسست بعد ذلك بأنها وضعت خدها على كتفي الأيسر بجانب الصدر .. قريبا من القلب .. ولم أتحرك .. وشعرت في هذه اللحظة بأن نادية جزء من كياني .. ولا انفصال لنا بعدها .. ولم أسألها إن كانت متزوجة أم لا .. لأنها لم تسألني هذا السؤال ..




Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®




تتمه ..

واستفقت على صوتها :
ـ نرجع ..
وكنا قد تجاوزنا عربتنا بثلاث عربات على الأقل .. فعدنا على مهل ، وبعد أن دخلنا المقصورة بقليل واضطجعنا وأخذت تقرأ .. وأنا أقلب في صفحات المجلات .
سمعت نقرا خفيفا على الباب فقمت وفتحته ، فوجدت فتاة رشيقة في الطرقة وناولتني بطاقة عليها صورة قارئة كف مشهورة موجودة في القطار !!
وأخذت " نادية " تحاور الفتاة بالإنجليزية وكانت ضاحكة مرحة وفى لباس قصير جدا جعلها شبه عارية ، وقدرت أنها إنجليزية أو دنمركية ، فقد كانت شقراء الشعر وسيمة ..
وسألتها عن العرافة :
ـ أين هي ؟
ـ في العربة السادسة والمقصورة السابعة ..
ـ وكم الأجر ؟
ـ عشرة دولارات ..
ـ هذا كثير ..
ـ إن الناس تسافر إليها .. وتصرف آلاف الدولارات لتراها .. ولكنها الآن موجودة وفى القطار ..!
وسألت نادية :
ـ هل ترغبين ؟
ـ لا .. أنا أعرف حظي ..!
ثم رأينا أن نذهب لمجرد الفرجة .. وفتحت الفتاة باب المقصورة قليلا لنرى من بعيد .. فوجدنا عجوزا نحيلة تجلس مسترخية على السرير .. وشدني وجهها بغضونه وتجاعيده .. وكانت فوق الثمانين .. وعيناها تلمعـان في حدة وقوة أبصار غريبة كعيني العقاب
وبدت في جلستها قصيرة جدا ونحيفة ، ولكنها كانت تتحدث بالإنجليزية بطلاقة مذهلة ..
وقلت لنادية :
ـ أدخلي ..
فقالت :
ـ لا .. ولكن لنقف ونتفرج ..
ووقفنا مع الواقفين على الباب .. وكان أمر العرافة قد عرف في القطار وأصبحت تسلية للمسافرين ، ولم يكن تسمح لغير الراغب في الدخول .. ولم نسمع من كلامها حرفا لأنها تغلق الباب تماما ، وبدافع الفضول دخلت أنا "ونادية " وسألتها إن كنت أستطيع أن أدفع بعملة أخرى ..
فقالت بالإنجليزية :
ـ دولارات فقط ..!
وتلفت نحو نادية لنخرج .. وأنا أقول :
ـ بالعشرة دولارات نقضى يوما ممتعا في ليننجراد ..
فهمست نادية :
ـ إن منظر المرأة يسحرني ..
وأخرجت ورقة بعشرة دولارات وناولتها للعرافة ..
وسألتني :
ـ من الذي سنقرأ كفه أنت أم هي ؟
ـ أنا ..
ـ إذن تخرج السيدة ..
ـ ليس بيننا أسرار ..
وأصرت على خروجها ..
وناولتها كفي ..
فقالت بصوت هادئ :
ـ يدك معروقة .. وطويلة .. وخطوطها واضحة .. أسفار كثيرة .. ومن سن العشرين وأنت تسافر ، والحظ عاثر ، أرى لقاء في سفينة بين عاشقين ، وأرى بحر مرمرة .. والبسفور ، وهاج البحر ، ودوت القنابل ، وأرى فتاة جميلة ثمرة لهذا اللقاء .. عاشت والتقت بوالدها بعد سنين وسنين ..
وذهلت عند سماع قولها .. وأخذت أردد .. بحر .. مرمرة .. والبسفور ..وسفينة .. ولقاء .. وبحر مرمرة بالذات ولم تقل بحرا ككل البحور ..
وسألت وأنا أرتعش :
والأم ما زالت تعيش ؟
ـ أجل ..
ـ أين ..
ـ في مدينة كبيرة .. وهى غنية وما زالت جميلة ..
وظللت واقفا والعرق يتفصد على جبيني .. كاد وقع المفاجأة أن يصيبني بدوار .. ثم تمالكت زمام نفسي وخرجت شاحب الوجه .
سألتني نادية :
ـ ما الذي قالته لك ..؟
ـ لا شيء .. مجرد أكاذيب كالمعتاد ..
وفى المقصورة أخذت أحدق في وجهها ورجعت أتذكر أمها .. نفس العينين وخط الأنف ونفس البسمة على الشفتين ونفس الطباع ..
وعادت نادية تسأل :
ـ ما الذي قالته لك المرأة ؟
ـ ما الذي تقوله عرافة .. أكاذيب بالطبع ..!
ـ أريد أن أسمعها ..
ـ قالت أنى متزوج .. وخط السعد واضح .. وتنتظرني ثروة كبيرة .. وسأظل أسافر دوما .. ولو عرفت أنني مصري لقالت أننا سنهزم إسرائيل في هذا الشهر

ـ وإذا كنت لا تصدقها .. فلماذا تغير حالك بعد قولها ..؟
ـ هذا يحدث لكل إنسان ..
وخيم بيننا الصمت ، ولم أكن أنام في القطارات .. وتمددت لتنام هي .. بعد أن خففت الضوء وشمل الظلام المقصورة ..
ثم سمعت صوتها :
ـ هل نمت ؟
ـ أحاول ذلك ..
ـ متى نصل ليننجراد ؟
ـ في الساعة الثامنة صباحا ..
ـ وأين سننـزل ..؟
ـ في فندق ليننجراد ..!
ـ حجزت ؟
ـ أجل ..
وخطر على بالي سؤال ، فقلت لها :
ـ نادية .. هل والدك موجود ..؟
ـ لا .. لقد توفى في أثناء الحرب ..
ـ وأمك ..؟
ـ تعيش معي في فنلندا .. وهى لا تزال صبية وجميلة مع أنها تقترب من الخمسين ..

ـ وما أسمها ..؟
ـ صفية خير الله ..
وارتعش قلبي ..
وسمعت " نادية " تقول بعد فترة صمت :
ـ إن صورتها معي في الحقيبة ، هل تحب أن تراها الآن ؟
ـ في الصباح يا نادية .. لا داعي للتعب في الليل ..
كنت أود أن أعيش في ظل الشك .. ولو حتى إلى الصباح ، فالحقيقة السافرة مع كل ما تحمل من فرحة .. فيها وقع المفاجأة التي لم أكن أتوقع حدوثها قط ، فقد شطر كياني نصفين .. إن القطار الأزرق حملني عبر السنين إلى بعيد وأنا لا أدري .. لا شيء ينسى .. وكل ما يحدث في حياة الإنسان فهو لاصق بوجوده ..
لقد كانت " نادية " أستاذة علم النفس وتقرأ أفكاري ، وتعرف هواجسي ، ومشاعري ، وما أنا فيه من فرحة واضطراب .. ولكنها لزمت الصمت ..
وبعد ساعة قمت وغطيت " نادية " بالبطانية .. ولم يكن جو المقصورة يحتاج إلى غطاء ..




Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®





***********************
عنوان القصة : فلِسطين تحت المطر .
تأليف : يسري الغول .
***********************


" فلسطين تحت المطر "





ألوان زاهية تخطفني.
تحاصر ظلي المتكسر كعودة قش صنعت بها كوخاً في طفولتي.

أزرق ... بهاء ينتشي مع إطلالة سحب أرجوانية رائعة.
أحمر، كليالٍ غابرة تقتلني.
أخضر، نقاء يفترش بقايا مخيلتي.

ألوان و ألوان تحاصرني، تمتد لتلفح ما يراودني.
أراها بهية متداخلة تختلط في قلبي، تتمرد على صمته.

تطرأ عليّ فكرة جديدة، أن أرسم ما يطفح في عيني، حب، غروب حتى الغرق.
لكن حزني يملأني، أتذكر والمطر يغور في البعيد الذي يطوحني، يقشعر بدني، لا أفكر في الأخضر أو الأزرق أو أي لون آخر. شيء يجذبني إلى نقش آهات المطر على أسوار وطني، عالمي، أتسائل بيني وبيني، لربما هي لوحة القدس تحت المطر من أغرتني، لا أدري!

سأحاول أن أرسم، أفكر جدياً بذلك، لكن الخوف يتملكني، هل سأنجح إن فعلت؟ سؤال يؤرقني، أنزع عني روعي، أمسك بالفرشاة "سأرسم "و الكلمة تطن في أذني. أفترش ظلي على اللوحة، أغمض كل ما يبعدني عن مطري، تبدأ يدي بالانصهار في بوتقة اللوحة. أضع خطوطاً باهتة لمجازاتي، أرسم سهولاً دون وجه، بيوتاً دون أسقف، و تملأني الحكايا، تبحر بي في دهاليز عواصفي، أسقط قطرة ماء، أسقطها دون أن تؤذيني، و في اللوحة رذاذ خفيف يطاردني.

أصنع عالمي، بيوتاً قرميدية تتكسر مع وجنات الماء النابضة كحزني، أتعثر في شجوني. أمطاري تتساقط بغزارة، قطرات تذكرني بالتيه في بلاد الغرباء، التزلق في ثنايا الأرواح، آلام و انهيارات ساقطة، مبتذلة، لكنها لطيفة، رائعة. أسقط الفرشاة على اللوحة "سأخنقها تلك الساقطة"، ووجه عبوس يموت مع كل بذرة ماء تتوالد في سماوات الحب الرابضة.

أتأمل اللوحة، تبهرني قدرتي، أجدني قد فعلت شيئاً، رسمت، صنعت ما أدعيه فناً. نعم فعلتها بحق، لا أصدق ما تراه عيني، لم أكن أدرك أني سأنجز ذلك فعلاً. وأطرق جدران عقلي "لقد كانت مجرد فكرة"، أضحك، هل هي من حركتني؟ أضحك بضجيج أنفاسي المتلاحقة، أتوقف، "هل أنهي تلك اللوحة؟" و حبي لسرد لحظات خلدتها نشوتي تستوقفني "أنت بارع حقاً". شيء يرجوني للتمهل، أسقط كتلاً من الحقد، الثلج، وفوق سطح منزلي تتكاثف كاختناقي. أتعثر مع أخي، نسقط بعد تكسر الألواح القرميدية المتهتكة، نصعد و تصعد اليد لتكمل مشوار الحرث في ضباب الماء الواهن.

قطرة أخرى و أشجار السرو تظللني، عجوز تجري كصبية في العشرين من موته.

أتعثر بصورة مخيمي، و أبكي ... تمتزج أمطاري بلوعتي، غربة في وطن، قطرة أنقى من دموعها. حبي أفرشه معها لها، تلك التي باعدت بيني و ظلي. أشيح بوجهي عن تلك السقطة من الماء، أغربل بقايا شتائي. الوطن يتلبد بسحب الانفجار "فلسطين تحت المطر" شعور بالغبطة للوطن يحتويني".

نعم، هي تحت المطر كما هي هناك في عالم الأموات، ليست القدس وحدها، هنا أراها تتفجر "فلسطين تحت المطر" كما كل عام، و كل لحظة، كما رأيتها في غربتي الهائمة على وجهها ... و قبل أن أسقط منهمكاً في خوفي و أختفي، يتردد سؤال في قيعان دواخلي، يرهقني، يفجرني كي أنطق به، أكتبه تحت قطار موتي "هل سيراها من هم مثلي كما أراها الآن؟ هل؟ ... " ولا أدري كيف الجواب .


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سموحة

avatar

المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

مُساهمةموضوع: مكتبة القصة القصيرة   السبت ديسمبر 10, 2011 8:05 am

***********************
عنوان القصة : إجازة زوجة
تأليف : خولة القزويني
***********************

إجازة زوجة ..


كنت في حاجة إلى هذه الإجازة .. قرار خاص كان يعتمل في صدري ، أشهر عدة ويلح عليّ بإصرار حتى حمّلت نفسي مشقة التفكير فيه بهوادة لأدفع عن نفسي ثقل هواجس طحنت بحوافرها خيالاتي الآمنة .
أرنو بعيني الساهمتين إلى حقيبتي المسجاة أمامي ، فقد دفنت فيها سنين أحلامي وأطياف عمري ، يعبث بقفلها طفلي جاسم برعمة قلبي المخضرة بالآمال ، يرفرف كطير طليق في فضاء روحي مذهولاً ، يبحث في دخائله البكر عن شيء مبهم ترك شروداً وتجهماً على وجهي اخترق الصمت وتوارى خلف قناع الحقيقة ، يبعث الفضول وتحدي المجهول بعضاً من الفهم تلتقطه حواسه البكر .
( أمي متى نعود للبيت ؟ لقد سئمت هذا المكان ) والشوق الذي يكمن في عقله يجول في النفس ويضرم فيها حدة المشاعر ، أبتسم في غياب :
_ " قريباً يا حبيبي " .
تركت المكان وأنا أهرب إلى النافذة لأخفي عن أبني حيرة نفسي واعتلال وجداني ..
هامت روحي في ذلك الفضاء الرحيب أستنشق عبير الكون ، ما يذيب عن قلبي المعنى بقايا أوجاع لا زالت أصداؤها تصرخ في أعصابي كلما ومضت في الذاكرة بارقة خاطفة تقطع علّي حبل الود وتبدد أحلى الأيام ، لأدرك حقيقة هذه الحادثة .... ثمة شيء كمن في ذاته دفعة عنوة إلى الخادمة ، لحظة ضعف ! انهيار قيم ! فورة مجنونة ! علاقة بخادمة لا تحتمل الشك كشفت أمرهما صدفة ، اضطربت نفسي منذ ذلك اليوم ، لم تعد قناعاتي به تثبت على نسق واحد ، فأواصر ثقتي به قد تمزقت ، وإيماني به قد تغلف بشك وريبة ، أشياء كثيرة فقدت مصداقيتها في حياتي ... بعد أن أثمر هذا الحب طفلنا جاسم يرتجف زوجي رجفة الشيطان وينساق خلسة إلى حب غامض يتكتمه ويداريه خشية افتضاح أمره .
الماجنة اللعوب كانت تنسج خيوط خبثها وكراً لأطماعها .. الأيام التي أغيب فيها عن البيت تلزم مكانها متعللة بالمرض ، لتغزل شباكها على مهل وتركن في عش غرامها الموبوء ، ليهفو إليها زوجي طوع إرادتها ، ويطير إلى عشها على جناح الحب والرغبة ، لقد كنت مغفلة ، غبية ، ساذجة ، تركت لها بيتاً غير محصن ، أسواره من قش ، جدران البيت ثرثرت كثيراً ووشت بهما ، ثمة همس لا تدركه الأسماع إلا بشق الأنفس ، وإيماءات مريبة تصطبغ بصبغة حمراء تتوارى خوفاً وتترقب الأبصار خلسة ...
أنفاسها المتهدجة لوعة ، رجفتها الوجلة حينما تسمع صوته ، وانحلالها كلما لمحت طيفه ، قلقها الذي لا يحتمل أي تبرير ، أدركت الآن وبعد فوات الأوان حجم الكارثة التي دمرت حياتي ...
لست أدري هل كان مقدراً أن أقع عليهما صدفة لأقطع الطريق على هذا الجنون العاثر وأحتوي علاقة لا يمكن التنبؤ بمداها ... الذاكرة مريرة تنشط في دفع الدقائق والتفاصيل إلى السطح ، كأنها مصباح ساطع النور يجلي الحقائق الثقيلة الوقع على النفس لتزدردها الروح على مضض ، حينما كان أحمد يسرف في تدليلها على نحو يثير دهشتي ، غضبته الشرسة كلما اغتظت منها صارخة ، يعنفني ، يؤنبني ، يستثير فيّ مكامن الرحمة والعطف ، يتململ قلقاً كلم طلبت منها أن تغسل سيارتي ( لا ينبغي أن تخرج للشارع ) ما هذه الرحمة التي حلَت على قلبك ، كل الخادمات يقمن بهذا العمل ! على الفور طلب لنا أحد الخدم للقيام بهذه الخدمة ، منعها من الخروج ، حدد لها المهمات والواجبات حتى لا تبذل المزيد من الجهد والعناء ، وناهيك عن أنه خلال رحلاته إلى خارج البلاد كان يحمل لها الهدايا الثمينة ، وكنت أبرر هذا النوع من الاهتمام على أنه مكافأة وتشجيع لها على جهودها المضاعفة ، يا إلهي لم أكن أصدق أن هناك علاقة تنسج خيوطها في الخفاء ، ربما لأنها لم تكن جميلة ، تكتنف أنوثتها بعض الثغرات التي تجفل الرجل ، وجهها ينغمس في استدارات غائرة تفضح طفولة ساذجة لا تجد فيها صفات جذابة ، شيء تألفه مع آلاف الوجوه ، ناهيك عن قامتها الضامرة التي هي أقرب إلى الصبيان منها إلى الإناث ،عندما نخرج معاً تخبو صورتها أمام وهج جمالي واكتناز قامتي ، تذوب في جلجلة سحري وصخب فتنتي ، هل جننت حتى ألتفت إليها أو أشك لحظة في تأثيرها على زوجي ، لا يمكن أن أقارن نفسي بمن دوني مقاماً ، هذه النكرة التي هي أشبه بمسخ ، صورة باهتة الملامح تذروها رياح الأيام فتذرها هباء ، لكني لا أنكر أبداً أنها شعلة نشاط موّارة بالحركة وفورة العزيمة لا تخبو ، تطهو أطايب الطعام حتى في أيام حميتي كانت تتفنن في صنع الأطباق النباتية ، تنهض باكراً لتعد الشاي المعطر لزوجي ثم تكوي ثيابه وتشيّعه حتى باب الدار ، تفتح النوافذ ليتسلل ضوء الشمس إلى الصالة التي كنا نجتمع فيها دوماً ، وفي الأيام التي أغيب فيها عن البيت لسفر طارئ أو في مهمة رسمية تقتضيها مصلحة عملي في الجمعية النسائية كانت ترعى طفلي وزوجي وتوفر لهما العناية الكافية ، وأثناء انشغالي المتقطع تعد الغذاء والعشاء لزوجي ، وعندما يعود منهكاً في المساء تحضر له الحمام الدافئ مع الأعشاب ، وفور أن ينتهي من حمامه تستقبله بالشاي الساخن وقطع الكيك ، وإن بدا غاضباً منزعجاً سارعت إلى إحضار عصير الليمون الطازج لتهدأ أعصابه ، تترقب أوقات خروجه ودخوله ، وأنا من كنت أسألها متى يحضر السيد ... متى غادر المنزل ... هل ترك رسالة .. لقد تمكنت تماماً من السيطرة على منافذ البيت وعرفت كيف تتسلل ، وأين تكمن الثغرات والنقائض ، احتوتنا جميعاً بثوراتنا اليومية ، أسرارنا ، شجارنا ، مزاجنا ، تمتص وتحتوي حتى تذيب الأجواء المشحونة بهدوئها وسكونها ، حينما أعود مضطرة لطارئ إلى




Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



تتمه ..


البيت أراها تقف عند رأس زوجي وهو يتناول الطعام وكأنها جارية من جواري ألف ليلة وليلة ، يتحدث إليها وهو في كامل ارتياحه ، أما الأيام التي تقع فيها فريسة للمرض والتعب ينشل البيت تماماً ، وتنقلب حياتنا رأساً على عقب ، يثور أحمد بشكل ملحوظ فأضطر أن أجاريه بعض الشيء وألبي طلباته ، ولكني أتعثر في سد الفراغ الذي تتركه ( ماري ) إذ كانت المحور الأساسي الذي يدور عليه نظام البيت ، والمحرك الرئيسي في تنشيط أجوائه وبعث الحيوية فيه ، وفور أن تتعافى تعم البهجة علينا ، فتعود الإشراقة إلى حياتنا من جديد ، لقد أعتدنا عليها ، غرف البيت كانت مليئة بالحياة ، ففي كل صباح تفتح النوافذ ليتسلل النور والهواء إلى قلب البيت ليتنفس صباحاً جديداً بالأمل ، ترفرف الستائر كلما ضربتها أمواج الهواء السارحة ، تبتهج مع عصافير الصباح ، أشم رائحة الغسيل تختمر برائحة الخبز المحمص تأتيني وأنا راقدة في فراشي ، الملاءات الناصع البياض ينضح أريج الصابون من نسيجها الناعم ، ويفوح عبيرها في ردهات البيت ، يخيل لك أنها عصا موسى السحرية ، تقلب كل الصور الباهتة إلى محض خيال ، متوقدة النشاط لا تكل ولا تمل ، مفعمة بالمرح والحيوية ، وفي المرات التي تغيب الابتسامة عن ثغرها الضاحك يقوضنا الأسى ، ويتنحى كل منا ناحية يكتنفها الغموض ، نخشى أن نخترق الفم المقفل فنصاب بخيبة من حقيقة مرة كسطوة ملل تقطع الطريق على روتين حياتنا المريح ، نخشى ارتداد إقبالها علينا فتثبط عزيمتها على حين غرة فيختل ميزان البيت ، ولهذا كنت أسمح لزوجي أن يمنحها شيئاً من كرامته وبعضاً من ودّهِ حتى نذيب هذا التهجم على وجهها ، هذه هي غريمتي ...عفواً خادمتي ( ماري ) .
بعد أن افتضح أمرها مع زوجي طردتها من البيت وحمم الغضب تستعر في كياني ، وأنغمر في لجة الصراع حانقة أتأرجح بين الصفح والإدانة ، وألقي باللائمة على زوجي ، ذلك الرجل الرزين الذي صارت مبادئه علامة مميزة في شخصه ، اخترته بعد أن آمنت بقيمه ومداركه العالية ، جذبني حبيباً وزوجاً ، ينهار لأوهن ريح وأضعف سيل ، فكل ثقافاته حبر على ورق ، شعارات خاوية المحتوى ، سقطت الأقنعة بعد أن ذوى الكثير من الاعتبارات الكائنة بيننا .. انفصلت عن ذاته بعد أن تحولت إلى مخلوقة مجروحة الكرامة مطعونة الكبرياء ، حاول أحمد أن يلم ما تبعثر من هذه القيم ويبرر فعلته بنزوة ، لكن مخيلتي تشير بأصابع واثقة أن لهذه الوقعة جذوراً وليس كما يدعي وليدة لحظة آنية .
تركت هذه لواقع شرخاً عميقاً في نفسي يكاد يطفئ هذه الهالة التي رسمتها لزوجي ، انهارت كل أحلامي فجأة حينما ذوت بهجة الهيبة في شخصيته المتعالية ..عشت لحظات كئيبة ، تسبح غمائم سوداء في سماء حياتي ، أضناني التفكير حتى الوهن ، وعجزت عن إدراك كنه الحقيقة ..خبا سكوني ، وأنا ألهب غيظاً عندما ألتقط آثارها في ملامحه القلقة ...
دنوت منه وهو جالس في الصالون يتابع نشرة الأخبار :
_ " أظن أن الطلاق حل مريح للطرفين " .
ابتسم ساخراً وعيناه تصفعاني غضباً :
_ " قرارات سريعة وحاسمة ،هذا هو عهدي فيك دائما
حاولت أن أكتم غيظي وأفتعل الهدوء ..
_ " لا تظن أن ما حصل يمكن ...
ارتعد بكل جوارحه حتى صارت نبراته مفزعة
_ " ما حصل قد حصل ، وهذه المرأة بريئة من كل إثم " .
_ " إني رأيتكما في وضع مريب ! " .
_ " أنت تبحثين عن مخرج مريح لهذا المأزق المفتعل
_ " لِمَ كل هذا الانفعال ، إنها مجرد خادمة ، لكن على ما يبدو أن وجودها مهم في حياتك ، والتهمة لصيقة بكما .
....
_ " كانت تخدمني وتوفر لي سبل الراحة في وقت كنت تأنفين من ذلك ..
أحسست به فوهة مدفع يرشني بكلمات نارية لا أستطيع صدها ، ربما لا نشعر بحقيقة الشيء إلا عندما يقف النقيض بمحاذاته ، هذا الهاجس الخفي يلهج بروحه حينما يلمس التباين في المعاملة فأدرك أين تكمن راحته؟ أدرت ظهري حينما عجزت عن احتواء غضبه ، بدا منهاراً ، يفتعل المواقف ليصب جام غضبه علي ، لا بد من تدليله ، ينبغي أن أفعل شيئاً يمتص نقمته ، أخذت إجازة وجاهدت نفسي حتى أعيد للبيت نظامه المعهود وأدفع بعجلة الأيام كي تدور في نسقها المتناغم مع أحلامنا وأمنياتنا ، تركت للحيطان الصامتة أن تثرثر وأنا أصف بجانبها نباتات داخلية تعانقها في لحمة فنية رائعة نتسامر في ظلال وريقاتها الوارفة ، أهمس في أذنيه :
_ " ما رأيك بهذه الأشجار ... لقد اشتريتها صباح هذا اليوم ؟ "
أجاب باقتضاب :
_ " لا بأس بها .." .
بدا بارداً ، شارداً ، غضوباً ، أثار قرفي واشمئزازي ، فلم أعد أحتمل حضوره الغائب ، قطعت إجازتي وعدت إلى عملي لأذيب نفسي في الآخرين ، لأن من أحبه أعرض عني صامتاً ، لا بد أنه إنسان مريض ، فقد اتخذ سلوكه طابعاً عدوانياً وأفرط في العزلة حتى أدمنها ، هل هناك سر خفي ينطوي عليه ؟ ربما كان مسحوراً ، هذه




Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



تتمه ..


القروية الساذجة قد أسقمته سماً زعافاً فراح يجري في عروقه مجرى الدم ، يا إلهي كيف أرضي شيطانه وغضباته المرهقة للروح ؟ اتجهت اتجاهات خاطئة لا تحترمها عقيدتي ومبادئي لأفك عن رقبته هذا الطوق الساخن الذي يلهب أعصابه دوماً ... لكني وبكل أسف فشلت .. ربما هذه الحالة تأخذ وقتاً حتى تذروها رياح الأيام ، سئمت من وحدة ومسحة الكآبة التي امتصت رونقه
فقررت بعد أن أعيتني السبل الابتعاد عنه لفترة ، ربما أصل لقرار مريح يعيد ترتيب حياتنا من جديد ، حزمت حقائبي وأنا أودعه :
_ " سأنفصل عنك لفترة ، حتى يستطيع كل منا أن يحدد طريقه ! " .
رمقني بطر حزين :
_ " افعلي ما تشائين ! " .
قلت بامتعاض وأنا أدير له ظهري :
_ " أتمنى لك الشفاء العاجل ! " .
واستغرقني التفكير حتى ذوى عودي وانفرطت كل أعمالي ، فمزاجي الكئيب الذي يحتد كلما لامس وخزة مؤلمة صار الصفة الموسومة في شخصيتي ، انطويت على همي صامتة تأكلني الأفكار والوساوس ... أتُراها عادت إليه ؟ ربما كان يفتعل الأسباب ليوثق صلته بها ، هل ما فعلت كان صواباً ؟ هجرت البيت حتى يستعيد وعيه ، تحاملت على نفسي واتصلت به مرات عدة وأنا أشد في أعقابي أذيال الخيبة والإذلال ، فبرغم ما حدث يأسرني الواجب ويحملني عبء المسؤولية تجاهه ، لكن خذلانه يوجعني ، وإهماله يقتلني ، حاولت مداراة الموقف بلسان رطب جميل ، ووالدتي ترقب هواني بقلق و خوف وأن أبذل قصارى جهدي لأطوق مشكلتي في دائرة ضيقة حتى لا تتسرب فيتندر بها الأهل والأصدقاء ، أوهمت أمي أن ثمة خلافاً بسيطاً احتجت على أثره خلوة مع نفسي كي أصل إلى حل ، وأفلت على هذا السر ، حتى لحظات انهياري أداريها خلسة عن العيون الرقيبة .
وأستعيد الصور من مخزون الذكريات ، وأسترسل في البوح مع نفسي ، بما أستطيع التقاط العلة التي قصمت ظهري وأوردتني موارد البؤس والشقاء ، لم يعد إقبالي على الحياة موسوماً بالبهجة والبشاشة ، بل قد تعثرت الخطوات وتشتت الخواطر ، فرحت رغماً عني أعتذر عن الأمسيات الثقافية والندوات متعللة بالمرض ، تكومت على حزني وأنا أجتر اللحظات المؤلمة بصبر وأناة ، يتضرج الغضب في صدري حتى خلته الصاعقة المدمرة لبقايا الذكريات العذبة التي كانت تقبل علي في هدوء ، وتزيح تلك السحابة السوداء الطارئة ،ث تأخذني اللحظات الشاردة على جناحي الخوف والقلق ، فربما يتغشاني موج يلقيني في قعر الضياع ، تضربني مرساته بقوة لتدنيني من العدم ، فأصرخ في لجة الحرمان طالبة إغاثتي ، لا أحتمل الهجر ، لا أسمح لهذه الخاطرة أن تدنس حتى الأماني الكاذبة ، محال أن يوقع علي يمين الطلاق ... كلما رن الهاتف أعدو إليه كالمذعورة وقلبي يرتجف كعصفور حبيس في قفص وأطرافي ترتعش ، تنحسر الأمنية ويخذلني الصوت ، فليس هو من أنتظر ... لقد انقلب السحر على الساحر ، كنت في أوج تألقي وكبريائي أرفع هامتي في غطرسة وغرور ، وكأني ألقي له فتات الرضا ، لعله يرضخ صاغراً وذليلاً ، احتجبت عنه ظناً مني أن الغياب سيشعل في قلبه فتيل الشوق ، ليعربد الحب خفاقاً من جديد حينما تطحنه لحظات الفراغ وغياهب الليل الموحشة ، لكن ظني كان كالسراب يحسبه الظمآن ماء ، فقد خانتني الخيالات وأشعرتني أني أبعد الناس فهماً لشخصيته ، لم أكن أحسبه عنيداً بهذا الشكل ، أنكر سنين الحب وأيام العشرة ودفء اللحظات ... انسابت دموعي وأنا أطوف وحدي في غرفتي الخالية أسامر حيطانها الصماء كم أوحشني صوته ، إن في قلبي لوعة تكويني ليل نهار ، غموضه أربك تفكيري ، بدأ الخوف يتسرب إلى نفسي وتعشعش داخلي شتى الوساوس ، ربما قرر طلاقي ، لعله يخطط الآن للارتباط بــ ( ماري ) ، آه هانت علي نفسي حتى أقارنها بخادمة ساقطة ! بت أخشاها ، نعم يجب أن أعترف بهذه المفارقة التي أشعلت في صدري نيران الغيرة والغيظ ، لكني لن أسكت على هذه المهزلة ، لن أغفر لهما أبداً ، سأقلب الدنيا رأساً على عقب ، يا إلهي هل جاء ذلك اليوم النحس الذي أرى فيه نفسي مرتعدة من خادمة ؟ هل بلغ بي الهوان إلى هذا المبلغ ؟ هل أرضخ لواقع أشد وقعاً على نفسي من اشتباه الخواطر ، سيسخر الناس مني ، ستلوك الألسن سمعتي ، سأكون مضغة في فم كل حاسد ، ستقوّض هذه المشكلة كل نجاحاتي وتحولها إلى قصاصات ورق مرمية في المزبلة يتندر فيها كل الناس ، لا شهادات ، ولا جوائز تقدير ، كل بيارق التفوق والتي هي حصاد السنين الطويلة ستخبو بخذلان وحسرة .. لم تعد أكتافي الصغيرة تحتمل كل هذا العبء الكبير ، فرحت أنفس عن كربي بالصراخ والبكاء ، بت لا أطيق أي صوت ينطلق في المدى ، أحسبه يخترق أعصابي فيمزقها ، يشتتني في انزعاج كبير ، يدوس فيّ فرامل القلق ، نضب إحساسي بالأمان ، فأفعالي بانت متذبذبة تنضح عن باطن موبوء بالهم ، أقرر وأناقض نفسي ، أسترسل في حواري حتى أقف مشدوهة للحظات ، فقد تشتت الفكرة فجأة ، أنسى من أين بدأت وكيف انتهيت .
اختلطت علي الخواطر فور أن نخر الضعف بؤرة في جدران نفسي ، تنتابني بين لحظة وأخرى نوبات عصبية مجنونة تدفعني إلى ضرب ولدي دون مبرر ، رهفت عواطفي وبلغت حساسيتي الذروة ، خصوصاً عندما تلامس طيفي كلمات أحمد الدافئة وهو يحنو على الخادمة ، ليته يرحمني ، ليته يتصل بي ويعتذر عن فعلته ، لوجد في قلبي محلاً للصفح والغفران ، أرهفت سمعي إلى صوت الجارة تحدث أمي عني تنقل إلينا الإشاعات والأقاويل


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



تتمه ..


متسائلة في تطفل ( هل سوسن مطلقة ؟ ) ولم أترك لأذني أن تلتقط إجابة أمي ، فثورتي حركت كل أعصابي وأفقدتني صوابي ، خرجت كالنمرة الجريحة أستعر بلظى الجراح أمزق هدوء خلوتهما وأصرخ مرتعدة :
_ " مالك أنت وحياتي ؟ " .
وجدت نفسي أرتعش في غيظ ، تسمرت المرأتان في مكانهما ، فالدهشة ألجمت لسانهما ، حدقت المرأة في وجهي طويلاً مشدوهة ، باغتني قولها :
_ " عفواً يا ابنتي ، إنه مجرد سؤال لا يحتمل أي تفسير يسيء إليك "
الموقف شل أمي عن الحركة ، بدت مبهورة ، محرجة ، تخنقها دهشة اللحظة ، لملمت المرأة أطراف عباءتها لتنصرف ، استوقفتها أمي معتذرة تحاول جهدها ترطيب الموقف ، تارة ترمقني بحده ، وتارة توجه لها وجهاً مطرقاً ، حرجاً ، لكن يبدو أن الجارة تركتنا وكأنها تهرب من الجحيم ، وارتميت على الكنبة أبكي بحرقة ، جاء صوتي مخنوقاً تنبعث أصداؤه من كيان جريح ( أشعر بالإهانة يا أمي ) .
جلست أمي بقربي تحوطني بذراعيها الحانيتين :
_ " أعرف كل ما يعتمل في باطنك يا سوسن حتى لو التزمت الصمت من جانبك ، قلبي يحدثني أن مشكلة كبيرة بينكما ، لكني آثرت السكوت ريثما ألمس منك المبادرة .
أحسست بحاجتي إلى الحنان ، إلى من يشاركني معاناتي ، ويتغلغل إلى بوحي الخافت ، لينفث همس الدفء في عروقي الجافة ، لتنهل نداوة الحب وتنتفض فيها رعشة الحياة ... ذرفت المزيد من الدموع ، وكأن في داخلي ساقية مترعة بالحزن لا تنضب أبداً ، أهتف وصوتي يتهدج ( ضميني يا أمي فأنا بحاجة إلى صدرك )
تفجر نبع معتق بالمحبة يطوف في دنيا غربت عن شواطئ حياتي ، قد أسدلت عليه جفنين مهدّلين شاخت ملامح البهجة فيهما .. توق جارف من الحنين إلى زوجي ، فقد أوحشتني لياليه وأيامه ، إنها أسبق إلى نفسي من كل أفعاله ، رنوت إلى وجه أمي وقلبي يخفق بشدة :
_ " لقد اشتقت إلى أحمد يا أمي " .
مسحت على رأسي وكأني طفلة صغيرة وهي تستطرد :
_ " ولم المكابرة ؟ "
استرجعت الحادثة وكل صورها تتداعى في مخيلتي وتتوهج كوميض برق خاطف .. أبتلع الغصة في مرارة ... يتهدج في صوتي في تمتمات متقطعة يغلب عليها الانهيار :
_ " إ ني أعيش صراعاً متناقضاً مع نفسي ، وليتني أرسو على شاطئ الاستقرار "
أطرقت صامته ، فقد انفرط هذا السر الذي طالما خبأته في صدري ، كل صور التمويه فشلت ، فسكوني الحزين قد رشح انبعاثاً عدوانياً عندما لامست رماده هبة ريح خفيفة لتكشف عن باطن يلهب بجمر الحرمان و الأسى ، وقد عرفت أمي كل شيء دون أن أنبس بحرف ، حدس الأم لا يخطئ ، قالت وهي تمتص غضبي بلمساتها الحانية على شعري :
_ " لا أريد أن أخوض في تفاصيل المشكلة يا سوسن ، للكن لا ضير في احتواء المسافات الفاصلة بينكما ، ومن يتقدم خطوة يكسب في النهاية " .
تركتني في حيرتي ووجومي أقلب في ذاكرتي كلماتها ، لربما هناك حلقة مفقودة تحتاج مني إلى نوع من التدبر والدراية ، شيء مبهم أسقطته من حسابي وأنا في وهدة الآلام ، فعدت رغماً عني استرجع صفحات الماضي القريب لأشق في ليل العتمة ضوءاً باهتاً يدفعني إلى الحلم حتى ألج في عباب الفكر السارح ... تدهشني الأقدار القاسية وهي تكيل لي الضربات الموجعة ، وألين من جانب حتى أحتفظ بهذا الوثاق قوياً ، أحتمل الصفعات المهينة بإذلال و أنحني لعاصفة الواقع المريرة ، لأنها قادرة على اقتلاعي من الجذور ، سأفتعل سبل الإصلاح كي لا أدع له حجة في حل رباطنا المقدس .
سأتصل هذه الليلة ، سأحاول أن أغرس بذرة مبادرة من جانبي لعله يفيق من هذا الجنون ، أدرت قرص الهاتف والهلع يمتص دمائي ورجفة تسري في أوصالي ،يرن الهاتف للحظات فيأتيني صوته دافئاً ، وقوراً كعادته ، قالها مرتين آلو ، آلو وبهما أحسست ضيقه وتبرمه ، ولم أرد ، فقد تجمدت الدماء في عروقي ، وكأني لأول مرة أسمع فيها صوتاً حبيباً إلى نفسي ، ازدردت ريقي وأنا أحسم قراري ، ألقيت السماعة إلا من أنفاس لاهثة مزقها التردد والخوف ... فكرت في صمت ، الآن قد عرف أنني المتصلة ، هكذا كنت أفعل أيام الخطوبة حينما كنت أمازحه ... انتظرت لحظات ربما يستجيب الآن ... تعلقت بحبال الوهم الواهنة أنسجها من وحي خيالي وأحلامي ... جلست قرب الهاتف مطرقة أشفق على نفسي البائسة ... مرت اللحظات ثقيلة الوقع على نفسي ، حتى أيقنت أن ما انتظره أضغاث أحلام ، تسرب اليأس إلى نفسي .. اختلطت عليّ الأوراق ، ما عدت قادرة على موازنة الأمور ، اشتبكت كل أفكاري في تداخل عجيب .. صرخت وأنا في حمّى هذا الصراع ..... ( لا أريد أن أفكر .... لا أريد ) ... وهجمت على الهاتف لأتصل به لأصرخ ملء قهري ( أيها المعتوه المغالط ... المتكبر .. من تظن نفسك ؟ )
أدرت قرص الهاتف وأنا لا أكاد أسيطر على أناملي المرتعشة ، جفت الدماء في عروقي ، النمرة كانت مشغولة ، ... حاولت ثانية وأنا أشد تحدياً لنفسي ( هذا الأحمق ... قد شغل الهاتف ) وأعيتني كل المحاولات ، فانهارت كل



Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®


تتمه ..


أحلامي وتبددت كل قوتي حتى صرت أشلاء .. ما عدت قادرة على الصبر ، فقد رشقني زوجي بسهام الإهمال والتجريح ، وأنكر العهد الذي قطعناه معاً ... تصدعت أنوثتي من الداخل من صميم كياني ... ذابت كل مشاعر الثقة ، ولم يبق فيّ سوى مساحة جسم أخرق تلونه صبغة صفراء ... ارتشفت المرارة كل يوم .. وعينان باهتتان أرقهما السهاد وخاصمهما الكرى فغارتا في تجويف سحيق يرتعبان ، تطبق عليهما المقلة في حذر ، يترقبان تلك الذبالة الخابية ليشتعل الحب من جديد ، فاليأس يتكوم فوق رأسي كسحب سوداء تنذرني بصاعقة تزلزل حياتي ، وأنا أشحذ همتي لأصمد وأدفع عني هذا القنوط بما تبقى لي من يقين ، فبت أجفل من إرادتي الخائرة ، خذلتني في أحرج اللحظات ، ..فقوتي للأسف ما كانت إلا فقاعة عائمة في الهواء سرعان ما انفقعت لتكشف عن حقيقة غائبة ذوّبتها مواقفي التعسفية العنيدة ... لقد أطلقت رصاص الإعدام على صرح بيتي فهوى...كنت أترك قلبه الصادي عرضة لنسمة تتسلل إلى جدرانه الهامدة لينتعش فيها الشعور .. بسمة الصبح الندية انطفأت تحت ركام المسؤوليات الملقاة على كاهلي ... همسة الليل الدافئة فترت كلما دب الخدر في أطرافي ، أتقلب في المخدع مثقلة بالهموم ، تجرحني تحديات مزعجة عشتها صباح يومي .. طبق المحشي الذي تفننت به في بواكير زواجنا قد أهملته ، كان أحمد يميّزني به عن كل النساء ، أنت متخصصة في طهي ألذ طبق عندي ، لا أحد ينافسك فيه ، انتقلت الصنعة إلى الخادمة وأتقنته بمهارة ، بل أبدعت فيه إضافات جديدة ، وسحبت نفسي من هذا العبء التافه ... أيام الجمع حيث ملتقانا في حضن البيت طوال اليوم يمازحني أحمد ونفثة الحرج تتوارى خلف لسانه ( أشتهي اليوم طبق المحشي من صنع يديك ) أمتعض مدبرة ( إني مشغولة في إعداد هذا البحث اطلب من " ماري " أن تصنعه لك ) يلوذ صامتاً ودهشة باهتة تظل عالقة على وجهه ... لم يخاصمني في شيء ... يتركني كما أنا بمزاجي وانفعالاتي وسجيتي ... وأظن صمته لم يكن إلا تراكمات ترسبت في أعماقه على مدى السنين ، وطفت على السطح ، كما تنبئني به هذه الحادثة ... كانت الصديقات يحسدنني عليه . زوجي رجل متفهم استطعت ترويضه بذكاء وحنكة ، وكن يسألنني عن السبل الناجحة في معاملة أزواجهن .. لم ندخل يوماً في خناق ، لأنه كان طيعاً ، ليناً ، هيناً ، واستمرأت وداعته حتى انقطع حبل الحوار بيننا وأنا أغوص في دوامة العمل والنشاط ، لا أترك لحياتي الأسرية محطة أفرمل عندها اندفاعي ، لأبحث في هذه المتاهات المتناقضة عن أحمد الرجل الذي يعيش في خلايا دمه كائن بدائي تواق إلى أنثى تشبع فيه الوجدان والإحساس والروح ، فحواسه كلها نضبت وافتقرت ، وتبرعم فيه هذا الإحساس المتطفل الذي نما دون إرادته ، ليلتف على أقرب جدار ، انجذب إلى هذا المناخ الدافئ الذي تربو فيه الأغصان وتزدهر فيه السواقي المجدبة حينما جفت سماؤه عن الهطول امتدت جذوره إلى أقرب بئر ينضح نداوة استسقى من معينها حناناً وملاذاً ، خصوصاً في لحظات مرضه أياماً تركته شاحباً ، ذابلاً ، تتساقط حبات عرقه لفرط الحمّى ، أنهره غاضبة لأبرر هروبي من المسؤولية ( قم وانهض ، ما هذا الدلع ، ؟! إنها أنفلونزا بسيطة ) . يسحب الغطاء على وجهه صامتاً ، أهز كتفي غير مبالية ، آخذ حقيبتي ومفتاح سيارتي لأغادر المنزل ، وفي طريقي أحدث " ماري " ( أصنعي طبق الحساء للسيد ) . وأعدو لدنيا أخرى .
عبرات مفعمة بالأسى ظننتها قد تلاشت بفعل الألفة والروتين ، هذه هي الحقيقة ولا أبرئ نفسي من الإثم ، ... طمست أنوثتي واختبأت في بيت العنكبوت ، نسجته من وحي هواجسي وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت .. أستطيع الآن اقتحام الأغوار البعيدة ، وأتحسس مكامن الأمور ، وأمزق أغلفة الصمت لأدين نفسي وألقي تبعات الموقف على كاهلي .. الأنثى ريحانة البيت ، ينبغي أن تبعث الحنان والعاطفة في نفس الأسرة ، نسيت أن زوجي رغم كل مبادئه وقيمه وسعة أفقه رجل عاطفي ، حينما يخفق في عزمه يبحث عن امرأة حنون تمد له يداً رقيقة ناعمة ، تطيّب جراحاته وتسكن آلامه ، ومهما تسامى في مداركه تظل في نسيجه شحنة جاذبة ومنجذبة لأقرب أنثى تحتوي أحزانه وتهدهد أحلامه ، ألا يكفي فنجان الشاي المعطر بالنعناع تسقيه إياه صباح كل يوم ، وابتسامتها تسبق يدها ، بينما أغط أنا في نوم عميق .. تنهض مع ابتسامة الفجر وعندما يتسلل ضوء الشمس إلى سطوح النوافذ ، تأخذ حمامها اليومي ، فأريج الشامبو يفوح من شعرها الناعم ، يبدو وجهها منعشاً رغم افتقاره إلى الجمال والتناسق .. تختمر كل هذه العوامل في نفس زوجي في انسياب وديع يذكيه رضوخها واستسلامها ، فتبدو طوع بنانه ، رهن إشارته ، جارية مشتراة ، فمن أجل سيدها ترخص أمام قيمة واحدة وهي رضاه عنها .... فهمت إشارته وأحست بإيماءاته ، تكون لها رادار خاص بفعل الألفة الصباحية والمداراة اليومية ، حتى عرفت احتياجاته كرجل ، وفهمته روحاً نابضة بالرهافة ، فاستحوذت عليه تماماً وأنا نائمة في الحرير ، يا لعجزي .. .. يا لفشلي .. ما أصعب على الإنسان أن ينبش في جرحه ويستثير آلامه الكامنة .. كثيراً ما نعرف الوجع لكننا نتشاغل عنه ونطرح عليه غلالة قاتمة حتى لا نواجه العلة ونسكّن أوجاعنا بأوهام نطلقها من اجترار اللحظات ، كي تتحول بفعل التواتر إلى سكون واعتياد وألفة ، بيد أن هذه البؤرة تكبر وتتسع لتفرز السموم والمضاعفات التي تفك لحمتنا وملامح رباطنا المقدس ، ولا تنفع كل المسكنات في تهدئة الوجع وكتم الصرخة ، فظننت أني بترت العلة حينما طردت الخادمة واستعضت عنها بفراغ موحش يدمنه حتى امتصاص الألم ، فكان ظني ساذجاً و وهمي هباء ، فالداء ليس في الخادمة إنما فيّ أنا ...نعم أنا بغياب أنوثتي .. بفتور إحساسي .. ببلادة مواقفي ... كل شيء فيّ أخاله مبعثاُ للنفور والجفاء .. أنا من تحولت إلى قمة من الجليد شاهقة بعيدة يصعب على المرء النزوح إليها ، فقد جفت الحياة فيها ، لأنها خلت من النماء والرواء ... أنا من خنت العهد والميثاق ... آه ما أشقاني وأنا أدور حول نفسي في تيه وشرود ، أخشى أن أخسر زوجي وحياتي ، فأضيع في متاهات السنين .. لم تعد لي رغبة في العمل .. لا أملك القدرة على اتخاذ أي قرار كل خططي مبعثرة .. يقلقني هروب الأيام واندثار الساعات ، ما زلت أتدارك اختطاف الهنيهات من أصابع الزمن المختلسة ، لن أسبح ضد التيار ... سأنساق طواعية إلى رغبتي ، سأعيش أصدق حالاتي ، سأشق درباً بين نقائض حياتي ، هذا الباب الذي فتحته على مصراعيه ليدخل موج مدمر إلى زواجي فيفتك ميثاقه سأوصده ، سأكون امرأة تأتي من زمن جدتي ، أمهاتنا الصبورات الطيبات اللاتي ينضحن حناناً ورقة عشن حياتهن في بساطة ودعة وسكون ، لا تقلقهن الأماني البعيدة ، ولا تخطف أبصارهن أضواء الثريا عن ثرى الواقع ، هذا هو أعظم قرار اتخذته في حياتي ، نعم سأعود لأحمد شاحبة ... منهارة ..مطرقة خجلة ..وجهي خال من المساحيق.. ممتقع .. يفتر فمي عن ابتسامة منكسرة تقطر ظرفاً ورقة ، قررت العودة إليه منطفئة البريق ، .. خابية الحيوية .. قد أضناني الشوق وأرقني السهاد ، أحمل في ملامحي اعترافاً موثقاً بدمي وجروحي ..
اتصلت في البيت عله يجيبني هذه المرة ، فأنا الآن في أروع حالاتي وأشد استعداداً لتسوية المشكلة ، رن الهاتف فما من مجيب ، عدلت عن البيت وطلبت المكتب ، قالت السكرتيرة : إنه مسافر! صعقت في مكاني وسماعة الهاتف تسقط من يدي ، يغمرني الذهول والدهشة ، تسمرت في مكاني كأن الحيطان تحولت فجأة إلى أشباح سوداء مخيفة تسخر مني ، تقهقه في شماتة ، شيء أشبه بغمامة تسبح فوق عيني عجزت عن فهم ما يحدث حولي .... صوت خفيض يأتيني من المدى ، يخترق رأسي ، فيشعرني بدوار وأنا مشدوهة ، ينفرج ثغري عن ضحكة ميتة فارقت نشوة الحياة منذ لحظات .


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®


تتمه ..

( سوسن ... سوسن .. ما بك يا ابنتي ؟ ) .
أتشبث بأذيال الوهم وتمتمات تختنق في حلقي ، أكاد أغص بها :
_ " لقد تركني أحمد يا أمي .. هجرني إلى الأبد ... "
لكن ما بداخلي بركان يغلي وكياناً يستعر في لظى الغيظ والإذلال .. آه أيتها الأيام خضّيني حتى أرشح قطرات الحزن وأنفض عن جناحي رماد الأسى .. ينكفئ قلبي في ملالة وضجر ... تشتد علي المحنة فيأكلني الهزال ،
وأفقد شهيتي لكل رغائب الحياة فالخيط الأخير الذي أوشك أن يشدنا لبعضنا قد انقطع ، فانفلت الزمام وطاشت الذكريات في لمح الخيال ، مفارقة غريبة في حياتي لم تكن في دائرة الشك يوماً ، فما بالها الآن قد صارت يقيناً ، لقد نفذ صبري وذوت مقاومتي ، فانهارت أعصابي وتساقطت كأوراق الخريف فوق جسد أكلته أفواه الأيام الشرسة .. مثقوب .. منهار .. تتكوم عظامه في بؤس .. أتهيب شبح الطلاق ، ورهبة الهجر، وخسارة رجل تهتز الأرض تحت أقدامه ، رجل أحبه ملء عقلي ، ملء إرادتي ، ملء قلبي وإحساسي .. هكذا يفعل بنا الرجال .. إحساس مشروخ في عمق الأنوثة يبتر فيها توأمة روحية ، فيعربد فيها الحب والخوف ، إخفاق وشرذمة تمتص مداد الروح الوثابة فتجعلها كياناً ناقصاً مبتوراً ..
لم أفق إلا على صوت أمي تقف إلى جانبي وأنا ممدة في السرير ..و .... و .. يا للمفاجأة أحمد بجانبي، أطلت النظر به لأستوثق منه ، ربما كان محض خيال تصنعه رغباتنا الدفينة ، أتلفت حولي لأهمس في صوتٍ واهن :
_ " أين أنا ؟ "
تمتد ذراعا أمي لتحضنني وأنفاسها الهلعة تفزعني .. ثمة مكروه حدث لي !
_ " أنت في المستشفى يا ابنتي .. لقد كنت مجهدة "
لم أصدق كأني فقدت الذاكرة .. صحت قائلة :
_ " ولكني لا أتذكر أي شيء "
استطردت وهي تطرد شبح القلق :
_ " لقد أغمي عليك فجأة فاتصلت بأحمد ليقلك إلى المستشفى ! "
حدجته بنظرة فاحصة ملؤها الشوق واللهفة والعتاب ، تنهدت وأنا أخفي عنه وجهي ، بينما خرجت أمي متعللة بقضاء حاجة خارج المستشفى .
اقترب أحمد وجلس بجانبي وبدت لهجته حانية رقيقة :
_ " سنعود إلى البيت معاً "
أعرضت عنه أنا أبكي وكلماتي تتحشرج في حلقي
_ " لم فعلت كل هذا بي ؟ "
أطرق مستطرداً
_ " كان يجب أن أفعل هذا "
ارتعدت أعصابي من فورة الغضب
_ " إذن كنت تتعمد إذلالي ! "
_ " بل حرصت على إشعال فتيل الحب قبل رحيل الأوقات واستحالة الأماني "
شلّتني المفاجأة .. أربكت تفكيري .. قلت وأنا أبحث في عينيه عن آثارها :
_ " وماري أين هي الآن ؟ "
أردف بمرارة :
_ " كانت منعطفاً فاجأني وقت انسياب مشاعري في مرارة الوحدة ... هي الوجه الذي كان يباغتني دوماً عندما كنت أهرب من لسعة الفراغ "
تصاعد لهاثي المحموم ووخز الغيرة يدب في منابت جذوري حتى العظم
_ " إنك لا زلت تحبها أحس بأنفاسك ولوعتك "
قاطعني ساخراً
_ " انظري إلي جيداً هل هناك علامات تشير إلى ذلك ؟!
قلت وأنا في قمة غلياني
_ " أنت مزح ؟ "
نهض وهو يساعدني على إعداد حقيبتي لنعود إلى البيت فور انتهاء الإجراءات اللازمة في إدارة المستشفى .. استوقفته ..
_ " أحمد "
التفت إلي : " نعم "
_ " لم تخبرني إلى أين سافرت ؟ "
_ " إلى البحرين "
الشك يساورني يقلق أعصابي
_ " وماذا فعلت هناك ؟ "
_ " أنجزت بعض الأعمال التجارية "
قلت وصوتي يختنق بنشيج حزين يترنم في نغماته الخابية :
_ " أتمنى أن أصدقك .. أتمنى أن أعود كما كنت سابقاً هادئة مطمئنة .. أتمنى ..
خبأت وجهي بكفيّ المرتعشتين وأنا أذرف الدموع ، حاول أحمد امتصاص لوحتي واحتواء حزني فأردف
_ " قضيت ليلتين هناك فقط ، ثم اتصلت بي أمك لتخبرني عن مرضك "
قاطعته معنفة
_ " تركتني فريسة للعذاب .. حطّمتني ..ليتني مت .. ليتني مت ...
شدني من ذراعي وهو يصرخ في إشفاق
_ " لا تقولي هذا أرجوك فأنا أحبك .. أحبك وسآخذك في رحلة رائعة تجددين فيها نشاطك وحيويتك .
هدأت بعض الشيء ، فكلماته الدافئة قطرات ندى فوق جروحي الناتئة ، قضينا الوقت في إنهاء أوراق الانصراف من المستشفى وشراء بعض الأدوية المهدئة ، ثم ركبت سيارته وجلست بجانبه بعد رحلة طويلة من الحرمان خلتها دهراً من العذاب ، آه ما أجمل هذا العرش فهو يزدان في النفس كقلادة تهديها السماء لكل امرأة .. أدار أحمد مقود السيارة ناحية الشارع المؤدي إلى بيتنا ... لا أصدق نفسي ، هل أعود ثانية إلى ظلال الحب الوارفة وربوع السعادة المترعة بالحنان؟ .. .. سألته وقد امتلأ صدري بأريج السماء يتناثر فوق جلدي فتبعته خلايا دمي الظمأى .. سألته والفرحة تغرد في قلبي كطير شادٍ :
_ " وأين طفلي جاسم ؟ "
قال وهو يمسك كفي بكفه
_ " لقد سبقنا إلى البيت فقد اتفقت مع والدتك على أن تسبقنا معه إلى البيت "
سألته بلهجة رطبة لينة يتغشاها الدلال :
_ " هل تحبني يا أحمد ؟ "
تنهد بحرارة وكأنه يشد خباياه إلى الأعماق :
كل الحُب .. كل الحُب .. كل الحُب .
وقفت السيارة أمام بيتنا فقد فاض شوقي إلى كل شبر فيه ، عدت إليه كما لو كنت شريدة طريدة عن الوطن ، عدت إلى السكن ، إلى عش كل امرأة تبحث عن شرنقة أبدية تحميها من دنس النفس ووسوسة الصدور ، عدت لأحتمي ببيتي من الظنون التي تدخلني في متاهات مقفلة كادت أن تقطع علي الطريق وتوصد أمامي باب الأمل ، فخلاصي هنا في هذا الوعد الجميل مع رفيق العمر نحفر معاً ملامح الحب في وجه الزمن ، ونرأب الصدع ، ونجتاز المحنة بصبر وإيمان .
قال لي وهو يدير أكرة الباب :
_ " لا تظني أنك مكسورة الوجدان ... واهنة النفس .. فكبرياؤك وشموخك يصونهما قلبي ويحفظهما عهدي ، ولكن رغبتي الدفينة أن أراهما لك درعاً خارج الدار انزعيهما عنك فور دخولك البيت ، فلهفتي عليك امرأة تلهج حناناً ورقة ، زوجة ترقد في الأعماق ، تتهافت عليها نفسي عندما تخفق في قلبي أجنحة الحب ، فهيامي بك لا تدنسه هذه الصغائر ، ولا تبدده الهواجس ، كنت أحتاج هذه المداخلة القاسية في حياتنا كي أذيب جليد الصمت بين قمتين متباعدتين ليمتزج الضميران أنا وأنتِ ، لا تخترق لحمتنا هفوة تمزق مساحات الاغتراب .. تذكري


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®




تتمه ..

دائماً أني أحببتك شفافة ، صافية ، أستشف خباياك من همس عينيك ، أبحث فيهما عن هذا الانعتاق الجامح الذي اجتث جذورك ، فبقيت هائمة في السحاب .. " .
تركني مأخوذة بكلماته .. لا أحرك ساكناً .. وعندما دخلنا البيت صفق الباب وهو يستطرد :
_ " هنا سوسن الوديعة .. الناعمة التي تمس رقتها شغاف قلبي وتملأني إحساساً بالهناء والسكون ... وخلف هذا الباب سوسن أخرى فيها من القوة والإرادة ما يجعلها نجمة عالية لا تطولها الأيدي ...بل تشرأب لها الأعناق احتراماً وإجلالاً " .
تناهى إلى سمعي صوت أقدام صغيرة ، حدثني قلبي أنه طفلي ، يأتيني والفرحة تغمر روحه المبتهجة ، يدفع إلي بدمية صغيرة يقلبها بين يديه .
_ " أمي انظري هذه اللعبة اشتراها لي والدي " .
أحطته بذراعي ، أضمه حتى أكاد أصب فيه ذوب روحي ، ونثرت قبلاتي العطشى فوق وجهه الذابل ، لقد أهملته ، أسقطته من دائرة المحنة ، تركني همي ساهمة في وحدتي ، فعدت إليه بعد فراق طويل ، فهو بشير الحياة والأمل ... وفرّ طفلي من أحضاني يقفز ، يلعب في مرح سعيد ببيته .. سعيد بأبيه .. سعيد بألعابه .... أطلقت صرخاته جلجلة وإزعاجاً محبباً يفيض علينا حياة وحيوية .
قال أحمد وهو يربت على كتفي بحنان :
_ " أظن أنك جائعة .. لقد أعددت مائدة بسيطة وخبزاً ساخناً يطيب لي أن تشاطريني ملحه ، فأنت نكهة خبزي وملح طعامي .. " .
افترّ ثغري عن بسمة عذبة أشعلت فيّ وهجاً غريباً بدد عتمة قلبي .. وارتخت أعصابي ليسكنني الأمن والهدوء ، اجتمعنا على المائدة كباقة ورد ضمتها آنية في نسق جميل ، تتعانق أطيافنا في بهجة وسرور ، نبحث في بعضنا عن معنى الود الذي يوثق العهد ، ويجدد فينا يميناً غير حانث ...
وهكذا انطوت ليالي الهجر وعاد القارب التائه إلى ملاحه ليرسيه ثانية على شاطئ الأمان .
هذه الحادثة تركت بصماتها العميقة في نفسي لأنها فرضت علي تحولاً كبيراً في حياتي ووسمت روحي بمعان جديرة بالعبر لكل امرأة لم تفهم كنه الرباط المقدس على حقيقته ، وارتضت أن تتمسح بمسوح المتسلطات على رقاب أزواجهن ، يدفعهن الوهم إلى مغالطات ضبابية تعدم الرؤية بوضوح .
تفجر نبع الحب في قلبي ثانية بعد جفاف امتص رونق روحي ، لتنطلق عصافير أشواقي تحلّق في مروج بيتي ، وعيناي ترنوان إلى زوجي بلهفة وتترقبانه بحنان واحترام .
اضافة رد مع اقتباس



Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



كان على مرمى حجر منى ،، خرج وحيداً رغم الحصار و الاجتياح
يحملُ سلاحه و قلبه العاشق للارض و الوطن ،، لم يحتمل رائحة الغدر فى المدينة فخرج ،، و لانه وحيد ،، و لان الشوارع واسعة جدا و الطيران لا يهدأ ،، أُصيب برصاصة
فرقع على الارض و استمر ينزف ثلاث ساعات متواصلة ،، و كل محاولات اسعافة فشلت ،،، كان مصيره فى يد الذئاب ،،،
و استشهد محمد ،،، و خوفا على جسده و كمحاولة من اهل المدينة لحماية كرامة الشيهد ،،، خرجت جماعة ترفع العالم الابيض و تم حمله الى بيت جارنا فهو تاجر البان و اجبان ،،، و وضعوه فى الثلاجة ،،،
كان محمد اطول رجل رأيته فى حياتى و اعظمهم ،،،
كل ما فعلته لمحمد هو اننى بكيته و انحنى رأسى امام شموخة و جسده الطاهر
لا احد يتذكر محمد الان لا احد ،،، إلا الارض التى نزف عليها




Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®




************************
عنوان القصة : يومٌ قائظ
تأليف : مرتضى محمد الأمين
************************


" يومٌ قائظ "


بقي من الوقت ساعتان . ساعتان ، لا تستطيع المدينة المفتوحة على الوحدة والضجر أن تملأ منهما ثانية واحدة . كان الوقت ظهراً .. وتربّعت الشمس في قمة السماء كقناص يتربص بضحاياه .. وخلت الشوارع من المارة .. كما خلع أصحاب المحلات والبائعون ابتساماتهم ، وانكمشوا في ذواتهم المغلقة .. ولم أكن أعرف أحداً لأذهب إليه .. فلقد تقلّصت المدينة فغدت ، بالنسبة لي غرفة أسكنها وأخرى أخرى أتلفقن فيها دروساً لا تقنعني جدواها . وتغيب في هذا الصباح أحد المعلمين - ولكم كان غريباً أن يجيئوا ، لا أن يتغيبوا ! – فكنت مضطراً إلى السير في الشوارع على غير هدى في انتظار الحصة التالية .
كان الصمت يرهقني .. ( كانت أيام كاملة تنقي دون أن أتمكن من الحديث إلى أحد ! ) وكاد الحر أن يخرجني عن طوري . وما كان ممكناً أن أمكث في محل تجاري أو دكان أكثر من الوقت المفترض اللازم للشراء أو المعاينة .. وكنت أحس أن حيلتي لا تنطلي على أحد منهم ، وأنهم في ممالأتهم لي في خدعتي إنما يبدون نوعاً من الشفقة التي لا تكلفهم شيئاً مادياً .. وربما كانوا مثلي ، يحسبون في أذهانهم كم من الوقت قتلت هذه المجادلات الخاوية من أي معنى أو هدف .. وهوّمت أفكاري في شؤونها البائسة .. فاكتشفت أن المدينة خالية ، تقريباً من الأشجار .. وأنها تفتقد إلى أماكن التسلية الرخيصة .. وأن مجتمعنا لا يحوي من العدل إلا قليلاً .. وإلا فكيف يمكن أن لا تفطن البلدية وموظفوها إلى هموم مواطن يحتاج ، فجأة إلى مرحاض ؟ .. فإذا كان هذا المواطن في مثل بلائي من الخجل والانطواء ، فإن مأساة تنتظره ... وأدخلتني هذه الفكرة في دوامة ... فتوجهت كل خلايا دماغي التي كانت ما تزال قادرة على العمل ، إلى التفكير بحل شخصي ( وآنيّ بالمطلق ) للمشكلة التي استدعتها بالإيحاء أفكاري .. وتطلعت إلى البيوت النائمة في قلب الظهيرة حاسداً .. وكنت إذا فكرت بالانزواء في مكان ما ، أو في ورشة لأنهي ما أعانيه ، أتخيل جيوشاً من البشر وقد انطلقوا ليملأوا الشوارع والأبنية والزوايا ... أما الوقت فقد تجمد . كل تلك المسافات التي قطعتها ، وعناوين الصحف والمقالات غير المكتملة التي قرأتها في واجهات المكتبات ، وكل المحلات ببائعيها وبضائعهم لم تقتل من الوقت إلا دقائق قليلة . فإلى أين سأمضي ، لّما أن تسعين دقيقة لا تزال تربص على مقدمة أنفي ؟ ..
تزداد قناعتي مع الأيام ، بأن لكل أزمة حلاً لا نتوقعه . وأن هذا الحل الذي لا نسعى إليه لشعورنا بالعجز أو بعدم الرغبة ، يجيء في الوقت المناسب .. تماماً حين نفقد الأمل وتسد بإحكام في وجوهنا كل الحلول المنطقية التي نكون أشبعناها درساً وتمحيصاً .. فها أنا ، في أزمتي التي تكاد تفضحني ، أجدني أمام بناء فخم ... سفارة .. والتمع في خاطري لدى رؤية اللافتة النحاسية ( والتي تخيلتها لاذعة في هذا الحر) اسم شخص أعرفه ............ " خضر " .. يا للصدفة .. منذ أسبوع أو أكثر التقيته ، فأخبرني أنه يعمل في سفارة ما وأن بإمكاني ، إذا رغبت ، أن أزوره في ساعات النهار ... اعتذرت يومها بانشغالي ، وأشرت إلى الكتب التي أحملها .. فسكت محدقاً إلى البعيد .. ثم ، حين لم يعد لدينا ما نقوله في دقائق لقائنا - الصدفة - عاد إلى الإصرار على ضرورة أن أزوره , وضحك حين قلت له أني لا أريد أن أشغله عن عمله .. ثم تطلع إلى ساعته ، واستأذن بالانصراف , هكذا هي الدنيا مجموعة من الصُدف التي نرسم سلسلة متينة من المنطق نسميها الحياة .. لا شيء عشوائياً أو زائداً في حياتنا مهما بلغ من الصغر والتفاهة .. وما لقائي قبل أسبوع بخضر إلا تمهيداً مدروس من القدر لحلّ مشكلتي الحالية ....
كان مدخل البناء فخماً ولم يستوقفني البواب طويلاً ، فأطلق سراحي بإشارة من يده حين سمع اسم صديقي ، قائلاً في تعاطف واضح : " إنه فوق " ... فاتجهت إلى درج أنعشتني برودته ... كانت السفارة تقع في شقة في الطابق الأول .. سفارة صغيرة لبلد صغير .. ولقد بدا خضر في عيني محظوظاً . فعالم السفارات ، لو صحّ ما تقوله الروايات التي أقرأها في نهم ، مشوق وممتع ، ولن يكون في هذا العالم متسع للضجر الذي يحاصرنا نحن ، سكان الجانب الباهت من الحياة .. قرأت اللافتة الثانية المثبتة إلى جانب الباب الخشبي الفخم .. وقرأت كذلك مواعيد الزيارات .. ولم يقلقني كوني أجيء خارج المواعيد المحددة .. فثمة في الداخل صديق ينتظرني .
بدا اسم خضر سحرياً في مفعوله . فانفتح الباب بسرعة ، وأشار رجل مغرق في الجدية إلى مكان فسيح ، فجلست على أحد المقاعد الوثيرة ... ولم انتظر طويلاً .. جاء خضر في صمت .. ورحب بي كثيراً .. ثم جلسنا نتحدث .. فأخبرته أني مررت بالصدفة ورأيت العَلَمَ ، فرغبت بزيارته .. أثنى هو على مبادرتي واستأذن ليغيب دقيقة ، فأذنت له .. وعاد بعد أقل من دقيقة .. وتحدثنا في أدب جمّ .. فلُمنا الأيام والظروف.. وعتبنا على الأقدار .. وتأسفنا على تلك الأيام .. أيام المدرسة الابتدائية حيث التقينا لعام واحد أو عامين .. وكان خضر لا يفـتأ يعتذر ليغيب دقيقة وأحياناً أكثر ، ثم يعود إلي مبتدئاً حديثه من البداية .. فيسأل ،كأننا في لحظات اللقاء الأولى في صدق وحماس عن الصحة و الأهل والأخوة وقد تكرر هذا فأرهقني ... وصرت أتجاوز أسئلته وأعدو إلى المكان الذي انتهى إليه حديثنا ... كانت الذكريات كثيرة .. وكان لديّ من الوقت ما يكفي لاستحلاب تفاصيل الأعوام المبكرة من حياتنا .. فأطلقت العنان لخزين الذكريات الحبيس وضحكنا ، أنا في انطلاق وبصوت مرتفع وهو في ارتباك لا يخلو من الانزعاج .. ولقد انتبهت أن خضر يعود في كل مرة رطب اليدين ، وأنه كان يجلس على طرف المقعد كأنه يتأهب للقيام .. وأن عينيه لا تغادران أبداً باباً في عمق الممر .. كما أن حديثه كان يفتقد إلى التركيز ، واقتصر على العموميات المملة .. وناداه مرة أو متين رجل ما ، فقام مهرولاً ليعود محرجاً .. وكان يصمت فجأة ثم يعود ففجأة يسألني بآلية عن أحوالي وأين أمضي أوقاتي .. ويتطلع إلى حزمة الكتب في شرود .. وعاد الرجل إلى مناداته فأبديت أنا ملاحظة تشير إلى انزعاجي من هذا الإلحاح .. وابتسم خضر مرتبكاً ، ثم اتجه إلى الرجل .. وأخذت أنا منشوراً سياحياً لأتصفحه ، بينما أعملت فكري منقباً عن ذكريات أخرى لأرويها ..
لم يدخل خضر مع الرجل في هذه المرة إلى أي غرفة ، وبقيا في الممر قريبين من باب يؤدي إلى مكان ما , وكان همسهما مسموعاً وواضحاً .. إذ لا يمكن لأية كمية من التهذيب أن تمنع الكلمات من التسلل إلى آذاننا .. وكان الرجل يقول بصوت غليظ زاجراً :
_ " أراك حولت السفارة إلى ملتقى لأصدقائك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سموحة

avatar

المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

مُساهمةموضوع: مكتبة القصة القصيرة   السبت ديسمبر 10, 2011 8:06 am

************
عنوان القصة : أحقاد
تأليف : هوارد غوردن
************



" أحقاد "





في عام 1954، كان يموت كل من يدخل المستشفى من أصدقائي أو عائلتي. بت اعتقد بأن المستشفيات أماكن لاستجلاب الموت، فهي محطات ناقلة بين الإصابات والمقابر. الذين أعرفهم ودخلوا المستشفى بإصابات بسيطة كالرعاف أو النقرس، يتبين فيما بعد أن لديهم أمراض خطيرة تهدد حياتهم كالشلل مثلا أو الأنيميا. الناس من أمثالي غالبا ما يموتون.


بدأت أكره هذه الأماكن التي تتنكر بشكل مؤسسات علاجية. رائحة المعقمات، والهدوء المزيف تثير هلعي. وبالنسبة لي فان الأرض الرخامية لا تعني النظافة اطلاقا، إنما هي تذكرني بدم شخص ما سال هناك وتمت إزالته بعناية فائقة. الممرضات العابسات اللواتي يتنقلن بين الردهات بأرديتهن البيضاء، كأنهن موت أبيض، يذكرنني دوما بالراهبات.


كل هذه الأشياء كانت تعني الموت وأكثر من الموت. كم أكره الأطباء الذين عادة ما يلقونني بابتسامة كئيبة كما لو أنني قد أتيت ذنبا فظيعا.


_ لم افعل شيئا.


قلت لأحدهم. كان طويلا صارم القسمات من طراز فرانكشتاين، ورغم انحنائه، كان أطول من أبي. وكانت سماعة الفحص المتدلية من رقبته تشبه رأس نملة تدب فيها الحياة وهي تتأرجح.ولم أكن أجرؤ على النظر في عينيه.

تحدث الطبيب قائلا:

_ كل شيء على ما يرام يا ماركوس. غليسون الآن في مكان أفضل.

يتأرجح رأس الحشرة ويدنو من وجهي.

_ لكني لم أفعل شيئا.

_ نحن نعرف بأنه ليس ذنبك. فالناس يموتون في كل وقت. أرجو أن تهدأ، فكل شيء على ما يرام.

لا، ليس كل شيء على ما يرام.

وشعرت بكف أمي على كتفي. لم يكن أحد موضع ثقة آنذاك، خصوصا في مكان مثل المستشفى. وعندما استدرت رأيت أبي يقف عند مدخل غرفة الطواريء، وكأن عينيه تقولان لي: ستموت الليلة. في أفلام الرعب عندما ينظر الأب إلى ابنه بهذه الطريقة، فهو واحد منهم دون شك. أحد تلك المخلوقات الغريبة التي احتلت جسد أحد الوالدين.

سمعت الطبيب يقول:

- مجرد صدمة، لا تقلقوا. وهذا سيمنعه من الإصابة بالهستيريا.

شيء ما يمسك بي. تطوق فكا النملة ذراعي، وتنغرز إبرتها في لحمي كي يبدأ السم عمله. وقبل أن أموت نظرت في عيني أمي الصابرتين. صرخت بها:

_ قلت لك بأن هذا سوف يحدث. لم أكن أريد المجيء إلى هذا المكان.


******

السيدة (بوست ويت) هي معلمتنا للصف الثالث. وهي المرأة التي تعمل دوما على رعايتنا وحمايتنا، وتنقلنا كل أسبوع من ساحة المدرسة إلى الملجأ القائم تحت الكنيسة الميثودوسية. ونحن صامتون، نسير خلف السيدة بوست ويت التي غالبا ما تضغط بإصبعها على شفتيها وهي تبحث بعينيها في السماء الرمادية.

في إحدى المرات، عندما عبرت طائرة صغيرة فوق المدرسة العامة رقم ثلاثة، ثمانية أو تسعة أطفال أصابهم الذعر، وكادت الحافلة المسرعة أن تصدم (غريفي صامويلز). لكن السيدة (بوست ويت) لم تعنفه ولم تلجأ إلى معاقبته. تبسمت في وجهه وقرصته من خده وهو يلتحق بالطابور.

الراهبات من مدرسة العذراء مريم دائما يعبرن الطريق ويلتحقن بنا ..

عند دخولهن التقاطع ، تتوقف جميع السيارات، ربما لأنهن يعرفن الله، وسائقوا السيارات يدركون هذه العلاقة الجليلة. أو ربما بسبب أرديتهن الطويلة التي تكنس الأرض وتمنحهن مظهر ساحرات من دون مكانس. كنا نخاف الراهبات، نخاف من أصواتهن: توخز وتقرع – نخاف منهن لأن وجوههن تلتوي بأشياء شهيرة.

_ ستموتون أولا.

قالت إحدى الراهبات محذرة إيانا في اليوم الأول الذي سرنا فيه سوية إلى الملجأ. أضافت قائلة:

- عندما يأتون، فإن الشيوعيين سيعرفون من يأخذون أولا.

عندما أطلقت صفارة الإنذار الثانية، أدت الراهبات صلواتهن ورسمن علامة الصليب وتحركن مسرعات مع طلبتهن إلى الخارج. هؤلاء الأطفال الذين يبدون أكثر تنظيما والتزاما ببدلاتهم الزرقاء المنشاة، وبالتعابير العميقة المرتسمة على وجوههم الشبيهة بالابتسامات الملونة المرسومة على وجوه تماثيل الجند الخشبية. هؤلاء الأطفال دائما ما ينظرون إلينا بعيون واسعة متوسلة كأنهم يريدون أن يقولوا لنا بأنهم أيضا واقعون في مصيدة قرارات الآخرين. لكن الراهبات لا ينظرن إلينا، يحنين رؤوسهن ويشحن بنظراتهن بعيدا، كما لو كنا رمزا للشر، ولو حدث وتحدثن الينا، فلكي يصرخن بنا أو يوبخننا، ولكي ينبئننا بقدوم الشيوعيين.

والشيوعيون في كل مكان، يهددون أمريكا من الخارج ومن داخل شواطئنا. وفي الراديو كان هنالك تقرير يقول بأن مجلس الشيوخ يحقق معهم. وعندما يجتمع آباؤنا حول مائدة القمار في أحد بيوت الأصدقاء، غالبا ما يتحدثون عن هذا الخطر الجديد.

وآباؤنا رجال ذوي قامات نحيفة وأذرع مفتولة وأظافر طويلة ترقد تحتها الأوساخ، فهم يعملون في الحقول وفي الحفر وفي المناجم بالمعاول والفؤوس والمساحي. كانوا لا يخافون من شيء. ولكنهم عندما يتحدثون عن الشيوعيين فهم عادة ما يلجئون إلى الهمس. يلعنون بصوت عال، ويسحقون الذباب بأكفهم الضخمة، لكنهم يحرصون على رفع صوت جهاز حتى لا يتمكن الفضوليون أو ربما رجال السلطة من سماع ما يقولون.

أحد الرواد الدائميين لمائدة القمار، السيد (ميتسويه)، همس بأن الناس قد يرسلون إلى السجن لمجرد الشك بهم. والسيد (ميتسويه) يدير محطة وقود بالقرب من الطريق السريع. ويقول السيد (ميتسويه) بأنه خلال الحرب الكبرى الأخيرة قامت السلطة باعتقاله مع عائلته ووضعه في السجن، لكنه لم يذكر السبب، ولكن كلما احتد الجدال بينهم، كان السيد (ميتسويه) يضرب الطاولة بكفه ويصرخ:

- أنا أمريكي كأي واحد منكم.

نهبط السلم الحلزوني ونحن صامتون. صامتون بسبب الخوف من القصف الجوي. الخوف من الراهبات. والخوف من النهاية. ينفتح الباب الحديدي الضخم. اليافطة المعلقة عليه والتي تشير الى (ملجأ نووي)، عبارة عن دائرة من شريط أبيض، تطوقه حلقة من الطلاء الأحمر. ونتجمع وسط الغرفة مثل قطيع.


_ والآن أيها الأطفال.

تقول السيدة (بوست ويت) محذرة:

_ لا تتكلموا. الكلام ممنوع مهما حدث. بسرعة إذن إلى أماكنكم.

وفي الحال تختفي حلقتنا ونحن نحشر أجسادنا تحت الطاولات. نشبك أذرعنا حول سيقاننا ونضع رؤوسنا بين ركبنا، ثم نغمض عيوننا. الكلام بل حتى الهمس ممنوع بتاتا. وتتحول الغرفة في لحظات الى دائرة كهربائية من قلوب صغيرة نابضة. نفحات من عطر وعرق تخرج من أجساد الكبار فتحرق خياشيمنا ونحن ننتظر القنبلة.


******


قدمنا فروض الولاء للعلم وصلينا وغنينا برفقة السيدة (بوست ويت). وكانت الصلاة قصيرة وبسيطة:

بارك لنا هذا اليوم يا الله، واحفظنا من شرور الشيوعيين، آمين.

والأغنيات لا تشبه على الإطلاق تلك التي نغنيها في الكنيسة. كلمات غريبة، صعبة الحفظ كتلك التي في النشيد الوطني، يتردد صداها بنشاز في أرجاء الفصل، بينما كنا نضرب الأرض الإسمنتية بأقدامنا تاب تاب تاب...

_ بهدوء الآن.

تنبهنا السيدة (بوست ويست) إلى ذلك.

في الكنيسة كنا نغني:

ليس لي سواك يا ربي

وإذا ما ضللت

فأهدني

إلى طريق الصواب

وكنا نصفق، أو نؤدي أشياء أخرى بأذرعنا وأيدينا. نهزها، نحركها. ونقفز أيضا. نهتز بأجسامنا، ونضرب الأرض بأقدامنا. لكن سلوكا كهذا غير مسموح به في المدرسة، رغم انهم غالبا ما يقولون لنا بأنه لا فرق المدرسة والكنيسة.


- المدرسة كنيسة.

تقول لنا السيدة (بوست ويت) وهي تطلب منا الهدوء لأداء صلاتنا اليومية. يرتفع حاجباها النحيفان كي تسكت الهمس، وتضيف قائلة:

- عيون الله ترقبنا حتى ونحن في هذا المكان. المدرسة إذن بيت الله كالكنيسة.

فنلتزم الصمت. كنا دائما نلتزم الصمت.

_ تصرف بأدب، وإلا سوف أبعث بك إلى الخلف.

تقول محذرة (تومي لانثام).

كانت السيدة (بوست ويت) تمد يدها نحو لوح الكتابة عندما استدارت ورأت (تومي) يسترق النظر تحت ثوب (جيرتا بتسلي). أبدى (تومي) اعتذاره مدعيا بان بأنه كان يبحث عن قلمه الذي سقط أرضا، وتطفر الدموع من عينيه، فتربت السيدة (بوست ويست) على كتفيه وتغرز كفها داخل شعره الذهبي

لا أحد يرغب بالذهاب إلى الصفوف الخلفية، لأننا كنا هناك. الملونون، كما يطلقون علينا. سبعة من الأولاد والبنات ضمن عشرين طالبا في الفصل. غالبا ما يعاقب الأطفال الذين يسيئون التصرف بإرسالهم إلى الصفوف الخلفية من الفصل ليبقوا معنا طوال اليوم. نحن لا نعيرهم انتباها خلال فترة العقوبة، لكن زملاءهم يلجأون إلى استفزازهم بالحركات والأصوات ما لم تتدخل السيدة (بوست ويست).

وفي كل مرة يرسل فيها (تومي) إلى الخلف، كان ينظر إلينا شزرا ويهمس قائلا:

_ سأنال منكم في الاستراحة.




تتمة ..


لم نكن نخافه. كان فتى سمينا منتفخا اعتاد أن يهدد الأولاد الزنوج، لكنه لم يحدث أن تعارك مع احد منا.

خلال الاستراحة، غالبا ما يأتي في مجموعة من أصدقائه كي يراقبونه وهو يتحرش بنا، يشتمنا، يبصق على أحذيتنا، لكنه لا يدنو كثيرا منا كي لا يتعرض للكمة أو رفسة من أحدنا.

يقول (تومي) باستفزاز:

- هيا، فليأت أحدكم ويضربني.

لا أحد منا يجرؤ على ذلك. نحن نعلم بأن خطرا ما سيصيبنا لو بادرنا إلى الدخول في عراك مع الآخرين. آباؤنا حذرونا من هذا الخطر، رغم أنهم لم يتمكنوا أبدا من تحديد ما سيصيبنا بالضبط. السيد (فايتنيني) مدير المدرسة، هو بدوره قام بتحذيرنا.

- لا عراك على الإطلاق.

قال ذلك في أحد الاجتماعات التي تقيمها المدرسة.

والسيد (فايتنيني) رجل ضخم الجثة، أصلع الرأس، ذو نظرات متوعدة، وينتشر النمش بكميات هائلة بين طيات جبهته. وجه البق العجوز. كنا نناديه سرا بهذا الاسم، لأنه يبدو لنا وكأنه تعرض لهجوم قطيع من الحشرات الطائرة. والسيد (فايتنيني) لم يقل أبدا (لا عراك بين البيض والملونين)، لكن ذلك ما كان يعنيه بالضبط.

كان مديرنا يدرك تماما كنه ذلك الخطر الغامض. ومثل آبائنا لم يكن صريحا أيضا. كان يفتح فمه كي يبرر كلماته ولكنه لا يقول شيئا. الجزء السفلي الأحمر المتهدل من وجهه يجعله يبدو وكأنه مصاب بكرب ما. فكأنه محشور في مكان ضيق لا هواء فيه فانتفخت أوداجه.

ومهما كان نوع الخطر فنحن ندركه. خطر غير مرئي، لكنه واضح.. ويحيط بحلقتنا في الخطوط الخلفية من الفصل. جدار ينهض بيننا وبقية الأطفال، لا يرفع إلا عند منتصف ونهاية اليوم.

يتلاشى وينتهي التوتر مع جرس المدرسة. عندما يقرع نهرول راكضين إلى بيوتنا. ونكره فترات الاستراحة. إنها لحظات رعبنا الأكبر.


مرتان في الأسبوع يمنح الأطفال ساعة كي يمرحوا ويلعبوا في باحة المدرسة. نلك الساعة الأبدية تملؤنا حقدا ورعبا أكثر من الراهبات أو الشيوعيين أو حتى القنبلة. والباحة ليست أكثر من قطعة ارض عارية مغطاة بالرمل. وعادة نلهو بقتل الذباب أو مراقبة النمل وهو يبني أوكاره. ونتحدث أيضا. نهمس مثل آبائنا على موائد القمار. ذلك كل ما كنا نفعله خلال فترة الاستراحة.

نقطة التحول جاءت بعد عيد كولومبس. عثر على امرأة قتلت في باحة المدرسة خلال عطلة آخر الأسبوع. عائلة (ايما كاثرايت) شاهدت عملية القتل. وقامت (ايما) بنقل التفاصيل إلينا:


- نو _ اووه ! صرخت المرأة.

ألقيت على الأرض وسحلت، لأنها رفضت التخلي عن حقيبتها. المقاومة التي أبدتها المرأة استفزت القاتل فسحبها عبر السور وراح يضربها بقدميه. كان يرفع قدميه إلى مستوى معدته ثم يهبط بحذائه على الجسد المدد على الأرض. انسحقت ذراعاها، فتخلت عن الحقيبة، لكن الرجل لم يتوقف عن ضرب المرأة التي كانت تصرخ طالبة النجاة. ظل الرجل يرفسها بقدميه، فانكسر فكها، وانحرف انفها في وجهها وامتلأت عيناها بالرمال الحارقة.

عندما حاولت المرأة الهرب، دفع بها الرجل نحو سور الباحة. حدث ذلك في لحظة خاطفة. كانت الفتاة تناضل كي تمتلك شيئا من قواها الخائرة، وكان فمها يحترق بالألم، وإحدى ذراعيها قد شلت تماما. أمسك بها الرجل، ووجه لها ضربة عنيفة في معدتها. سقطت على الأرض. وضع حذاءه فوق رأسها وراح يطحن وجهها في الرمل. اختنقت المرأة بدمها وأطلقت آخر أنفاسها.

في اليوم التالي لم تكتب الصحف شيئا عن الضحية، رغم أن العناوين المحلية حملت على الصفحة الأولى قصة عن امرأة أخرى تعرضت لاعتداء سرقة في حي آخر. لكنها تمكنت من الهروب بالدخول إلى مستشفى قريب.

وجدنا بعضا من دم المرأة متجمدا على الرمال، لكننا لم نقل شيئا. جلسنا في حلقتنا المعتادة نمضغ قطع الشيكولاته ونتحدث عن أحد أفلام الرعب (Them) الذي كان يعرض في دور السينما. لكننا بقينا متيقظين تجاه (تومي) والراهبات.

في حلقتنا تلك كان يمكننا أن نقضي الساعة ونحن نتحدث عن المستقبل، فلكل واحد منا حلمه ورغبته في عمل شيء ما متميز وجيد يوما ما. كنا جميعا نرغب أن نكون علماء صواريخ. ببساطة لأن علماء الصواريخ يفترض بهم أن يلموا بكل شيء. آباؤنا ومعلمونا غالبا ما يجدون وسيلة لتأكيد ذلك المستوى العالي من الذكاء. ليس من الضروري أن تكون عالم صواريخ كي تكشف عن كذا وكذا. ويعطوننا مثالا لا يعبر حتى عن امتلاك الحد الأدنى للحس البديهي. فنحن قد نختار مهنة مثل التدريس فنجد فيها من السحر ما يعادل أن تصبح (سوبرمان). في الحقيقة نحن لا نعرف معلمين يشبهوننا. لكن علماء الصواريخ قليلون، والذكاء هو المؤشر الوحيد لذلك. المدرسة ذات معنى، ومستقبلنا سيكون له معنى بالتأكيد، وبلدنا بحاجة إلينا.


الاولاد الاخرون يتزحلقون ويتأرجحون. يتقافزون ويرفسون الرمل. يركضون من طرف الساحة حتى السور، فينفرط عقدهم وينطلقون بالصراخ والزعيق والغناء. لكننا لا نتحرك


من أعلى الزلاجة ينادينا تومي:

- ها أنا قادم...مثل القنبلة.

ويهبط متشبثا بحافتي الزلاجة بكلتا يديه. يصرخ أخيرا:

- ووووووووووم !

ولتومي ضحكة غبية تشبه صهيل الخيل، تجعل الناس ينظرون إليه كأنه طفل متخلف عقليا. يستغرق في ضحكته طويلا فيبدو الضيق على وجوه الآخرين، مما يدفعه إلى وضع يده فوق فمه.

جلس (تومي) عند أسفل الزلاجة، يرفس الغبار بقدميه، وذراعاه الممتلئتان تتشبثان بحافتي الزلاجة. يرفع نفسه إلى الأعلى ويفتح ذراعيه فيبدو كما لو أنه معلق إلى صليب من الألمنيوم.

وينتصب واقفا وينظر إلينا فيركبنا القلق. عندها ينطلق بالضحك ثانية. لكننا لا نتكلم. تظل عيوننا مثبتة في الرمل. قوافل من النمل الأسود تواصل عملها الدءوب، تنقل الطعام وتبني بيوتها في الأرض العشبية. لكنه لم يكن من السهل تجاهل ضحكة (تومي).

هي بالتأكيد ضحكته التي استفزت رد فعلنا الجماعي. نهضنا واقفين سبعتنا وتوجهنا نحوه. كان ما يزال يضحك عندما أحطنا به عند أسفل الزلاجة. نظر إلينا وفي عينيه خوف. مثل آبائنا ورؤسائنا لم نكن قادرين على تحديد مشاعرنا. لكننا كنا نشعر بشيء ما. مواجهة من نوع ما. ومهما كانت فهي من ضخمة ومبهمة مثل الرمل المنتشر في الساحة.

توقف الجميع عن اللعب. تركوا المصاطب وصناديق الرمل. نزلوا من السلالم. تحول الصخب إلى صمت مطبق. الشيء الوحيد الذي كان يتحرك لوح الأرجوحة الذي هجره أحدهم. سلاسل الأرجوحة التي لم تكن مرئية في الظهيرة المضببة، جعلت اللوح يبدو وكأنه يسبح في الهواء، يعلو ثم يسقط في السكون. تكررت تلك الحركة الكسولة بضع مرات قبل أن يتوقف اللوح نهائيا. شيء ما سيحدث.

صرخت السيدة (بوست ويت):

- يا أولاد !

لم تصرخ من قبل. ربما كانت ترفع صوتها أحيانا عندما تريد أن تلفت انتباه بعض الطلبة.

لم نفعل شيئا.

أشارت السيدة (بوست ويت) بذراعها وهرولت عبر سلالم المدرسة باتجاه مدخل الساحة. كنا نراها من خلال السور المشبك والذي يشبه المثلثات الصفراء المقلوبة في الملاجئ المضادة للإشعاع الذري في المدينة. اللون الأصفر فوق ارضي سوداء. أصفر مثل شعر السيدة بوست ويت المتطاير. كانت مندفعة كالسهم تحت ضوء الشمس كي تصل إلينا.

لم نفهم شيئا حتى سمعنا أزيز محرك الطائرة. نظرنا إلى الأعلى. طائرة صغيرة تسبح في السماء تاركة خلفها خطا من الدخان الأبيض. ثم انطلقت صفارات الإنذار مفاجئة وحادة تثقب الرؤوس.

صرخت السيدة (بوست ويت) مرة أخرى:

- إلى الطابور في الحال.


لكننا كنا مذعورين. أحدهم أطق صرخة، وبدأنا نركض، نصدم بعضنا البعض، باحثين عن نهاية السور. إحدى الفتيات قذفت بنفسها داخل نافورة الماء. (تومي لانثام) ارتمى على الأرض وغطى رأسه بذراعيه، غارزا كوعيه في الرمل.

عبر الشارع، إحدى الراهبات صرخت بكلام غير مفهوم. كانت تلوح ذراعيها بعنف، وكان رداؤها يتطاير مثل جناحين من الورق. ساحرة توجه المرور. لكن الوقت قد فات.


ركض (غليسون باركر) إلى الشارع. قبل لحظات كان واقفا جنبنا في الحلقة التي تطوق (تومي لانثام). الفتى الأكثر نحافة في كنيستنا. طار جسده في الهواء مثل كبسولة انفصلت عن صاروخ منطلق، لكنه سقط مثل سمكة ندية معلقة بصنارة صياد، بعد أن صدمته سيارة السيد (فيتنيني)


السيدة (بوست ويت) كانت أول الواصلين اليه. كانت في حالة هستيريا. راحت تزعق:


- أين جاسون؟ أين غريفي؟ تومي، اين أنت؟ جيرتا..؟


كانت تقبض على شعر رأسها بإحدى كفيها، وهي تحدق في الوجوه. كنا متماسكين.


تقدمت إحدى الراهبات. دفعت السيدة (بوست ويت) جانبا، وقرفصت على الارض عند (غليسون). أحاطت رقبة (غليسون) بكفيها. كانت رأسه متهدلة الى الوراء كما لو أنه كان يبحث لها عن مستقر كي يستغرق في النوم.


ولم نر أكثر من ذلك.


بقي السيد (فيتنيني) في موضعه داخل السيارة. ذراعاه تطوقان المقود، ورأسه الصلعاء تلتصق بجهاز التنبيه.


أحاطت الراهبات ب(غليسون). رسمن علامة الصليب، وتمتمن ببضع كلمات للعذراء. حملت الراهبة (غليسون)، وكانت كأنها تهدهده، وربما طبعت قبلة على جبينه. قد يكون (غليسون) قد تحرك قليلا وتأوه. وربما لم تكن الإصابة خطيرة، رغم أن كفي الراهبة كانتا ملطختين بالدم.


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



***********
عنوان القصة : آخر أيام القط

تأليف : حسن عبد الرزاق
***********


" آخر أيام القط "






الوجه المنتفخ كبالون .. الوجه الذي طاردته الشوارع بكركراتها السوقية متى مامر بها .. الوجه الذي مشى عليه الجدري سنة واحدة ثم رحل وترك آثاره لمدة سبعين سنة .. اصبح ألان شاحبا .. ذابلا كبرتقالة جف ماؤها ..والخد الأيسر منه عاطل بسبب الجلطة.



تفرسه في المرآة من خلال عينه السليمة فرأى اصفرار الخريف عليه وكان اصفرار حاد ..لئيم ..لم ينهزم أمام حبوب الفيرسولين والفولك اسيد وال(بي تولف).



زفر مرارة روحه بشكل كلمة ملتهبة (زمان) ..ثم انسحب من الإطار الخشبي للمرآة ، ومن الباحة الداخلية الضاجة بالرطوبة والعفونة ، وصار في الشارع وتمنى لو لم يغلق باب الدار لعل لص ما يسرق (الوحدة) منها.



في الشارع - كما في كل يوم – وجد الزمن على انطلاقته القديمة .. يعدو بسرعة لا تريد الانتهاء..والثواني تتساقط منه أعمارا ميتة ، مخلفة وراءها جثثا تضاف إلى تابوت الحياة. . أراد إن يلعنه بأغنية من بين أغنيات كثيرة تكشف مساوئ الزمن لكن فكه الأيسر لم يستجب فهو ميت من بين موتى نصفه الشمال.



مشى خلف عكازه الخشبية الصلبة ..ضرباتها ذات إيقاع ثابت كصوت عقرب الثواني في الساعة الكبيرة المعلقة قبالته في جدار الغرفة .. ترسم في ذهنه دائما صورة لأفعى خبيثة تواصل زحفها نحوه بإصرار لا يثنيه شئ.. انه يخاف من هذه الأفعى ألان .. يرعبه مشهد اللحظة الأخيرة حين يصل عمره إلى حافة فمها .. مع انه فيما مضى كان لايابه بأية افعي كانت .



بعد شارع رئيسي واربعة شوارع فرعية بدا اللهاث بغلق منافذ دخول الهواء منذرا بانهيار عكازه .. فقد تعبت جهته اليمين بعد إن سارت فوق ما تستطيع إن تتحمله ومضى القلب في ضرباته صوب لحظة الانفجار.ومع ذلك تابع سيره ، فبداخله بقية قوة خزنها من شباب طالما قطع هذه الشوارع عشرات المرات يوميا جريا وراء عذراء جميلة .. أو متزوجة جميلة ..أو........... فتى جميل.



على إحدى مصاطب شاطئ النهر الأسمنتية حط رحالة مختتما الشوط الوحيد في رحلته اليومية فاستقبلته هذه بقلب امومي وطفقت تسحب من بدنه كل ما تراكم به من إرهاق وتعيد لوجهه الذي أضحى بالونا خاليا من الهواء شيئا من نبض الحياة .



بعد ساعة استراحة مرت عليها عشرات العيون بين مستعطفة وساخرة ، نهض إسماعيل القط ذو الوجه المرقش بالجدري وبقايا بصاق النساء وصفعات الفتيان المنتفضين من اجل شرفهم، ودب نحو صخرة من صخور الشاطئ وجلس عليها ثم مد يده السليمة نحو (ماء الله) واغترف منه ما يكفيه للتطهر من الادران.



حين جرت برودة الرب على وجهه اشتهى إن يبكي ندما ، فثمة سعير قديم صعد من أعماق أمسه إلى لحظته تلك .. سعير لسائل كان يواظب على احتسائه هنا لمدة مراهقة وشباب وشيخوخة كاملات بدون إن يطفاه بتوبة مؤقتة .. لكن مشهد قنينة خمر طافية قريبا من الجرف ألغى من عينيه دمع الندم حالا واستبدله بدمعة حنين انسكبت فعلا على خديه المتغضنين .



Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®



*************
عنوان القصة : الحارس الليلي
تأليف : أنطون تشيكوف
*************



" الحارس الليلي "









- مَن هناك؟



لم يأته رد. ولم يكن بمقدور الحارس ان يرى شيئا. رغم زئير الريح المتواصل وارتطامها بالشجر، كان يسمع وقع اقدام تتقدمه على امتداد الطريق. ليلة من ليالي آذار (مارس). السماء ملبدة بالغيوم، والضباب الكثيف يغلف كل شيء، وخيل للحارس بأن الأرض والسماء وهو نفسه مع أفكاره قد توحدوا جميعا في هيئة واحدة هائلة منيعة تتسربل بالسواد. كان يتلمس طريقه في تلك العتمة الكثيفة.



عاد الحارس يصيح مناديا:



- من هناك؟



وبدأ يتخيل بانه يسمع همسا وضحكة مكتومة.



- من هناك؟



- أنا...ايها الصديق.



جاءه صوت رجل عجوز.



- ولكن من تكون؟



- أنا....مسافر.



عندها صرخ الحارس بغضب، وهو يحاول أن يخفي رعبه بالصراخ.



- أي نوع من المسافرين أنت؟ ماذا تفعل بحق الشيطان في مثل هذه الساعة داخل المقبرة؟



- ماذا ؟! أتقول أنها مقبرة ؟!



- وماذا تكون؟ بالطبع أنها مقبرة. الا ترى ذلك؟



جاءه صوت الرجل العجوز متنهدا:



- يارب السموات! لكني لا أرى شيئا. لا استطيع حتى أن أرى يدي أمام وجهي.



- ولكن من تكون؟



- أنا حاج...يا صديقي



عندها انطلق الحارس يغمغم لنفسه بتذمر:



- الشياطين وطيور الليل...نوع جيد من الحجاج...وكذلك السكارى. يسكرون طوال النهار ويخرجون في الليل ليجوبوا الطرقات



ثم أضاف بعد لحظة صمت.



- يخيل لي اني سمعت أكثر من صوت، كأنكم إثنان أو ثلاثة.



- إنني لوحدي يا صديقي، لوحدي. آآآآآآ....كم نرتكب من ذنوب.....



وتعثر الحارس بالرجل فتوقف.



- كيف جئت إلى هذا المكان؟



- فقدت طريقي ايها الرجل الطيب. فأنا متجه إلى (متريفسكي ميل) ولكن يبدو أنني قد ضعت.



- نعم، هذا صحيح، فالطريق إلى (متريفسكي ميل) ليست من هنا. كان عليك أن تتجه إلى اليسار. تخرج من المدينة مباشرة لتسلك الطريق الخارجي. واضح انك توقفت في المدينة لتشرب بضعة كؤوس، ولهذا انت الآن تائه.



- نعم يا صديقي فعلت ذلك. لن أخفي ذنوبي، ولكن ماذا افعل الآن؟



- تستمر حتى نهاية الطريق، ثم تنعطف معه إلى اليمين وتسير حتى تصل البوابة وهي نهاية المقبرة، تفتحها وتخرج مصحوبا بالسلامة. وحاذر أن تسقط في الغدير. بعد المقبرة تسير بمحاذاة الحقول حتى تصل الطريق الرئيسي.



- أعطاك الرب الصحة والعافية يا صديقي، وحمتك السموات. كن رحيما معي أيها الرجل الطيب وسر معي حتى البوابة.



- لا ليس عندي الوقت لذلك، عليك أن تذهب لحالك.



- كن رحيما، وسوف أصلي من أجلك. فأنا لاأستطيع أن أرى شيئا. المرء لايستطيع أن يرى كفيه أمام وجهه بسبب الظلمة. دلني على الطريق يا سيدي.



- كما لو أنني لدي الوقت الكافي كي أكون دليلا لك. هذا غير ممكن يا سيد.



- بحق السيد المسيح، أتوسل إليك أن تدلني على الطريق، فأنا لا أرى شيئا. ثم إنني أخاف أن أسير وحيدا في المقبرة. إنه أمر مرعب ومخيف.



يتنهد الحارس أخيرا ويقول:



- يبدو أن لا خلاص منك. حسنا، هيا بنا.



وسارا سوية، الحارس والمسافر، متلاصقين وصامتين. وكانت الريح المشبعة بالرطوبة تضرب وجهيهما مباشرة، بينما خشخشة الأشجار الخفية تنثر قطرات الماء عليهما، وكانت الطريق مغطاة بالوحل تماما.



قال الحارس بعد فترة صمت دامت طويلا:



- نسيت أن أسالك. كيف دخلت المقبرة والبوابة مقفلة؟ هل تسلقت السور؟ إذا كنت حقا قد فعلت ذلك، فهذا آخر شيء اتوقعه من رجل كبير السن.



- لا أدري يا صديقي، لا أدري. انا نفسي لا اعرف كيف حصل هذا. إنه عقاب من الله...إذن أنت حارس هنا يا صديقي؟



- نعم.



- الوحيد على كل المقبرة؟



ضربتهما في تلك اللحظة لفحة ريح هوجاء فتوقفا في مكانهما، وانتظرا حتى تجاوزتهما. عادا ليواصلا سيرهما. أجاب الحارس:



- نحن ثلاثة. أحد الإثنين الباقيين مريض بالحمى، والآخر نائم، ويستلم واجبه من بعدي.



- آآآآ...فقط اردت أن أتأكد ياصديقي. يا لها من ريح. تعوي كأنها وحش. آوووووووه...



- ومن أين أنت قادم؟



- من مكان بعيد يا صديقي. أنا من فولوغدا. أتنقل من مكان مقدس إلى آخر وأصلي للناس. فليحفظني الله ويشملني برحمته.



توقف الحارس كي يشعل غليونه. إنحنى خلف ظهر المسافر واشعل بضعة عيدان كبريت. وهج العود الأول أضاء لوهلة على الجانب الأيمن من الطريق شاهدة قبر بيضاء بملاك وصليب أسود. العود الثاني توهج وانطفأ بسبب الريح. ظهر كأنه برق مندفع إلى اليسار فكشف عن جانب لشيء أشبه بسقيفة. عود الكبريت الثالث اضاء جانبي الطريق كاشفا عن شاهدة القبر، الصليب الأسود، وسقيفة لضريح طفل. غمغم الغريب وهو يتنهد بصوت مرتفع:



- النائمون الغائبون، النائمون الأعزة. كلهم سواء في نومهم، الأغنياء والفقراء، العاقلون والحمقى، الطيبون والأشرار. لا فرق بينهم على الإطلاق، وسيبقون نائمين جميعا حتى النفير الأخير. لتكن جنة الخلد مأواهم يسكنونها آمنين.



أجابه الحارس معلقا:



- الآن نحن نتحرك ونتحدث عنهم، ولكن سيأتي اليوم الذي نرقد فيه إلى جانبهم.







- دون شك سنموت جميعا. ليس هنالك من لا يموت. آآآآ...وافعالنا، وأفكارنا..شريرة، ماكرة ومخادعة...



- نعم ، لكنك ستموت يوما.



- دون شك يا صديقي.



يواصل الحارس تعليقه قائلا:



- الموت على حاج أسهل منه على أشخاص مثلنا.



- الحجاج أنواع، هنالك الحقيقيون الذين يخافون الله ويحرصون على عدم معصيته، وهنالك التائهون الضائعون في المقابر يوسوس لهم الشيطان بشتى المعاصي. يستطيع أحدهم الآن أن يفتح رأسك بفأس ويضع حدا لحياتك.



- لماذا تتحدث معي بهذا الشكل؟



- اوه..لا شيء، مجرد خيالات. أعتقد أننا وصلنا البوابة، هيا افتحها أيها الرجل الطيب.



تحسس الحارس طريقه نحو البوابة و..فتحها، ثم أمسك بالحاج من كم ردائه وقاده إلى الخارج قائلا:



- هذه هي نهاية المقبرة، والآن عليك أن تسير عبر الحقول المفتوحة حتى تصل الطريق الرئيسي. فقط حاذر من السقوط في الغدير القريب من هنا.



يتنهد الحاج بعد لحظة صمت ويقول:



- لا أظن أني سأذهب إلى (متريفسكي ميل). لا أرى سببا لذلك. سأبقى معك بعض الوقت يا سيدي.



- ولأي سبب تبقى معي؟



- أوه..أعتقد أن البقاء معك أفضل.



- إذن، فقد وجدتَ رفقة حسنة. أرى أنك مولع بالمزاح أيها الحاج.



قال الحاج وهو يكتم ضحكة غليظة:



- إذا أردت الحق، نعم، أنا كذلك. آآآآ...أيها الرجل الطيب، أراهن أنك ستظل تتذكرني لسنوات طويلة.



- ولماذا... سأظل أتذكرك؟



_ لقد أتيتك من حيث لا تدري....فهل أنا حاج؟ لا..أنا لست حاجا على الإطلاق.



- فماذا تكون إذن؟



- مجرد رجل ميت. لقد نهضت من تابوتي للتو. أتذكر صانع الأقفال غوبارييف الذي شنق نفسه في أسبوع الكرنفال؟ حسنا، أنا غورباييف.



- قل شيئا آخر.



لم يصدقه الحارس، لكن قشعريرة باردة سرت في جسده، واستولى عليه رعب ضاغط، فاندفع متعجلا يتحسس البوابة. لكن الغريب أمسك به من ذراعه وصاح به:



- هَه..هَه..هَه، أين أنت ذاهب؟ هل من اللياقة أن تتركني لوحدي.



عندها صرخ الحارس وهو يحاول ان يتحرر من قبضة الغريب:



- أتركني، أتركني...



- توقفْ. قلت لك توقفْ..، فلا تقاوم ايها الكلب القذر. إذا أردتَ أن تبقى بين الأحياء، فتوقفْ وامسك لسانك حتى أقول لك. لو كنتُ اريد قتلك، لكنتَ الآن ميتا منذ زمن. هيا..توقفْ أيها الخسيس...



ومن شدة رعبه، أغلق الحارس عينيه، متكئا على السور. وكانت ساقاه تهتزان بشدة تحته. كان يريد أن يصرخ مستنجدا، لكنه كان يعرف بأن صوته لن يصل أحدا من الأحياء. وكان الغريب واقفا إلى جانبه ممسكا بذراعه.



مرت ثلاث دقائق دون أن يتكلما. أخيرا خرق الغريب الصمت محدثا نفسه:



- أحدهم مصاب بالحمى، والآخر نائم، والثالث يرى حُجاجا على الطريق. هل تعرف بأن اللصوص أكثر شطارة منكم. توقفْ.. لاتتحرك..



ومرت عشر دقائق وهما في صمت تام. فجأة جلبت الريح صوت صفير. عندها قال الغريب تاركا ذراع الحارس:



- الآن يمكنك ان تذهب. هيا اذهب واشكر ربك لأنك ما تزال حيا.



أطلق الغريب صفيرا أيضا، وركض عبر البوابة، وسمعه الحارس وهو يقفز فوق الغدير.



كان ما يزال يرتعد من رعبه، عندما فتح البوابة وانطلق يركض وهو مغمض العينين، وفي داخله يراوده إحساس ينذر بالشر.



وعند انعطافته إلى الطريق الرئيسي، سمع وقع خطوات مسرعة، وصوتا يسأل:



- أهذا أنت يا تيموفي؟ أين ميتكا؟



وظل يركض حتى نهاية الطريق الرئيسي، عندها لاح له ضوء خافت في العتمة. وكان خوفه وإحساسه بوقوع الشر يتعاظم ويكبر وهو يدنو من الضوء. قال محدثا نفسه:



- يبدو أن الضوء قادم من الكنيسة. ولكن كيف حصل هذا؟ فليحمني الرب ويشملني برحمته.



وقف الحارس لبرهة أمام النافذة المحطمة، ينظر برعب إلى المذبح. كانت هنالك شمعة صغيرة، يبدو ان اللصوص نسوا أن يطفئوها، كان ضوءها يهتز مع الريح، فينشر بقعا داكنة حمراء فوق الأردية المتناثرة على الارض، والخزانة المقلوبة وآثار الأقدام المنتشرة عند المذبح.



مر بعض الوقت والحارس متسمر في موضعه، والريح تعوي.. ويختلط عواؤها بخشخشة وصليل الأجراس...


Copyright ©2010 - 2011 zankalooni.hooxs.com
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زنكلوني®
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مكتبة القصة القصيرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
zankalooni :: منتدى القصص القصيرة-
انتقل الى: